حب في زمن الحرب
رسائل محفورة بالدمع
بقلم سارة العمري
شقت لينا وسارة طريقهما بحذر عبر الأزقة الضيقة، وكلما اقتربتا من المستشفى الميداني، اشتدّت أصوات الطائرات الحربية وأزيز الرصاص. كانت المدينة وكأنها تتنفس بصعوبة، وكل نفس هو صرخة ألم. توقفت حركة لينا قليلاً حين مرت أمام منزل جيرانها. كان الباب مفتوحاً قليلاً، فرأت جارتها أمينة تجلس على الأرض، تحتضن طفليها الصغيرين، وعيناها زائغتان، تبكي بصمت. لم تستطع لينا تجاهل هذا المشهد، فوقفت للحظة، تتأمل هذه الصورة المؤلمة لوجع الحرب الذي لا يفرق بين كبير وصغير.
"الحمد لله أن لديكِ من يحميكِ يا أمينة،" قالت لينا بصوت خافت، رغم أن كلماتها بدت قاسية وسط هذا الدمار.
رفعت أمينة رأسها، وقد غطت وجهها الدموع. "آه يا لينا، قلبي لم يعد يحتمل. أخبار سيئة تأتي كل يوم. زوجي... لا أعرف عنه شيئاً منذ أسبوع. والخوف ينهشني."
"الله كريم يا أمينة. ثقي بالله. ولدينا من يدعو لنا." قالت لينا، ثم أضافت ببعض التردد: "اليوم سمعتُ أن والدي... ربما أصيب."
اتسعت عينا أمينة. "لا حول ولا قوة إلا بالله! الله يشفيه ويعافيه. أنتِ أيضاً تمرّين بأشد الأوقات."
واصلت لينا وسارة سيرهما، تحملان ثقل هذا الهم الجديد. عندما وصلتا إلى محيط المستشفى الميداني، كانت الأجواء مشحونة بالتوتر. سيارات الإسعاف تتوالى، والأطباء والممرضون يجاهدون بكل طاقتهم. رائحة المطهرات اختلطت برائحة الدم، لتخلق مزيجاً مؤلماً.
دخلتا المستشفى، ورأت لينا لأول مرة الحجم الحقيقي للكارثة. جرحى بأعداد لا تحصى، منهم من يتأوه ألماً، ومنهم من فقد الوعي. الممرضات يركضن هنا وهناك، وجوههن مرهقة، لكن عزيمتهن لا تلين.
"أين أستطيع أن أسأل عن حالة المصابين؟" سألت لينا ممرضة شابة كانت تمر بجوارها.
نظرت إليها الممرضة بعينين متعبتين. "إذا كان اسمه مسجلاً، فربما نستطيع أن نجد اسمه. من تبحثين عنه؟"
"اسمه أبو علي، اسم أبي." قالت لينا، وشعرت بأن صوتها يرتجف.
"أبو علي... هل لديه اسم آخر؟" سألت الممرضة وهي تفتح سجلاً كبيراً.
"علي، اسمه علي."
بعد لحظات من البحث، أشارت الممرضة إلى سطر في السجل. "ها هو! علي بن أحمد. حالة متوسطة. إصابة في الذراع اليمنى، وبعض الكدمات. يتلقى العلاج حالياً في الجناح رقم ثلاثة. لا تقلقي، حالته مستقرة."
شعرت لينا بأن ساقيها لن تحملانها. استقرت حالته. لم يكن الأمر كما توقعت. لكن إصابة ذراعه اليمنى... ذراعه التي لطالما احتضنتها، ذراعه التي ربّتها. شعرت بدمعة حارة تنحدر على خدها.
"الحمد لله! الحمد لله أنه بخير!" قالت سارة، واحتضنت لينا.
"هل يمكنني رؤيته؟" سألت لينا.
"نعم، بعد أن يرتاح قليلاً. لا يسمحون بالزيارات الطويلة في الوقت الحالي. لكن يمكنكِ الاطمئنان عليه." قالت الممرضة.
بعد فترة، سمحوا للينا بالدخول إلى الجناح رقم ثلاثة. كان والداها، الحاجة فاطمة، والدة لينا، جالسة بجوار سرير أبيها، تمسك بيده. وجهها كان شاحباً، لكن عندما رأت لينا، ابتسمت ابتسامة تحمل مزيجاً من الارتياح والقلق.
