حب في زمن الحرب

عبير الياسمين في زمن الدمار

بقلم سارة العمري

ارتعشت يداها وهي تضبط الحجاب على رأسها، لم يكن العبير المنبعث من زهرة ياسمين صغيرة زُرعت بعناية في شرفة منزلهم المتهدم هو ما يقلقها، بل الصوت المتزايد للخطر الذي كان يزحف على أسوار المدينة كضباب لعين. كانت "ليلى" تبلغ من العمر عشرين عامًا، لكن الزمن، هذا الغادر العجول، قد صبغ وجهها بمسحة من النضج لا تتناسب مع ربيع عمرها. عيناها الواسعتان، اللتان اعتادتا أن تعكس بهجة السماء الصافية، صارتا الآن تحملان ظلال القلق العميق، وكأنها ترى ما لا يراه الآخرون.

كانت الحرب قد انتشرت في أرجاء البلاد كالنار في الهشيم، حارقةً الأخضر واليابس، ولم تسلم قريتها الصغيرة، "وادي الأمان"، من أنيابها. بيوتٌ دُمرت، وحقولٌ أحرقَت، وأصواتٌ صاخبةٌ لطائراتٍ تخيفُ الطفولةَ البريئة. لكن قلب ليلى لم يكن يعرف الاستسلام. كانت تعمل مع والديها في مخبزٍ صغير، تحوّله رائحةُ الخبزِ الطازجِ والخبزِ الدافئِ إلى ملاذٍ مؤقتٍ من واقعٍ قاسٍ.

في هذا الصباح المبكر، بينما كانت الشمس لا تزال تخجل من الظهور، كانت ليلى تخبزُ فطائرَ السميدِ الشهيةَ، يتصاعدُ منها عطرٌ كان يملأُ أركانَ البيتِ ويُغري الجيرانَ. كان صوتُ أبيها، "الحاج أحمد"، وهو يقرأُ القرآنَ بصوتٍ خاشعٍ، يختلطُ بصوتِ أمها، "أمينة"، وهي تنظمُ أطباقَ الخبزِ بعناية. لكن لم يدم هذا الهدوءُ طويلاً.

فجأةً، اخترقَ صمتَ الصباحِ هديرٌ عالٍ، تلاهُ صوتُ انفجارٍ هائلٍ هزَّ الأرضَ تحتَ أقدامهم. اهتزَّت جدرانُ البيتِ، وتساقطت قطعٌ من السقفِ، وتناثرَ الغبارُ في كلِّ مكانٍ. ارتجفَ قلبُ ليلى، وهمستْ: "يا الله!"

هرعَ الحاجُ أحمدُ إلى أمينةَ وليلى، وأمسك بيدهما بقوةٍ، وصاحَ بصوتٍ مرتجفٍ: "اهدؤوا! هذا قدرُ اللهِ."

لكنَّ هذه الكلماتِ لم تُطمئنْ ليلى. كانت قد رأتْ ما هو أكثرُ من ذلك. قبلَ ساعاتٍ قليلةٍ، وبينما كانت تتفقدُ الجيرانَ، رأتْ سياراتٍ عسكريةً غريبةً تتسللُ عبرَ الطرقِ الوعرةِ في أطرافِ القريةِ. كانَ جنودٌ يرتدون ملابسَ غيرَ مألوفةٍ، ويحملونَ أسلحةً لم ترَ مثلها من قبل. كانتْ ملامحُ القلقِ باديةً على وجوهِ سكانِ القريةِ، لكنَّ لا أحدَ كانَ يعرفُ طبيعةَ هذا الخطرِ.

خرجتْ ليلى إلى الشرفةِ، ونظرتْ إلى الأفقِ. سحبٌ رماديةٌ كانتْ تلونُ السماءَ، ونذرُ شؤمٍ كانتْ تلوحُ في الأفقِ. ثمَّ رأتْه. في نهايةِ الشارعِ، كانَ يقفُ رجلٌ. كانَ يرتدي معطفًا داكنًا، وكانَ وجههُ مغطىً جزئيًا بوشاحٍ. كانَ يقفُ وحيدًا، ينظرُ إلى اتجاهِ منزلهم. لم تستطعْ رؤيةَ عينيه، لكنَّها شعرتْ بوجودِ نظراتٍ حادةٍ تخترقُ قلبها.

