حب في زمن الحرب
اعترافات مدفونة وأمل يتجدد
بقلم سارة العمري
عاد الأرق ليلازم لينا، وباتت تفكر ملياً في الرسالة التي وصلتها. "احذري... هناك خيانة." الكلمات لم تكن مجرد همسات، بل كانت اتهاماً صريحاً، وإشارة إلى مؤامرة أعمق. لم تعد قادرة على الجلوس مكتوفة الأيدي. كانت تعرف خليل، تعرف نقاء قلبه، وشجاعته، وتدينه. كيف يمكن أن يتهم بالخيانة؟ إذا كان هناك خائن، فلا بد من كشفه.
في صباح اليوم التالي، ذهبت لينا إلى والدها في المستشفى. كان جالساً على سريره، يتناول فطوره. بدا أهدأ، لكن عينيها لاحظتا شحوباً ما زال يعلو وجهه.
"أبي، أحتاج منك نصيحة،" قالت لينا وهي تجلس بجواره.
"تفضلي يا ابنتي،" قال والدها، وقد لاحظ القلق في صوتها.
"وردتني أخبار عن خليل... يقولون إنه اختفى، وأن هناك شبهات خيانة في وحدته." ثم سردت له تفاصيل الرسالة التي تلقتها.
تأوه والدها بصوت خافت. "خيانة... هذا كلام خطير يا لينا. والحرب تلد الشائعات والأكاذيب. ولكن، إذا كانت هذه الرسالة من مصدر موثوق، فعلينا أن نحذر."
"ولكن من يمكن أن يفعل هذا؟ ولماذا؟" سألت لينا.
"لا أعرف يا ابنتي. لكن، أعرف أن خليل شاب صالح. إذا كان فعلاً في خطر، فلا تتركي الأمر هكذا. ابحثي عن الحقيقة." قال والدها، وقد بدأت علامات القوة تعود إلى صوته. "ربما يجب أن تتحدثي إلى السيد رضوان. هو رجل حكيم، ويعمل في الإمدادات. لديه نظرة أعمق للأمور."
أومأت لينا برأسها، متذكرةً رضوان، والد سارة. لقد كان رجلاً ذا هيبة، وسمعة طيبة. ربما يكون لديه بعض المعلومات.
بعد زيارة والدها، ذهبت لينا مباشرة إلى منزل رضوان. كانت تعلم أن هذه الخطوة جريئة، لكن الضرورة تدفع إلى ذلك. استقبلتها سارة بترحاب، وقادتها إلى والدها الذي كان يجلس في ردهة المنزل، يقرأ كتاباً.
"السلام عليكم يا عم رضوان،" قالت لينا باحترام.
"وعليكم السلام يا ابنتي. أهلاً بكِ. تفضلي بالجلوس." قال رضوان، وقد بدت عليه علامات التفكير العميق.
بعد تبادل التحية، شرحت لينا له الموقف، وسردت تفاصيل الرسالة، وأعربت عن شكوكها في وجود خيانة.
نظر رضوان إلى لينا بعمق، وكأنه يرى فيها الأمل الأخير. "يا ابنتي، ما تقولينه يثير قلقي الشديد. لقد لاحظتُ أموراً غريبة في الآونة الأخيرة. هناك تسريبات لمعلومات حساسة، وقد بدأت أشك في وجود شخص يتعاون مع العدو."
"هل تعرف من هو؟" سألت لينا بسرعة، وقلبها يتسارع.
"لا أستطيع أن أجزم بعد. لكن لدي بعض الشبهات. شخص في موقع حساس، كان يبدو ملتزماً، ولكنه بدأ يتصرف بغرابة. أخشى أن يكون هو المسؤول." قال رضوان، وقد بدأت يده ترتعش قليلاً.
"ماذا نستطيع أن نفعل؟" سألت لينا.
"علينا أن نجمع المزيد من الأدلة. لا يمكننا اتهام أحد جزافاً. ولكن، إذا تأكدت شكوكي، فعلينا التحرك بسرعة." قال رضوان، ثم نظر إلى لينا. "هل لديكِ أي معلومات أخرى؟ أي شيء قد يساعد؟"
فكرت لينا ملياً. "تذكرتُ شيئاً. عندما كنتُ في المستشفى، سمعتُ بعض الممرضات يتحدثن عن فقدان اتصال بوحدة كاملة، وأن هناك من تحدث عن 'خيانة من الداخل'. ربما كانت إشارتهن إلى نفس الشخص الذي تشك فيه."
