حب في زمن الحرب
خيوط الحقيقة المتشابكة
بقلم سارة العمري
كان الهواء في منزل الحاج إبراهيم ثقيلًا، مشبعًا بالترقب والخوف. بعد حديث ليلى مع والدتها، لم تعد الأحلام الوردية ممكنة. أصبحت الحقيقة، وإن كانت مؤلمة، هي الضيف الوحيد الذي طرق أبوابهم. قررت ليلى، بعد صراعٍ داخليٍ عنيف، أنها لن تبقى أسيرةَ التكهنات والخوف. يجب عليها أن تعرف، أن تتأكد.
في صباح اليوم التالي، وبعد صلاة الفجر، وقبل أن تستيقظ والدتها، تسللت ليلى من غرفتها. كانت وجهتها الوحيدة معلومة: منزل عمها، الحاج عبد الله، شقيق والدها. كان الحاج عبد الله يتمتع بصلاتٍ واسعة، وكان لديه شبكةٌ من المعارف في مختلف أرجاء المدينة، وحتى خارجها. ربما كان هو الوحيد القادر على تقديم معلومةٍ موثوقةٍ عن أحمد، أو عن مصير أفراد عائلته.
عندما وصلت إلى منزل عمها، وجدت الحاج عبد الله يجلس في ساحة الدار، يحتسي قهوته الصباحية، ويتدارس صحيفةً قديمة. بدا هادئًا، لكن ليلى، التي تعرفه جيدًا، أدركت أن خلف هذه السكينة الظاهرية، هناك همومٌ تثقل كاهله.
"السلام عليكم يا عمي." قالت ليلى بصوتٍ يرتجف قليلاً. نهض الحاج عبد الله، واحتضنها بحرارة. "يا ليلى! ما الذي أتى بكِ في هذا الوقت المبكر؟ هل والدتكِ بخير؟" "والحمد لله، نحن بخير يا عمي." أجابت ليلى، ثم جلست مقابله، وأخذت تتأمل وجهه، علّها تجد فيه ما تبحث عنه. "لكنني جئت لأستشيرك في أمرٍ جللٍ، أمرٌ يقلقني جدًا."
حكى الحاج عبد الله لابنته عن تردده في إخبار ليلى بكل ما يعرفه، خشيةً أن تنهار، خاصةً بعد الأخبار المتعلقة بوالدها. "لقد ساءت الأمور يا ليلى، أكثر مما نتوقع. الحرب لا تميز، والحرب لا تعرف إلا الدمار." "أنا أعلم يا عمي. ولكنني… أريد أن أعرف ما حدث لأحمد." قالت ليلى، وهي تشعر بالدموع تتجمع في عينيها. "لقد اختفى. ولم يعد يتواصل. أمي تقول إن الظروف أجبرته على ذلك، وإنها خطيرة جدًا."
شعر الحاج عبد الله بصدمةٍ واضحة. لقد كان يعلم أن الأمور ليست على ما يرام، لكنه لم يكن على درايةٍ بتفاصيل الوضع الذي أدى إلى اختفاء أحمد. "اختفى؟ وكيف؟ ومن قال لكِ ذلك؟" "والدتي. وهي قلقةٌ جدًا. تقول إنها لا تستطيع قول المزيد، خوفًا على سلامتنا."
تنهد الحاج عبد الله بعمق، ونظر إلى السماء، وكأنه يستمد منها العون. "الحقيقة يا ابنة أخي، معقدة. والذين يقفون خلف هذه الأمور، ليسوا أناسًا عاديين. لقد سمعتُ بعض الهمسات، بعض الإشاعات. يبدو أن أحمد كان متورطًا في قضيةٍ حساسةٍ جدًا. قضيةٌ قد تكون أكبر منه بكثير."
"قضية؟ أي قضية؟" سألت ليلى، وكل خليةٍ في جسدها أصبحت مشدودةً للاستماع. "لا أعرف التفاصيل الدقيقة. لكن ما وصلني، من بعض الثقات، أن أحمد كان يحاول فعل شيءٍ ما… شيءٌ يتعلق بمحاولة مساعدة مجموعةٍ من الأشخاص الذين تعرضوا لظلمٍ فادح. أشخاصٌ فروا من مناطق الصراع، ويبدو أن هناك من يسعى لاستغلالهم، أو التخلص منهم. وكان أحمد، بشهامةٍ قلّ مثيلها، يحاول التصدي لهم."
"محاولة مساعدة؟" تكررت الكلمات في عقل ليلى. هل هذا هو أحمد الذي عرفته؟ الرجل الشهم، الكريم، الذي لا يتردد في مساعدة المحتاج؟ "يعني أنه… وقع في مشكلةٍ بسبب محاولته فعل الخير؟" "على الأرجح. هؤلاء المجرمون، الذين يتسترون خلف ستار الحرب، لا يرحمون. ولا يسمحون لأحدٍ بالوقوف في طريقهم. وقد يكونون قد علموا بنواياه، أو بمعرفته لبعض الحقائق التي لا يريدونها أن تنكشف. ولذلك، اختطفوه، أو أجبروه على الاختباء، لإسكاته."
