حب في زمن الحرب

بين طياتِ الشكِ والأمل

بقلم سارة العمري

انقشعَ الغبارُ تدريجيًا، كاشفًا عن وجهِ القريةِ الملطخِ بالدمارِ. كانتْ أصداءُ الانفجارِ لا تزالُ تترددُ في الأرجاءِ، مخلفةً صمتًا ثقيلًا وموحشًا. في منزلِ الحاجِ أحمد، كانَ الهدوءُ قدْ عادَ، لكنهُ كانَ هدوءًا مشوبًا بالترقبِ والقلقِ. كانتْ ليلى تراقبُ والديها وهما يحاولانِ إصلاحَ بعضِ الأضرارِ البسيطةِ، وعيناها لا تفارقانِ النافذةَ المطلةَ على الشارعِ.

كانَ قلبها لا يزالُ ينبضُ بسرعةٍ، وصورةُ الرجلِ الغامضِ لا تفارقُ خيالها. منْ كانَ؟ ولماذا كانَ يقفُ أمامَ منزلهم؟ هلْ كانَ جزءًا من هذا الهجومِ؟ أمْ أنهُ كانَ يحاولُ إعطاءَ إشارةٍ؟

"ماذا كنتِ ترينَ يا ليلى؟" سألَ الحاجُ أحمدُ، وكأنهُ قرأَ أفكارها.

تنهدتْ ليلى وقالتْ: "رأيتُ رجلاً غريبًا يا أبي. كانَ يقفُ في نهايةِ الشارعِ. لم أعرفهُ."

نظرتْ إليها أمينةُ بقلقٍ، وقالتْ: "لا تخافي يا ابنتي. لعلهُ كانَ مجردَ عابرٍ."

"لكنهُ كانَ ينظرُ إلينا." أصرتْ ليلى. "شعرتُ بشيءٍ غريبٍ في وجودهِ."

ابتسمَ الحاجُ أحمدُ ابتسامةً باهتةً وقالَ: "في زمنِ الحربِ، كلُّ شيءٍ يبدو غريبًا يا ابنتي. الأقربُ يبدو بعيدًا، والعدوُّ يبدو صديقًا."

في ذلكَ الوقتِ، طرقَ بابُ المنزلِ. هرعَ الحاجُ أحمدُ ليفتحَ، فوجدَ الشيخَ يوسفَ واقفًا على العتبةِ، وجههُ يعكسُ جديةَ الموقفِ.

"لقدْ أحضرَ القومُ بعضَ المساعداتِ، ولكنَّ الأوضاعَ تزدادُ سوءًا." قالَ الشيخُ يوسفُ. "لقدْ سيطروا على مدخلِ القريةِ. لا ندري ما هيَ أهدافهم الحقيقيةُ. هلْ يبحثونَ عن مواردَ؟ أمْ أنَّ هناكَ أمرًا آخرَ؟"

شعرَ الحاجُ أحمدُ بالبردِ يسري في عروقهِ. كانتْ كلماتُ الشيخِ يوسفَ تزيدُ من وطأةِ القلقِ. "وماذا عنِ الناسِ؟ هلْ تمكنوا منْ الاختباءِ؟"

"بعضهمْ فعلَ. لكنَّ البعضَ الآخرَ ما زالَ متناثرًا. لقدْ أرسلتُ بعضَ الشبابِ للاستطلاعِ، لكنَّ الأخبارَ التي تصلُنا ليستْ مطمئنةً."

نظرتْ ليلى إلى الشيخِ يوسفَ. كانتْ هذهِ فرصتها. "يا شيخَ يوسف، هلْ رأيتَ رجلاً غريبًا في الشارعِ؟ كانَ يرتدي معطفًا داكنًا."

فكرَ الشيخُ يوسفُ لبرهةٍ، ثمَّ هزَّ رأسهُ. "لمْ ألاحظْ أحدًا بعينهِ، يا ابنتي. فقدْ كنتُ مشغولًا بمتابعةِ ما يحدثُ. لكنْ، هلْ كانَ يبدو عدائيًا؟"

"لمْ أعرفْ. كانَ وجههُ مخفيًا. لكنَّ وجودهُ كانَ مثيرًا للانتباهِ."

"حسنًا، سنبقي عيوننا مفتوحةً." قالَ الشيخُ يوسفُ، ثمَّ التفتَ إلى الحاجِ أحمدَ: "الحاجُ أحمد، يجبُ أنْ نجتمعَ معَ باقي الرجالِ في المسجدِ عندَ صلاةِ الظهرِ. يجبُ أنْ نضعَ خطةً مشتركةً."

"بالتأكيدِ يا شيخَ يوسفَ. سأكونُ هناكَ." أجابَ الحاجُ أحمدُ.

بعدَ أنْ غادرَ الشيخُ يوسفُ، جلستْ ليلى بجوارِ والديها. كانَ الصمتُ قدْ عادَ، لكنهُ كانَ مليئًا بالأسئلةِ. "أبي، ماذا لوْ كانَ هذا الرجلُ يبحثُ عن شيءٍ معينٍ؟ ربما شيءٌ يخصُّ عائلتنا؟"

"لا أفهمُ ما تقولينَ يا ابنتي. نحنُ مجردُ عائلةٍ بسيطةٍ." قالَ الحاجُ أحمدُ، لكنَّ عينيهِ كانتا تحملانِ شيئًا منَ الارتباكِ.

