حب في زمن الحرب

همساتٌ في الليلِ

بقلم سارة العمري

تسللتْ خيوطُ الشمسِ الأولى عبرَ نوافذِ منزلِ الحاجِ أحمدَ، حاملةً معها وعدًا جديدًا بالنهارِ، لكنَّ ليلى لمْ تكنْ قدْ نامتْ كثيرًا. كانتْ عيناها لا تزالانِ تحملانِ آثارَ الأرقِ، وقلبها لا يزالُ مشغولًا بالرجلِ الغامضِ وصورتهِ المتكررةِ في ذهنها. في تلكَ الليلةِ، شعرتْ بشيءٍ مختلفٍ. لمْ يكنْ مجردَ فضولٍ، بلْ كانَ شعورًا أقوى، كأنَّ هناكَ نداءً خفيًا يدعوها إلى البحثِ عنِ الحقيقةِ.

بعدَ صلاةِ الفجرِ، خرجتْ ليلى إلى الشرفةِ، حيثُ زهرةُ الياسمينِ الصغيرةُ التي أصبحتْ رمزًا للأملِ في قلبها. كانتْ رائحةُ الزهرةِ تخففُ من وطأةِ القلقِ، وتذكرها بالجمالِ الذي لا يزالُ موجودًا وسطَ هذا الدمارِ. نظرتْ إلى الشارعِ، الذي كانَ لا يزالُ هادئًا في هذا الوقتِ المبكرِ. ثمَّ، منْ زاويةِ عينها، رأتْ شيئًا.

كانَ الرجلُ الغامضُ يقفُ مرةً أخرى، لكنْ هذهِ المرةَ، كانَ أقربَ إلى منزلهم. كانَ يقفُ تحتَ ظلالِ شجرةِ زيتونٍ قديمةٍ، ينظرُ إلى اتجاهِ منزلهم. لمْ يكنْ يتحدثُ إلى أحدٍ، بلْ كانَ يبدو وكأنهُ ينتظرُ.

لمْ تترددْ ليلى هذهِ المرةَ. ارتدتْ عباءتها بسرعةٍ، ونزلتْ الدرجَ بصمتٍ. كانتْ تعرفُ المخاطرَ، لكنَّ شيئًا ما كانَ يدفعها. كانتْ تريدُ أنْ تعرفَ.

خرجتْ إلى الشارعِ، بخطواتٍ سريعةٍ وحذرةٍ. كانَ الهواءُ باردًا، ورائحةُ الترابِ المبللِ بالمطرِ الخفيفِ تملأُ الأجواءَ. عندما اقتربتْ منَ الشجرةِ، توقفَ الرجلُ عنِ النظرِ إلى منزلهم، ووجهَ نظرهُ إليها.

شعرَتْ بقلبها يتجمدُ للحظةٍ. كانَ وجههُ الآنَ أكثرَ وضوحًا، رغمَ ظلامِ الفجرِ. كانتْ لهُ ملامحُ شرقيةٌ قويةٌ، وعينانِ داكنتانِ تحملانِ بريقًا لمْ تفهمهُ. لمْ تكنْ عيناهُ تحملانِ شرًا، بلْ كانَ فيهما حزنٌ عميقٌ، وشيءٌ منَ الرمادِ.

"منْ أنتَ؟" سألتْ ليلى بصوتٍ بالكادِ يُسمعُ.

لمْ يجيبْ الرجلُ مباشرةً. استمرَّ في النظرِ إليها، وكأنهُ يقيمها. ثمَّ قالَ بصوتٍ عميقٍ وخفيضٍ: "جئتُ أبحثُ عنْ شيءٍ."

"ما هوَ هذا الشيءُ؟" سألتْ ليلى، تشعرُ بأنَّ صوتها يرتعشُ.

"أمرٌ قديمٌ. أمرٌ يعتقدُ الكثيرونَ أنهُ ضاعَ إلى الأبدِ."

"ولماذا أنتَ هنا؟ ولماذا كنتَ تراقبُ منزلنا؟"

تنهدَ الرجلُ، ونظرَ إلى السماءِ. "هذهِ القريةُ تحملُ أسرارًا. وأسرارٌ كهذهِ لا تبقى مدفونةً إلى الأبدِ."

"هلْ تقصدُ شيئًا يتعلقُ بعائلتي؟" سألتْ ليلى، وقلبها يخفقُ بعنفٍ.

ابتسمَ الرجلُ ابتسامةً خفيفةً، بالكادِ تظهرُ على شفتيهِ. "ربما. ربما كلُّ شيءٍ يتعلقُ ببعضهِ."

"أنا لا أفهمُ." قالتْ ليلى، تشعرُ بالإحباطِ.