شعر الحاج عبد الله بالحزن يخنق صوته. "لقد حاولتُ، قبل أيام، أن أتواصل مع بعض الأصدقاء في المناطق التي يعمل فيها أحمد. لم أحصل على إجابةٍ واضحة. فقط رسائلٌ غامضةٌ، تحثني على الحذر، وعلى نسيان الأمر. رسائلٌ تخبرني أن أحمد أصبح… هدفًا."
"هدفًا؟" ترددت الكلمة في أذن ليلى، كأنها رصاصةٌ أطلقت في قلبها. "يعني… أنهم يريدون قتله؟" "لا أستطيع الجزم بذلك يا ليلى. لكن الوضع خطيرٌ جدًا. ووالدتكِ، من خوفها عليكِ، ومن خوفها على سلامتنا جميعًا، قررت أن تخبركِ بما هو ضروريٌ جدًا. منع التواصل، ومنع البحث، هو أفضل حلٍ في هذه اللحظة."
"لكن يا عمي، كيف لي أن أتقبل فكرة أن أحمد… ضائعٌ؟ أن مصيره مجهول؟" تمتمت ليلى، والدموع تنهمر على خديها. "لقد وعدني… لقد وعدني بالحياة. بالحياة معًا. كيف يمكنني أن أترك هذا الوعد يضيع هكذا؟"
"الحياة يا ابنة أخي، في زمن الحرب، تصبح مسألةً أخرى." قال الحاج عبد الله بحزنٍ، وهو يضع يده على كتفها. "الحب، والوعود، والخطط، كلها تصبح تحت رحمة القوى الخارجية. لكن هذا لا يعني أن الحب قد اختفى. بل قد يصبح أقوى، وأكثر نقاءً، عندما يواجه هذه الظروف."
"ولكن، ماذا أفعل؟" سألت ليلى، وهي تشعر بأنها تقف على حافة الهاوية. "كيف يمكنني أن أساعده؟ هل هناك أي سبيل؟" "السبيل الوحيد، يا ليلى، هو الصبر. والدعاء. وعدم الاستسلام لليأس." قال الحاج عبد الله. "هناك بعض الأشخاص، الذين تثق بهم، والذين يعملون في الخفاء، قد يكون لديهم فرصةٌ لجمع المزيد من المعلومات. لكن هذا يتطلب وقتًا، وحذرًا شديدًا. أي خطأٍ قد يكلفنا الكثير."
"هل يمكنك أن تخبرني بمن؟" سألت ليلى، بلهجةٍ تحمل أملًا واهيًا. "لا أستطيع أن أضع أحدًا في خطرٍ الآن. ولكن، اطمئني. سأفعل كل ما بوسعي، بطرقٍ آمنة، لجمع أي معلومةٍ جديدة. أنتِ، من جانبكِ، يجب أن تعيشي حياتكِ. يجب أن تحافظي على قوتكِ. فهذا هو ما قد يساعد أحمد، إذا عاد. أن يجدكِ قويةً، وصامدةً."
جلست ليلى صامتةً، تستوعب حجم المأساة. لم يكن الأمر مجرد اختفاءٍ عادي، بل كان اختفاءً قسريًا، مرتبطًا بشجاعته، وبمحاولته فعل الصواب. هذا جعل الأمر أكثر إيلامًا، وأكثر تعقيدًا. لم يكن الأمر متعلقًا بظروفٍ عادية، بل بصراعٍ بين الخير والشر، بين الظلم والعدالة.
"يا عمي، أريد أن أؤمن بأن هناك أملًا." قالت ليلى، وعيناها مليئتان بالعزيمة. "أحمد لم يكن ليفعل شيئًا كهذا إلا لأنه يؤمن بالحق. وأنا أؤمن به. وأؤمن بأن ما يقوم به، حتى لو كان مؤلمًا الآن، هو عين الصواب. أريد أن أكون جزءًا من هذا الصواب."
نظر الحاج عبد الله إلى ابن أخيه، ورأى فيها روحًا عظيمةً، روحًا لم تنحنِ أمام الألم. "نعم يا ليلى. هذا هو أحمد الذي عرفته، وهذه هي ليلى التي أعرفها. القوة الحقيقية ليست في الفرار من المشاكل، بل في مواجهتها، وفي البحث عن الحلول، حتى لو كانت صعبة." "إذاً، ما هي الخطوة التالية؟" سألت ليلى، بصرامةٍ متجددة.
"الخطوة التالية، هي أن ننتظر. ونجمع المعلومات بحذر. وأن نحافظ على هدوئنا. وأن نثق بالله، وبأن العدالة، في النهاية، ستنتصر." قال الحاج عبد الله، وارتسمت على وجهه نظرةٌ تحمل الكثير من الألم، ولكن أيضًا الكثير من الإيمان. "ولكن، كن مطمئنًا يا ليلى. أحمد ليس وحيدًا. هناك من يقف معه، ولو من بعيد. وهناك من يحاول، بكل قوته، أن ينقذه."
خرجت ليلى من منزل عمها، وقلبها مثقلٌ بالحزن، ولكن بريقٌ من الأمل قد بدأ يسطع في ظلمات اليأس. لم تعد القضية مجرد قضية حبٍ مفقود، بل قضية عدالةٍ، قضية حياةٍ وموت. وكان عليها أن تستعد، لكل ما هو قادم.