حب في زمن الحرب
همسات ماضٍ وحلم مستقبل
بقلم سارة العمري
تسللت خيوط الشمس الأولى عبر شقوق النافذة المهتزة، لترسم خطوطاً ذهبية على وجه نور وهي مستيقظة. لم يكن استيقاظها ككل يوم؛ فصوت المطر الهادر الذي بات يجلد نوافذ منزلهم منذ ليلة أمس، أضفى على الجو سحراً خاصاً، لكنه لم يفت من شدة القلق الذي استقر في صدرها. كانت تفكر في أحمد، في كلماته الرقيقة التي لامست شغاف قلبها، وفي تلك النظرة العميقة التي حملت ما لم تستطع الأحرف البوح به.
نهضت بخفة، وتوجهت نحو المطبخ حيث أعدت لوالدتها كوباً من الشاي بالنعناع، تلك الرائحة الزكية التي طالما كانت تبعث الدفء في أركان البيت. جلست إلى جانب والدتها، السيدة فاطمة، التي كانت تتأمل من النافذة قطرات المطر المتساقطة على أرض الحديقة.
"صباح الخير يا أمي،" قالت نور بصوت هامس، لم ترغب في إزعاج صمت والدتها. "صباح النور يا ابنتي،" أجابت السيدة فاطمة بابتسامة خفيفة، "يبدو أن السماء تبكي معنا اليوم." "ربما تبكي على ما نمر به، يا أمي. ولكن، لا تيأسي، فالغد يحمل معه غالباً ما يمحو أحزان الأمس." "أتمنى ذلك يا نور. قلب الأم لا يهدأ، خاصة في ظل هذه الظروف." "وأنا معكِ يا أمي. دعيني أعد لكِ بعض الطعام، فربما يشتت هذا المطر بعض القلق."
بعد دقائق، كانت نور تقدم لوالدتها طبقاً من الفول المدمس بالزيت والليمون، وخبزاً طناً دافئاً. تناولت السيدتان فطورهما في صمت لم يكن صمتاً مليئاً بالخواء، بل كان صمتاً يمتلئ بالأفكار المشتركة، بالحب العميق الذي يربطهما، وبالحنين لمن غاب.
عندما انتهت والدتها من طعامها، جلست نور إلى جوارها، ومدت يدها لتصافح يد والدتها المتجعدة. "يا أمي، تذكرين عندما كنا نذهب إلى بيت جدتي في القرية، وكان المطر يهطل بغزارة، وكيف كنتِ تحكين لي قصصاً عن أبطال الشجاعة والحب؟" ابتسمت السيدة فاطمة ابتسامة واسعة هذه المرة، "آه يا نور، تلك الأيام الجميلة. كنتِ طفلة صغيرة، أذناكِ مفتوحتان لكل كلمة، وعيناكِ تلمعان بالشغف." "وها أنا الآن، يا أمي، أشعر أني في حاجة لتلك القصص مجدداً. أشعر أني في زمن يحتاج فيه القلب إلى بطل، وإلى قصة حب قوية تصمد أمام العواصف." نظرت السيدة فاطمة إلى ابنتها بعينين فاضت بالحب والتفهم. "يا نور، الحياة يا ابنتي ليست قصة مكتوبة سلفاً، بل هي سلسلة من الاختيارات، ومن المواقف التي نصنع منها مستقبلنا. وأنا أرى فيكِ، في عينيكِ، قوة لا يستهان بها. وأحمد... أحمد شاب طيب، خلوق. رأيت في عينيه صدقاً واحتراماً."
كان ذكر أحمد بمثابة بلسم على روح نور. "أحمد يحمل في قلبه الكثير يا أمي. وهو أيضاً يحلم بمستقبل أفضل، بمستقبل خالٍ من الخوف والقلق." "وهذا ما نرجوه جميعاً. أن يعود الأمان إلى ديارنا، وأن نرى أبناءنا يبتسمون دون خوف."
بعد أن انتهى المطر، وارتفعت الشمس قليلاً في السماء الرمادية، قررت نور أن تزور بيت جدتها. كان بيت جدتها، رحمها الله، ملاذاً للذكريات الهادئة، ومكاناً كانت تجد فيه دائماً سكينة لم تجدها في أي مكان آخر. ارتدت نور حجابها، وخرجت.
كانت شوارع المدينة لا تزال غارقة في آثار المطر، والناس يتحركون بحذر، كأنهم يخشون أن تبتلعهم المياه. ولكن نور، وسط هذا المشهد، كانت ترى بصيص أمل. كانت ترى في كل قطرة مطر غسلاً للماضي، وفرصة لبداية جديدة.
عندما وصلت إلى بيت جدتها، استقبلها عمها، السيد خالد، بابتسامة دافئة. كان السيد خالد رجلاً صابراً، قوياً، يحمل عبء العائلة بعد رحيل جدها. "أهلاً بكِ يا ابنة أخي،" قال السيد خالد، "ما الذي أتى بكِ في هذا الجو؟" "اشتقت إلى هذا البيت يا عمي، وإلى رائحة ذكرياتي فيه. أردت أن أتأمل قليلاً." "البيت بيتكم يا نور. تفضلي، الجدة في الداخل، تتأمل كتاب الله."