"أبي!" صاحت لينا، وركضت إليه.
فتح والدها عينيه ببطء، وعلى وجهه ابتسامة ضعيفة. "لينا؟ يا ابنتي. لماذا أنتِ هنا؟ كان عليكِ أن تبقي في المنزل."
"كيف لي أن أبقى وأنت هنا يا أبي؟" قالت لينا وهي تمسك بيده الأخرى. "الحمد لله أنك بخير."
"الحمد لله. مجرد خدوش، يا ابنتي. قليل من الألم." قال أبو علي، لكن نظرة الألم لم تغب عن عينيه.
جلست لينا بجوار والدتها، تتأمل والدها. كان يبدو قوياً حتى وهو مصاب. تذكرت كل نصائحه، كل دروسه، كل ما علّمها إياه عن الصبر والقوة.
"خليل... هل وصلكِ أي خبر منه؟" سألها أبو علي بصوت خافت.
نفت لينا برأسها، وشعرت بقلبها ينقبض. "لا شيء يا أبي. لكنني لم أفقد الأمل."
"نعم، خليل شاب لا يُشق له غبار. سيقاتل ببسالة. ولكن... تذكري يا لينا، الحرب تفرض قوانينها الخاصة. في بعض الأحيان، علينا أن نتوقع الأسوأ، ونستعد للأفضل. لا تدعي نفسكِ تضعفين." قال والدها، وكانت كلماته تحمل ثقل تجربة عميقة.
بعد قضاء وقت قصير، اضطرت لينا لمغادرة المستشفى، تاركةً والديها. وهي خارجة، التقت بسارة.
"كيف حاله؟" سألت سارة.
"الحمد لله، حالته مستقرة. مجرد إصابة في ذراعه."
"هذا خبر جيد جداً. الله يشفيه. وبالنسبة لخليل..." بدأت سارة، لكنها توقفت.
"ماذا؟ هل سمعتِ شيئاً؟" سألت لينا بسرعة، وقلبها يخفق.
"لا، ليس خبراً أكيداً. مجرد همسات. يقولون إن هناك اشتباكات عنيفة في الجبهة الشمالية، وأن بعض الوحدات... واجهت صعوبات كبيرة." قالت سارة بتردد. "لا أريد أن أقلقكِ أكثر، لكن عليكِ أن تكوني مستعدة لأي شيء."
نظرت لينا إلى الأفق، حيث تتصاعد سحب الدخان. الحرب لم تكن مجرد معارك، بل كانت سلسلة من الأخبار المتناقضة، والهمسات المزعجة، والدموع التي لا تتوقف. كانت تحاول أن تحافظ على رباطة جأشها، وأن تتمسك بالأمل، ولكن كل يوم كان يأتي بثقل جديد.
بينما كانت عائدة إلى المنزل، شعرت بأنها تقف عند مفترق طرق. والدها مصاب، وخليل في قلب الخطر، ومستقبلها كله معلق بخيط رفيع. في تلك الليلة، جلست لينا في غرفتها، وفتحت دفتر مذكراتها القديم. بدأت تكتب، وكأن الكلمات هي السبيل الوحيد للتعبير عن كل ما يعتريها.
"يا خليل، يا رفيق دربي، هل تسمع ندائي؟ هل تشعر بقلبي الذي يئن شوقاً إليك؟ الحرب تفرقنا، لكنها تقوّي عهودنا. أصبحتُ أفهم معنى الصبر، وأتذوق طعم الدعاء. كل شهادة حب كتبتها لك، كل وعد قطعته، أصبح الآن أقوى، وأكثر نقاءً. سأنتظرك، مهما طال الزمن، مهما اشتدت العواصف. سأنتظر نور وجهك الذي سيضيء حياتي من جديد. أما والدي، فليكن في حفظ الرحمن. قوته هي قوتي، وألمه هو ألمي. الحرب تأخذ، ولكنها لا تستطيع أن تأخذ منا روح الإيمان، ولا قوة الحب."
كانت رسالة مكتوبة بالدموع، بالحبر، وبالأمل. رسالة تحمل كل ما في قلبها من خوف، وحب، ورجاء. كانت تعلم أن هذه الكلمات قد لا تصل إليه، لكنها كانت تشعر بأنها تكتبها من أجل نفسها، من أجل أن تبقى قوية.