حب في زمن الحرب
عاصفة الشك وقناديل الأمل
بقلم سارة العمري
استيقظت ليلى على صوت خطواتٍ خفيفةٍ في الرواق، شعرت بقلبها يخفق بعنفٍ، لم تكن تلك خطوات والدتها المعتادة، ولا وقع أقدام أخيها الصغير. ترقبت الهمسات الخافتة التي تغلغلت من خلف الباب، وكأن سُحُبَ قلقٍ داكنةٍ قد اكتظت في صدرها. لقد مرت أيامٌ وليالٍ عصيبة، منذ تلك الليلة التي حملت فيها والدتها خبرًا مفزعًا عن والدها، وخبرًا آخر، أكثر إيلامًا، يتعلق بمن سكن قلبها وروحها، أحمد.
تذكرت تلك الكلمات التي نطقت بها والدتها بصوتٍ مرتعشٍ، كلماتٌ لم تفسرها تمامًا، لكنها زرعت في روحها بذرة شكٍ قاتلة. "الحرب لا تعرف رحمة، يا ابنتي، ولا تترك شيئًا على حاله." كانت تلك العبارة، وحدها، كافية لتنسج حولها شبكةً من الخوف. ثم جاء الحديث عن أحمد، عن تدهور حالته، عن ضرورة الابتعاد، عن حتمية اختفائه في ظروفٍ قاسية. هل يعني ذلك؟ لا، لم تستطع حتى أن تتخيل ما قد يعنيه ذلك. أحمد، روحها، أمانها، كيف له أن يختفي؟
نهضت من فراشها، ارتدت ثوبًا فضفاضًا، ومررت أصابعها في شعرها الكثيف، محاولةً لملمة شتات أفكارها. فتحت باب غرفتها ببطء، لتجد والدتها واقفةً عند النافذة، تحدق في سكون الليل، وكأنها تبحث عن إجابةٍ بين النجوم الباهتة. كانت ملامحها شاحبة، تحمل آثار سهرٍ طويلٍ وحزنٍ عميق.
"يا أمي؟" همست ليلى، صوتها يكاد يضيع في صمت الفجر. التفتت والدتها، ومدت يدها نحو ابنتها، وضمتها إلى صدرها بحنانٍ بالغ. "استيقظتِ يا حبيبتي؟" "من معكِ؟" سألت ليلى، وهي تشعر برجفةٍ تسري في جسدها. تنهدت والدتها تنهيدةً طويلة، مليئةً بالألم والأسى. "لا أحد، يا ليلى. وحدي."
لكن ليلى عرفت أن والدتها تخفي شيئًا. لقد عرفت تلك النظرة في عينيها، تلك الصلابة المصطنعة التي كانت تحاول بها إخفاء هشاشتها. "ماذا تخفين عني يا أمي؟ هل حدث شيءٌ لأبي؟" ابتعدت والدتها قليلاً، ومسحت دموعًا خفيةً من عينيها. "والدكِ بخير، يا ابنتي. لا تقلقي عليه." "والأمر الآخر؟" سألت ليلى، وقلبها يعتصر. "أمر أحمد؟"
ارتعشت شفا والدتها، وكادت أن تنطق بكلمةٍ، لكنها صمتت، وعادت نظراتها تتجول في الفراغ. "الحياة يا ليلى، لا تسير دائمًا كما نشتهي." "لكن، يا أمي، لقد وعدني. وعدني أنه سيبقى. كيف يمكن أن يختفي؟" كلمات ليلى بدأت تتعثر، تحمل نبرة يأسٍ متزايد. "هل هو في خطر؟ هل فعلوا به شيئًا؟"
جذبت والدتها ابنتها مرةً أخرى، وأجلستها على حافة السرير. "يا ابنتي، العالم الذي نعيش فيه قاسٍ. الحرب تغير كل شيء. تغير الأشخاص، تغير العلاقات، تغير المصائر." "هل هذا يعني أنه…؟" لم تستطع ليلى إكمال جملتها، فالكلمة عالقةٌ في حلقها، ترفض أن تخرج. "الحرب يا ليلى، هي من تفصل بين الأحبة. هي من تقذف بالرجال إلى المجهول. هي من تمزق القلوب." قالت والدتها، وصوتها يخفت تدريجيًا، يمتزج بأنين الليل. "لقد اضطر أحمد… اضطر لأمرٍ ما."
"أمرٌ ما؟ وما هو هذا الأمر؟" ألحّت ليلى، وعيناها تلمعان بالدموع. "أرجوكِ يا أمي، قولي لي الحقيقة. لا تحتمل روحي هذا الغموض." نظرت والدتها إليها، وفي عينيها مزيجٌ من الشفقة والعجز. "الحقيقة يا ليلى، مؤلمة. مؤلمة جدًا. لقد علمنا، من بعض الثقات، أن أحمد… قد اضطر للرحيل. لأمرٍ يتعلق بسلامته، وسلامة عائلته، بل وسلامة كل من حوله. لقد كان مضطرًا، وبشدة، للتوقف عن التواصل. لأسبابٍ أمنيةٍ بحتة."