"ولكنْ، لوْ كانَ الأمرُ كذلكَ، فلماذا كانَ ينظرُ إلينا؟"

"لعلهُ كانَ يعرفُ مكانَ اختبائهم. فبعضُ هؤلاءِ الغرباءِ قدْ يكونونَ لديهمَ معلوماتٌ."

شعرتْ ليلى بخيبةِ أملٍ. لمْ يكنْ والدها يفهمُ ما تشعرُ بهِ. كانَ هناكَ شيءٌ في هذا الرجلِ، شيءٌ يجعلها تشكُّ في أنَّ لديهِ علاقةً أعمقَ بهذا الوضعِ.

في الأيامِ التاليةِ، سادَ جوٌّ منَ الحصارِ والخوفِ في القريةِ. كانتْ الحياةُ تسيرُ ببطءٍ، كلُّ يومٍ يمرُّ كانَ يحملُ معهَ مزيدًا منَ الشائعاتِ والقلقِ. كانتْ ليلى تساعدُ في توزيعِ الطعامِ والمياهِ على المحتاجينَ، وتستمعُ إلى قصصِ الناجينَ، لكنَّها لمْ تنسَ الرجلَ الذي رأتهُ.

في إحدى الأمسياتِ، وبينما كانتْ تساعدُ في نقلِ بعضِ المؤنِ إلى مخزنٍ تحتَ الأرضِ، رأتْهُ مرةً أخرى. كانَ يقفُ عندَ حافةِ الشارعِ، في الظلامِ، يتحدثُ إلى شخصٍ لا تراهُ. لكنَّها هذهِ المرةَ، تمكنتْ منْ رؤيةِ بعضِ ملامحِ وجههِ. كانَ لهُ أنفٌ مستقيمٌ، وذقنٌ حادٌّ. وكانَ شعاعٌ خافتٌ منَ القمرِ قدْ أضاءَ جزءًا من عينيهِ، فرأتْ فيهما بريقًا غريبًا.

توقفتْ ليلى عنِ الحركةِ، وقلبها يدقُّ بجنونٍ. هلْ كانَ هذا هوَ نفسُ الرجلِ؟ بدأتْ تشعرُ بأنَّ هناكَ قصةً كاملةً تختبئُ وراءَ هذا الرجلِ، قصةٌ قدْ تتكشفُ معَ مرورِ الوقتِ.

عادتْ إلى منزلها، وتناولتْ عشاءها في صمتٍ. كانَ حديثُ والديها يدورُ حولَ الأخبارِ السيئةِ التي تصلُ منَ الخارجِ، وحولَ الخوفِ منَ المستقبلِ. لكنَّ ليلى كانتْ غارقةً في أفكارها.

"أمي، هلْ تتذكرينَ قصصَ الجداتِ عنِ الأسرارِ التي تُدفنُ في الأرضِ؟" سألتْ ليلى فجأةً.

نظرتْ إليها أمينةُ باستغرابٍ. "ماذا تقصدينَ يا ابنتي؟"

"لا أعرفُ. لكنَّني أشعرُ بأنَّ هذهِ الحربَ ليستْ مجردَ حربٍ عاديةٍ. هناكَ شيءٌ أعمقُ."

"الحربُ دائمًا تحملُ معها أسرارًا يا ابنتي. لكنْ يجبُ علينا أنْ نركزَ على ما هوَ أمامنا. على البقاءِ، وعلى حمايةِ أنفسنا."

في تلكَ الليلةِ، لمْ تستطعْ ليلى النومَ. ظلتْ تفكرُ في الرجلِ الغامضِ، وفي أسرارِ القريةِ. شعرتْ بأنَّ قدرها مرتبطٌ بهذا الرجلِ، وبأنَّها ستضطرُّ إلى اكتشافِ الحقيقةِ، مهما كانَ الثمنُ. كانَ يومًا جديدًا، يحملُ معهَ مزيدًا منَ التساؤلاتِ، ومزيدًا منَ التحدياتِ.

شارك هذا الفصل:

เว็บไซต์นี้ใช้คุกกี้

เราใช้คุกกี้เพื่อปรับปรุงประสบการณ์การอ่านนิยายของคุณ วิเคราะห์การเข้าชม และแสดงโฆษณาที่เกี่ยวข้อง รายได้จากโฆษณาช่วยให้เราให้บริการอ่านนิยายฟรีต่อไปได้ อ่านรายละเอียดเพิ่มเติมที่ นโยบายความเป็นส่วนตัว

ตะกร้า eBook

ตะกร้าว่างเปล่า

เพิ่ม eBook ลงตะกร้าเพื่อรับส่วนลดพิเศษ

ส่วนลด Bundle

ซื้อ 3-4 เล่มลด 10%
ซื้อ 5-9 เล่มลด 15%
ซื้อ 10+ เล่มลด 20%