شعرتْ بقشعريرةٍ تسري في جسدها. لم يكنْ هذا الرجلُ من أبناءِ قريتها. كانَ لهُ حضورٌ مختلفٌ، غريبٌ، ومريبٌ. تذكرتْ قصصَ الأجدادِ عن الغرباءِ الذينَ يأتونَ في أزمنةِ الاضطرابِ، حاملينَ معهمَ الخيرَ أو الشرَّ.

عادتْ ليلى إلى الداخلِ، وبدأتْ تساعدُ والديها في جمعِ ما يمكنُ جمعهُ من الأواني والمؤنِ. كانَ الجوُّ مشحونًا بالتوترِ، والخوفُ يسيطرُ على الجميعِ. لكنَّها في قرارةِ نفسها، كانتْ تشعرُ بشيءٍ آخرَ. كانَ هناكَ شعورٌ غامضٌ بالمسؤوليةِ، ورغبةٌ جامحةٌ في فهمِ ما يحدثُ.

في تلكَ اللحظةِ، دخلَ جارهُمُ الشيخُ "يوسف"، شيخُ القريةِ، وهوَ رجلٌ وقورٌ ذو لحيةٍ بيضاءَ طويلةٍ. قالَ بصوتٍ هادئٍ ولكنهُ حازمٌ: "يا الحاج أحمد، الأخبارُ سيئةٌ. لقدْ وصلَ إلى القريةِ عملاءٌ من جهةٍ لا نعرفها. إنهم يبحثونَ عن شيءٍ. يجبُ علينا أنْ نحميَ أنفسنا وعائلاتنا."

نظرَ الحاجُ أحمدُ إلى ابنتهِ. كانَ يرى في عينيها البريقَ الذي يختلفُ عن خوفِ الفتياتِ. كانتْ عيناها تتسائلانِ، تبحثانِ عن إجاباتٍ.

"ماذا يجبُ أنْ نفعلَ يا شيخَ يوسف؟" سألَ الحاجُ أحمدُ.

"يجبُ أنْ نختبئَ، وأنْ نصليَ، وأنْ نلجأَ إلى اللهِ. وإذا اقتضى الأمرُ، علينا أنْ ندافعَ عن أنفسنا." قالَ الشيخُ يوسفُ.

في هذهِ الأثناءِ، كانَ الرجلُ الواقفُ في الشارعِ قدْ اختفى. لم تعدْ ليلى تراهُ. لكنَّ صورةَ وجههِ الغامضِ، ونظراتهِ الحادةِ، قدْ طبعتْ في ذاكرتها. شعرتْ بأنَّ هذا الرجلَ مرتبطٌ بما سيحدثُ، وأنَّ حياتها، وحياةَ قريتها، على وشكِ أنْ تتغيرَ إلى الأبدِ.

أمسكتْ ليلى بيدِ أمها، وشعرتْ بقوةٍ تنبعثُ منها. لم تكنْ مجردَ فتاةٍ تخبزُ الخبزَ. كانتْ روحًا قويةً، وقلبًا شجاعًا، مستعدةً لمواجهةِ أيِّ شيءٍ، حتى في زمنِ الحربِ والدمارِ. كانتْ تنتظرُ، وتترقبُ، وتدعو اللهَ أنْ يحميَ أحباءها، وأنْ يُنيرَ دربها في هذا الظلامِ الذي بدأَ يتكشفُ.

شارك هذا الفصل:

เว็บไซต์นี้ใช้คุกกี้

เราใช้คุกกี้เพื่อปรับปรุงประสบการณ์การอ่านนิยายของคุณ วิเคราะห์การเข้าชม และแสดงโฆษณาที่เกี่ยวข้อง รายได้จากโฆษณาช่วยให้เราให้บริการอ่านนิยายฟรีต่อไปได้ อ่านรายละเอียดเพิ่มเติมที่ นโยบายความเป็นส่วนตัว

ตะกร้า eBook

ตะกร้าว่างเปล่า

เพิ่ม eBook ลงตะกร้าเพื่อรับส่วนลดพิเศษ

ส่วนลด Bundle

ซื้อ 3-4 เล่มลด 10%
ซื้อ 5-9 เล่มลด 15%
ซื้อ 10+ เล่มลด 20%