"الرحيل؟" تكررت الكلمة في رأس ليلى، كأنها صدىً بعيد. "يعني أنه… ذهب؟ أين ذهب؟ ومن الذي أجبره؟" "الأمر معقدٌ يا ابنتي." ردت والدتها، وهي تشعر بالضعف يتسلل إلى أوصالها. "هناك قوىً خارجيةٌ لا قبل لنا بها. قوىٌ تسعى لإحداث الفوضى. وللأسف، وقع أحمد في شباكها." "لكن… لقد أخبرني بأنه سيبقى. لقد أقسم لي." تمتمت ليلى، والذاكرة تلقي بظلالها على الشك. "هل كذب عليّ؟ هل كان كل شيءٍ مجرد وهم؟"
"لا، يا ابنتي." أكدت والدتها بحزمٍ. "أحمد لم يكذب. ولكن الظروف، يا ليلى، الظروف غالبًا ما تكون أقوى من أقوى الرجال، وأصدق العهود. لقد كان مضطرًا، يا ابنتي. مضطرًا تمامًا. وقد حذروني، وحذروه، من أي محاولةٍ للتواصل. حذروني من أن أي محاولةٍ قد تعرضه، وتعرضنا، لخطرٍ أشد."
شعرت ليلى ببرودةٍ تعم جسدها. لم تكن مجرد قلقٍ عادي، بل كان شعورًا بالغرق في بحرٍ من عدم اليقين. كلمات والدتها، ورغم محاولتها تخفيف وطأتها، إلا أنها حملت معها نذير شؤمٍ لا مفر منه. هل حقًا اختفى أحمد؟ هل أصبح مجرد ذكرى؟ "متى؟ متى حدث هذا؟" سألت بصوتٍ ضعيف. "منذ أيامٍ قليلة، يا ابنتي. قبل أن تصلك الأخبار الأكيدة عن والدك. لقد حاولت أن أخبرك، لكنني خشيت عليكِ، في ظل ما مررتِ به."
أغلقت ليلى عينيها، واسترجعت صورته. وجهه الوسيم، ابتسامته الدافئة، نظرات عينيه التي كانت تعدها بالحب والأمان. كيف يمكن لكل هذا أن يتبخر؟ كيف يمكن للقوى الغاشمة أن تنتصر على نقاء قلبه؟ "هل هناك أي أمل؟" سألت، وهي تحاول استجماع قوتها. "أي أمل في أن يعود؟ أي سبيل للتواصل؟" صمتت والدتها، وتنهدت مجددًا. "الأمل دائمًا موجود، يا ابنتي. لكنه يحتاج إلى صبرٍ، وإلى دعاءٍ صادق. وبخصوص التواصل، فالأمر مستحيلٌ حاليًا. بل خطيرٌ جدًا. لقد قالوا لي، بوضوحٍ تام، أن أي محاولةٍ منهم لمعرفة ما يحدث، أو أي محاولةٍ منا للوصول إليه، قد تجعل الأمور أسوأ بكثير."
"أسوأ بكثير؟" تكررت الكلمة، كنذيرٍ جهنمي. "ماذا يعني ذلك؟ هل… هل أصبح معتقلًا؟ هل تعرض للأذى؟" "لا أعرف يا ليلى." اعترفت والدتها بوهن. "لا أعرف شيئًا مؤكدًا. فقط علمت أنه اضطر للتوقف عن كل شيء. وأن محاولة البحث عنه قد تكون مدمرة."
وقفت ليلى، كمن أصيب بصاعقة. شعرت بأن عالمها الذي بنته ببطءٍ، حول حبها لأحمد، قد بدأ يتصدع. كانت تلك الكلمات، مجتمعة، كالحجر الثقيل الذي ألقي على قلبها. الشك، الخوف، عدم اليقين، كلها مشاعرٌ أصبحت الآن سيدة الموقف. "يجب أن أفعل شيئًا." قالت ليلى، وصوتها يحمل عزيمةً مفاجئة. "ماذا تفعلين يا ابنتي؟" حذرتها والدتها. "لقد حذرتني، وحذرتكِ. هذه أمورٌ لا قبل لنا بها." "لكنني لا أستطيع الجلوس مكتوفة الأيدي." أصرت ليلى. "أحمد ليس مجرد… شخص. هو كل شيء. يجب أن أعرف ما حدث له. يجب أن أحاول. حتى لو كان الأمر خطرًا."
نظرت والدتها إليها، ورأت فيها قوةً لم تكن تتوقعها. قوة الحب، قوة الإيمان، قوة الرفض للاستسلام. "يا ابنتي، الطريق أمامكِ مليءٌ بالأشواك." قالت والدتها، وهي تتأملها بحزنٍ عميق. "وقد نكون وحدنا في هذا الطريق." أضافت ليلى، وعيناها تحدقان في ظلمة الفجر، كأنها تبحث عن خيطٍ رفيعٍ من الأمل، يتسلل عبر ستار الشك القاتم. لم يكن لديها أي فكرةٍ عن طبيعة القوى التي تتصارع، أو عن مدى خطورة ما تخبئه الأيام القادمة، لكنها شعرت بضرورةٍ ملحةٍ للتحرك، لكسر هذا الصمت القاتل، ولإيجاد أحمد، مهما كان الثمن.