حب في زمن الحرب
همسات الخيانة ورياح التغيير
بقلم سارة العمري
مرت أيام أخرى ثقيلة على لينا. والدها في المستشفى، يخضع للعلاج، وحالته تتحسن ببطء، ولكن القلق على خليل لم يفارقها. الأخبار القادمة من الجبهات كانت متباينة، تتراوح بين أنباء انتصارات معنوية، وتقارير عن خسائر مؤلمة. المدينة أصبحت كجسد منهك، يحاول استجماع قواه للبقاء.
في أحد الأيام، بينما كانت لينا تزور والدها في المستشفى، سمعت حديثاً بين ممرضتين خلف ستار طبي. كانتا تتحدثان بصوت منخفض، لكن لينا استطاعت التقاط بعض الكلمات: "...فقدان الاتصال... وحدة كاملة... لا أثر لهم..." ثم تبعتها همسات أخرى عن "تحرك مفاجئ للعدو" و"خيانة من الداخل".
تجمدت لينا في مكانها. "وحدة كاملة"؟ "خيانة من الداخل"؟ شعرت وكأن قلباً بارداً يضغط على صدرها. حاولت تجاهل الأمر، ربما كانت مجرد مخاوف مبالغ فيها. لكن الكلمات ظلت تتردد في ذهنها.
عند عودتها إلى المنزل، وجدت جدتها، أم السعد، تتحدث إلى جارة لهما، أم محمد. كانت أم محمد تبدو قلقة للغاية.
"هل سمعتِ الأخبار يا أم السعد؟" سألت أم محمد بصوت مرتجف. "يقولون إن هناك جنوداً اختفوا في ظروف غامضة. وخليل... خليل كان ضمن إحدى الوحدات التي فقد الاتصال بها."
شعرت لينا بأن ساقيها تخونانها. "ماذا؟ اختفى؟ هذا غير ممكن!"
"هذه الأنباء بدأت تنتشر يا ابنتي. لا أعرف مدى صدقها، لكن القلق ينهش قلوبنا جميعاً." قالت أم محمد، وقد غطت وجهها الدموع.
"ولكن... قبل أيام قليلة، كانت هناك أخبار عن هجوم ناجح في نفس المنطقة التي يتواجد فيها خليل. كيف يمكن أن يكون قد اختفى؟" قالت لينا، صوتها يكاد يكون همساً.
"يقولون يا ابنتي إن هناك من يسهّل أمر العدو. خيانة. سمعتُ هذا الكلام من ثقات." قالت أم محمد، ونظرت حولها بخوف. "الله يحفظ أبناءنا."
بعد أن انصرفت أم محمد، جلست لينا مع جدتها. حاولت أم السعد أن تطمئنها، لكن عينيها كانتا تعكسان قلقاً عميقاً. "لا تصدقي كل ما تسمعين يا ابنتي. الحرب مليئة بالإشاعات والأكاذيب. سننتظر الخبر اليقين."
لكن لينا كانت تعلم أن الهمسات في المدينة بدأت تتجسد كحقائق مؤلمة. شعرت بأن الظلمة تتزايد حولها. كيف يمكن أن يحدث هذا؟ خليل، الذي كان يقاتل بشجاعة من أجل وطنه، أن يكون ضحية لخيانة؟
في هذه الأثناء، كان هناك شخص آخر يتابع مجريات الأحداث بقلق شديد، هو السيد رضوان، والد سارة. كان رضوان يعمل في إدارة الإمدادات، وكان لديه وصول إلى معلومات قد لا تكون متاحة للعامة. منذ أسابيع، بدأ يشك في وجود تسريبات لمعلومات حساسة تتعلق بتحركات القوات، وخطط الإمدادات.
جلس رضوان في مكتبه المتواضع، يقلب أوراقاً قديمة. كان قد بدأ يشك في شخص قريب منه، زميل له في العمل، يدعى "فؤاد". فؤاد كان يبدو متديناً، ملتزماً، ولكنه كان يتصرف بغرابة في الآونة الأخيرة، يتلقى اتصالات مشبوهة، ويختفي لساعات دون مبرر.
"لا يمكن أن يكون الأمر مجرد صدفة،" تمتم رضوان لنفسه. "الخسائر في الجبهة الشمالية، والتسريبات عن تحركات العدو... كل هذا يشير إلى وجود عميل."
قرر رضوان أن يبدأ تحقيقاً سرياً. بدأ بمراقبة فؤاد بحذر، وتسجيل تحركاته. كان يعلم أن هذه الخطوة خطيرة، وأن انكشاف أمره قد يعرضه للخطر، وربما يعرض عائلته للخطر. لكن ضميره كان يلح عليه.
في صباح اليوم التالي، تلقت لينا رسالة. لم تكن من خليل، بل من صديق له، كان يخدم معه في نفس الوحدة. الرسالة كانت مختصرة، كُتبت بسرعة، وبخط يد مرتعش.
"لينا، أنا آسف. لم أعد أعرف ماذا أقول. هناك شيء سيء يحدث. اختفاء خليل... لا أعتقد أنه مجرد قتال. كانت هناك حركة مريبة قبل الاختفاء. شخص ما خاننا. أنا نفسي في خطر. سأحاول أن أرسل المزيد إذا استطعت. احذري."
كانت الرسالة كافية لتؤكد أسوأ مخاوفها. خليل لم يختفِ في المعركة، بل كان ضحية لخيانة. الغضب ممزوجاً بالحزن اجتاحها. من يكون هذا الخائن؟ ولماذا؟
في هذه الأثناء، كان فؤاد، الرجل الذي يشك فيه رضوان، يلتقي سراً بشخص مجهول في زقاق خلفي. كان يسلمه بضع أوراق مطوية.
"هل تأكدت من المعلومات؟" سأل الشخص المجهول بصوت أجش.
"نعم، كل التفاصيل صحيحة. تحركات القوات، ومواقع الدفاع، وحتى خطط الإمدادات. ولكن... هناك مشكلة." قال فؤاد.
"ما هي المشكلة؟"
"هناك شبهات تحوم حولي. أشعر أنني مراقب. يجب أن نسرّع الصفقة." قال فؤاد، وقد بدا على وجهه العرق.
"لا تقلق. الأمور تسير كما خططنا. سنحصل على ما نريد، وسنختفي جميعاً. الثمن الذي ستتقاضاه سيغير حياتك." قال الرجل المجهول، ثم اختفى في الظلام.
عادت لينا إلى منزلها، وقلبها مثقل بالهم. والدها يتعافى، لكنه بعيد، وخليل في مصير مجهول، متهم بالخيانة من قبل شخص ما. رفعت عينيها إلى السماء، وكأنها تبحث عن إجابة.
"يا رب، أنت حسبي وكيـلك. إن كان خليل قد ظلم، فابـرأ ساحته. وإن كان قد وقع في يد الأعداء، فكن له عوناً. وإن كان هناك خائن، فاكشفه. لا أملك إلا الدعاء، ولا حول لي ولا قوة إلا بك."
كانت كلمات الدعاء تعبيراً عن أقصى درجات الاستسلام للقضاء، وأقصى درجات الإيمان بالعدل الإلهي. لكنها كانت أيضاً تعبيراً عن رغبة عميقة في معرفة الحقيقة، ورغبة أشد في استعادة من تحب. رياح التغيير بدأت تهب، تحمل معها أسراراً مظلمة، وتهديدات أكبر، ونقطة تحول قد تغير كل شيء.