دخلت نور لتجد جدتها، السيدة عائشة، جالسة في غرفتها، تدعو الله بصوت خفيض. كانت السيدة عائشة امرأة حكيمة، ذات قلب كبير، ورؤية ثاقبة. "السلام عليكم يا جدتي،" قالت نور وهي تقبل يدها. "وعليكم السلام ورحمة الله وبركاته يا نور عيني،" أجابت السيدة عائشة بابتسامة نورت وجهها. "ما الذي أتى بكِ؟ هل تسمعين الشدائد؟" "لا يا جدتي، جئت لأستمد القوة منكِ، ومن هذا المكان الهادئ." "القوة يا ابنتي، تأتي من الإيمان، ومن الصبر، ومن الدعاء. والله سبحانه وتعالى مع الصابرين."
جلست نور إلى جوار جدتها، وبدأت تتحدث معها عن حالها، عن قلقها على مستقبلها، وعن مشاعرها تجاه أحمد. كانت جدتها تستمع إليها بصبر، وتومئ برأسها تفهمًا. "يا جدتي، هل تعتقدين أن الحب في زمن الحرب يمكن أن يزهر؟ هل يمكن أن يجد طريقاً إلى الزواج، إلى حياة هادئة؟" نظرت السيدة عائشة إلى نور، وعيناها تعكسان حكمة السنين. "يا ابنتي، الحب الحقيقي، الحب الذي يرضي الله، لا يعرف المستحيل. هو كالزهرة التي تبحث عن الضوء لتنمو، حتى في أشد الظروف قسوة. أحمد شاب يبدو لي صالحاً، ولديه احترام لعائلتكِ وللتقاليد. إذا كان قلبه مع قلبكِ، وإذا كان كلاكما يسعى لإرضاء الله، فلا تخافي. الله سييسر لكم الأمور."
"لكن يا جدتي، هناك الكثير من التحديات. ظروفنا صعبة، وأحمد ليس لديه الكثير ليقدمه الآن. وأبي... أبي قد لا يوافق بسهولة." "يا نور، الأرزاق بيد الله. وهذا الزمان، وإن كان فيه شدة، فقد فيه أيضاً بركة. العبرة في صدق النوايا، وفي حسن الظن بالله. تحدثي مع والدكِ، وبينّي له صدق مشاعركِ، واحترامكِ له. أما عن أحمد، فليصبر وليحتسب، وليدعو الله. فالله لا يضيع أجر المحسنين. ولا تجعلي خوفكِ من الغد، يمنعكِ من الاستمتاع بجمال اليوم. فاليوم، هو يومكِ، وأحمد في قلبكِ."
استمدت نور من كلمات جدتها قوة هائلة. شعرت بأن غيوم القلق التي كانت تكسو سماء روحها بدأت تنقشع، تاركةً مكاناً لشمس الأمل. عادت إلى منزلها، وقلبها مفعم بالإيمان، وعزمها يزداد صلابة. كانت تعلم أن الطريق لن يكون سهلاً، لكنها كانت مستعدة لمواجهته، مستندةً إلى حب عائلتها، وإلى ثقتها بالله، وإلى ذلك الأمل الذي زُرع فيها بحب، وسينمو في زمن الحرب.
أما أحمد، فقد كان يقضي يومه في مساعدة والده في إصلاح ما تضرر من المنزل بفعل القصف. كانت يداه تعملان بجد، ولكن عقله كان مع نور. تذكر كلماتها، ابتسامتها، ودعوتها له بأن يكون بخير. كل تفصيل فيها كان ينبض بالحياة، وبالحلم.
"احمد، ما بالك؟ تبدو شارد الذهن اليوم،" قال والده، الرجل ذو الوجه الذي حفرته السنون، ولكن عينيه لا تزال تحملان بريق الحياة. "لا شيء يا أبي، فقط أفكر في المستقبل، وفي كيف سنعيد بناء كل شيء." "سنعيد بناء كل شيء يا بني، بالصبر والإيمان. والله هو الموفق. ولكن، ما الذي يشغل بالك تحديداً؟ هل هناك أمر مهم؟" تردد أحمد قليلاً، ثم قرر أن يصارح والده. "يا أبي، لقد تحدثت مع نور، و... أنا أرغب في التقدم لخطبتها رسمياً. أريد أن أكون بجانبها، وأن أقدم لها العون والحماية، ما استطعت."
نظر والده إليه طويلاً، ثم وضع يده على كتف أحمد. "أحمد، أنا أرى فيك رجلاً. وأعرف أنك تحمل مسؤوليتك. نور فتاة طيبة، بنت أصول. ولكن، هل أنت مستعد لهذا الارتباط في هذه الظروف؟ هل لديك ما يكفي لتأمين حياة كريمة لها؟" "يا أبي، أنا أثق بالله. وسأبذل قصارى جهدي. نور ليست مجرد فتاة، بل هي شريكة حياة. ومعها، أشعر أنني أستطيع التغلب على أي شيء." "إذا كان هذا ما تريده، وأنت على استعداد لتحمل الأعباء، فليكن. سنذهب لخطبتها. ولكن، كن مستعداً. فالأمر ليس سهلاً، خاصة مع ظروف والدها."
شعر أحمد ببعض القلق، ولكنه كان ممتناً لوالده. كانت هذه الخطوة مهمة جداً بالنسبة له. نظر إلى السماء، ودعا الله أن يوفقه، وأن ييسر له أمره. كان يعلم أن حبه لنور، وحبها له، هو الوقود الذي سيدفعه للأمام، في زمن الحرب، وفي أي زمن.