"هذا مهم جداً." قال رضوان، وقد لمعت عيناه. "هذا يؤكد شكوكنا. عليّ أن أتحقق من سجلات المستشفى، وسجلات الوحدات العسكرية. لا بد أن يكون هناك أثر."
انصرفت لينا من منزل رضوان، وشعرت بأن بصيص أمل قد عاد ليضيء حياتها. لم يعد الأمر مجرد قلق شخصي، بل أصبح سباقاً لكشف الحقيقة.
في تلك الأثناء، كان السيد فؤاد، الذي اكتشف لينا فيما بعد أنه خليل، يصارع مع ضميره. كان لقاءه مع المجهول قد دفعه إلى قمة الخوف. لقد سلّم معلومات حيوية، لكنه كان يعلم أن الأمر لن ينتهي هكذا. شعر وكأنه يسير على حبل رفيع.
في تلك الليلة، لم يستطع فؤاد النوم. كانت صورته مع لينا، ووجه والدها، تومض في ذهنه. كانت الخيانة تنهش روحه. ثم تذكر حادثة وقعت قبل أسابيع. كان في مهمة استطلاعية، وشاهد عن قرب ما حدث لوحدة خليل. رأى جنوداً منهكين، وجندياً يحاول الهروب، يسلم علبة صغيرة لشخص كان ينتظره في الظلام. لم يكن يعرف من هو هذا الشخص، لكنه عرف أن ما حدث كان خيانة.
لقد قرر فؤاد، في تلك اللحظة، أن يتظاهر بالخيانة، ليتمكن من الوصول إلى المعلومات اللازمة لكشف الخائن الحقيقي. لكن الأمور لم تسر كما خطط. فقد وجد نفسه متورطاً، مضطراً لتقديم معلومات، وكان لديه أمل في أن يتمكن من قلب الطاولة على العدو.
ذهب فؤاد إلى مكان اختبائه، وكان يحمل علبة معدنية صغيرة. فتحها، وأخرج منها ورقة مطوية. كانت الرسالة التي أرسلها خليل، بكلماته المرتعشة، ورمزه السري الذي يعرفه فؤاد.
"لينا، أنا آسف. لم أعد أعرف ماذا أقول. هناك شيء سيء يحدث. اختفاء خليل... لا أعتقد أنه مجرد قتال. كانت هناك حركة مريبة قبل الاختفاء. شخص ما خاننا. أنا نفسي في خطر. سأحاول أن أرسل المزيد إذا استطعت. احذري."
لم تكن هذه الرسالة من خليل، بل كانت مكتوبة من قبل فؤاد. لقد تظاهر بأنه خليل، وأرسل هذه الرسالة إلى لينا، ليثير قلقها، ويجعلها تبحث عن الحقيقة. كان هدفه إثارة الشكوك حول هوية الخائن الحقيقي، وجعل الجهات المعنية تبدأ بالتحقيق. لقد حاول، بطريقته الملتوية، أن يحمي خليل، ويحمي المدينة.
نظر فؤاد إلى الرسالة، ثم إلى صورة لينا التي كانت في جيبه. "سامحيني يا لينا. لم يكن لدي خيار آخر. الأمل الوحيد هو أن تكشفي الحقيقة قبل فوات الأوان."
في هذه الأثناء، كان السيد رضوان قد بدأ تحقيقاته. وبينما كان يراجع بعض السجلات، وقع بصره على اسم "فؤاد" ضمن قائمة المسافرين إلى الخارج قبل فترة قصيرة، ثم عودته السريعة. لفت انتباهه أن فؤاد تلقى مكالمة هاتفية هامة قبل أيام قليلة من اختفاء وحدة خليل. كل قطعة من المعلومات كانت تشير إلى فؤاد.
"إذاً، هو فؤاد. لقد كان يعبث بي وبكل شيء." قال رضوان لنفسه بغضب.
قرر رضوان أن يقابل فؤاد في أقرب وقت، وأن يواجهه. كان يعلم أن هذه المواجهة قد تكون خطيرة، لكنه كان مصمماً على كشف الحقيقة.