الفصل 14 / 25

حب في زمن الحرب

نبض الأمل في قلب العاصفة

بقلم سارة العمري

تتسرب أشعة الشمس الخجولة عبر ستائر خشبية عتيقة، ترسم خطوطاً ذهبية على وجه لينا وهي تتقلب في فراشها. لم تكن نومة هانئة، بل كانت أشبه بسلسلة من الصور المتناثرة: وجه أبيها العابس، صوت الرصاص البعيد، وخفقان قلبها الذي يكاد يخرج من صدرها. استيقظت فزعة، والتفتت حولها في الغرفة التي بدت وكأنها تحتضنها بذكريات الأيام الخوالي، أيام كانت فيها البهجة تسكن أركانها.

كان صباحاً هادئاً نسبياً في مدينة أنهكها القتال. الأصوات المعتادة للحياة اليومية – نداءات الباعة، أصوات الأطفال، جلجلة عربات النقل – كانت بالكاد مسموعة، كأنها أصداء بعيدة لماضي كان. ارتسم على وجه لينا تعب عميق، لكنه لم يخفِ لمعة تصميم في عينيها. أمسكت بقلادة فضية بسيطة ترتديها، لا تزال ساخنة من دفء جسدها، كانت هدية من والدها قبل أن يذهب إلى الجبهة. "اللهم احفظه لي"، تمتمت، ودعواتها تنساب كدعاء الغريق.

في الطابق السفلي، كانت جدتها، أم السعد، قد استيقظت مبكراً كعادتها. وجهها المطبّع بخطوط الزمن بدا هادئاً، رغم قسوة الأيام. كانت تعدّ فطوراً بسيطاً: خبز أسمر، جبن قريش، وبعض الزيتون. رائحة الخبز الطازجملأت المكان، محاولةً أن تبعث شعوراً بالدفء والألفة وسط جو الخوف والتوجس. عندما نزلت لينا، ابتسمت أم السعد ابتسامة حانية. "صباح النور يا ابنتي. لم تنامي جيداً؟"

جلست لينا مقابل جدتها، وقالت بصوت منهك: "الأحلام مزعجة يا جدتي. الحرب لا تترك للنوم سبيلاً."

"الحمد لله أنكِ هنا وبخير،" قالت أم السعد وهي تمسح على يدها. "علينا أن نتمسك بالأمل، فمنه نقتات. ألم تتلقي أخباراً جديدة من خليل؟"

ارتعشت شفتا لينا. "لا شيء حتى الآن. لم أعد أعرف ماذا أفكر. كلما طال الصمت، زاد قلقي." كانت تعني خليل، ذلك الشاب الذي خطبته قبل أشهر، والذي كان الآن في إحدى الجبهات يقاتل من أجل وطنه. علاقتهما بدأت كنسيم عليل، تطورت إلى محبة صادقة، ورابط مقدس تمّ في إطار الشريعة، ثم اختفت فجأة مع اشتداد وطيس المعركة.

"سيأتي الخبر يا ابنتي. ثقي بالله. وخليل شاب قوي وشجاع." حاولت أم السعد أن تطمئنها، لكن كلماتها كانت تحمل ظلال القلق ذاته الذي يخيم على المدينة.

بعد الفطور، أصرت لينا على الذهاب إلى السوق، ليس لشراء شيء، بل لتتفقد أحوال الجيران، ولتبحث عن أي خبر قد يصل من الجبهة. كانت خطوة محفوفة بالمخاطر، فالأسواق أصبحت أهدافاً سهلة. لكن الحاجة إلى التواصل، إلى الشعور بأنها ليست وحدها، كانت أقوى من الخوف. ارتدت ملابس بسيطة، واحتشمت، وخرجت، حاملةً معها حقيبة قماشية صغيرة فيها بعض النقود القليلة وبعض الطعام.

في الطريق، مرت بجوار منزل الحاج أبو محمد، الرجل الكبير في السن الذي فقد ابنه الوحيد في أولى أيام المعركة. كان يجلس على عتبة داره، عيناه شاخصتان إلى الأفق، وكأنه ينتظر عودة لن تأتي. توقفت لينا لبرهة، وقالت بصوت خافت: "السلام عليكم يا حاج. كيف حالك اليوم؟"

رفع رأسه ببطء، وعلى وجهه ابتسامة باهتة. "وعليكم السلام يا ابنتي. حالنا لله. الحرب أخذت منا الكثير، ولكنها لم تأخذ إيماننا."

تبادلا حديثاً قصيراً، كلمات مواساة من لينا، وكلمات صبر وذِكر من الحاج. كانت هذه اللحظات البسيطة هي التي تبقي جذوة الأمل متقدة في قلوب الناس.

عندما وصلت إلى السوق، وجدت المكان شبه خال. بضعة بسطات قليلة، وبعض الوجوه المتعبة التي تحاول استجماع قوتها. وقفت لينا قرب بائع فواكه، تتظاهر بالنظر إلى البضاعة، وتستمع إلى الأحاديث الخافتة. كان الجميع يتحدث عن شح الذخيرة، عن الأنباء القادمة من الجبهات الأخرى، وعن الخوف من المستقبل.

فجأة، سمعت صوتاً مألوفاً يناديها: "لينا!"

استدارت بسرعة، فوجدت زميلتها وصديقتها المقربة، سارة. كانت سارة ترتدي ملابس بسيطة، وعليها آثار الإرهاق، لكن ابتسامتها كانت مشرقة.

"سارة! ما الذي أتيتِ لتفعلي هنا؟" سألت لينا، وشعرت بارتياح لرؤية وجه مألوف.

"جئت لأبحث عن بعض الخضروات. أمي طلبت مني. وبالصدفة رأيتك." قالت سارة وهي تقترب. "هل سمعتِ أي أخبار؟"

نفت لينا برأسها. "لا شيء."

"أنا أيضاً. لكن سمعتُ أن هناك قافلة مساعدات ستصل اليوم أو غداً. ربما تكون هناك أخبار مع القافلة." قالت سارة، وكأنها تبث أملاً جديداً.

"أتمنى ذلك." قالت لينا. "خليل... هو في الجبهة الشمالية. سمعتُ أن القتال هناك شديد."

تنهدت سارة. "الحرب شديدة في كل مكان يا لينا. أسأل الله أن يحفظ أزواجنا وأهلنا. ولكن، هناك أمر آخر أريد أن أخبرك به. سمعتُ أن والدكِ... أنه قد أصيب."

تجمدت لينا في مكانها. الكلام خرج من فم سارة كصاعقة. "ماذا؟ أصيب؟ هل أنتِ متأكدة؟"

"سمعتُ من أحد الجرحى الذين عادوا. لا أعرف التفاصيل، لكنهم قالوا إنه يتلقى العلاج." قالت سارة بتأثر. "يا لينا، أنا آسفة جداً. لم أكن أريد أن أخبرك هكذا."

شعر جسد لينا بالارتجاف. لم تتخيل أبداً أن يأتي الخبر هكذا. والدها، سندها، حبيبها الأول، قد يكون في خطر. تركزت كل مخاوفها، كل دعواتها، في تلك اللحظة. شعرت وكأن الأرض تميد بها.

"أين؟ أين هو؟" سألت لينا بصوت مبحوح، وعيناها امتلأت بالدموع.

"لا أعرف بالتحديد. لكن ربما تكون هناك أخبار مؤكدة في المستشفى الميداني. سنذهب هناك؟" اقترحت سارة.

هزت لينا رأسها بحزم، واستجمعت ما تبقى من قوتها. "نعم. فوراً."

حتى لو كان الألم قد بدأ يتسرب إلى قلبها، فإن وجود خليل في قلب المعركة، ووالدها مصاباً، لم يكن ليترك لها مجالاً للانهيار. بل كانا أشبه بوقود يشعل فيها عزيمة جديدة. كان عليها أن تعرف، وأن تفعل ما تستطيع.

ودعت سارة بائع الفواكه، وهمت لينا بالتحرك. بينما كانتا تبتعدان عن السوق، بدأت أصوات القصف تتصاعد في الأفق، كأنها تذكير قاسٍ بأن العاصفة لم تنتهِ بعد. لكن في قلب لينا، وسط كل هذا الخوف والألم، كان هناك نبض صغير من الأمل، أمل في الشفاء، وأمل في العودة. كان أمل زوجة تنتظر زوجها، وابنة تنتظر أباها.

شارك هذا الفصل:

เว็บไซต์นี้ใช้คุกกี้

เราใช้คุกกี้เพื่อปรับปรุงประสบการณ์การอ่านนิยายของคุณ วิเคราะห์การเข้าชม และแสดงโฆษณาที่เกี่ยวข้อง รายได้จากโฆษณาช่วยให้เราให้บริการอ่านนิยายฟรีต่อไปได้ อ่านรายละเอียดเพิ่มเติมที่ นโยบายความเป็นส่วนตัว

ตะกร้า eBook

ตะกร้าว่างเปล่า

เพิ่ม eBook ลงตะกร้าเพื่อรับส่วนลดพิเศษ

ส่วนลด Bundle

ซื้อ 3-4 เล่มลด 10%
ซื้อ 5-9 เล่มลด 15%
ซื้อ 10+ เล่มลด 20%