"لنْ تفهمي الآنَ. لكنْ، عندما يحينُ الوقتُ، ستفهمينَ." قالَ الرجلُ. ثمَّ أخرجَ منْ جيبِ معطفهِ شيئًا صغيرًا. كانَ مفتاحًا قديمًا، مصنوعًا منَ النحاسِ، عليهِ نقوشٌ غريبةٌ. "هذا كانَ لشخصٍ عزيزٍ عليَّ. وُجدَ هنا."

مدَّ يدهُ وقدمَ المفتاحَ إلى ليلى. ترددتْ ليلى في أخذهِ. "لكنهُ ليسَ لي."

"لكنَّه الآنَ في يديكِ. وربما سيكونُ لكِ دورٌ في الحفاظِ عليهِ، أو في كشفِ ما يفتحهُ." قالَ الرجلُ. "ابحثي عنْ اسمِ 'سارةَ'. ربما تجدينَ شيئًا."

أخذتْ ليلى المفتاحَ. كانَ باردًا وثقيلًا في يدها. النقوشُ عليهِ كانتْ جميلةً وغامضةً. "سارةَ؟" همستْ.

"نعم. ابحثي عنْ اسمِ سارةَ." قالَ الرجلُ. ثمَّ استدارَ وبدأَ يمشي مبتعدًا، بخطواتٍ ثابتةٍ، ليختفيَ في الظلالِ.

وقفتْ ليلى في مكانها، تحملُ المفتاحَ، وقلبها يعجُّ بالأسئلةِ. منْ هيَ سارةَ؟ وماذا كانَ هذا المفتاحُ يفتحُ؟ هلْ كانَ هذا الرجلُ يحاولُ مساعدتها، أمْ أنهُ كانَ يورطها في أمرٍ لا تفهمهُ؟

عادتْ إلى منزلها، وقلبها يخفقُ. وضعتِ المفتاحَ في درجِ طاولتها الصغيرةِ، تحتَ كومةٍ منَ الأوراقِ. حاولتْ أنْ تتصرفَ بشكلٍ طبيعيٍّ، لكنَّ الأمرَ كانَ صعبًا.

خلالَ النهارِ، كانَ الحاجُ أحمدُ وأمينةُ يحاولانِ جمعَ ما تبقى منَ مؤنِ، والتحدثُ معَ الجيرانِ عنِ الوضعِ. كانتْ الأنباءُ لا تزالُ سيئةً. كانتْ هناكَ تقاريرُ عنْ زيادةِ حركةِ الجنودِ في المناطقِ المجاورةِ.

"لقدْ سمعتُ أنَّ بعضَ الجنودِ يتحدثونَ عنْ وجودِ مخازنَ أثريةٍ تحتَ الأرضِ في هذهِ المنطقةِ." قالَ الحاجُ أحمدُ، بجديةٍ. "ولعلَّهم يبحثونَ عنْ تلكَ المخازنِ."

شعرَتْ ليلى بصدمةٍ. هلْ كانَ هذا هوَ ما يبحثُ عنهُ الرجلُ؟ هلْ كانَ هذا المفتاحُ لهُ علاقةٌ بتلكَ المخازنِ؟

"أبي، هلْ سمعتَ عنْ اسمِ 'سارةَ' منْ قبلُ؟" سألتْ ليلى، محاولةً أنْ تبدو عاديةً.

فكرَ الحاجُ أحمدُ قليلًا. "سارةَ... نعم، أتذكرُ أنَّ هناكَ عائلةً قديمةً كانتْ تسكنُ هذهِ القريةَ قبلَ زمنٍ طويلٍ، وكانَ لهمْ بنتٌ اسمها سارةَ. لكنَّهمْ رحلوا منذُ زمنٍ طويلٍ. لمْ يعدْ لهمْ أيُّ أثرٍ."

"هلْ كانوا يملكونَ شيئًا مميزًا؟" سألتْ ليلى.

"لا أعرفُ يا ابنتي. لمْ أسمعْ عنْ ذلكَ. لكنَّهمْ كانوا منْ أعيانِ القريةِ في وقتهم."

أغلقتْ ليلى عينيها. المفتاحُ، اسمُ سارةَ، المخازنُ الأثريةُ. كلُّ شيءٍ كانَ يربطُ بعضهُ ببعضٍ، لكنَّ الصورةَ الكاملةَ لمْ تكنْ قدْ اكتملتْ بعدُ. شعرتْ بأنَّها على وشكِ اكتشافِ سرٍّ كبيرٍ، سرٍّ قدْ يغيرُ مسارَ حياتها، ومسارَ القريةِ كلها. كانَ عليها أنْ تتصرفَ بحذرٍ، وأنْ تفكرَ جيدًا قبلَ أنْ تتخذَ أيَّ خطوةٍ.

شارك هذا الفصل:

เว็บไซต์นี้ใช้คุกกี้

เราใช้คุกกี้เพื่อปรับปรุงประสบการณ์การอ่านนิยายของคุณ วิเคราะห์การเข้าชม และแสดงโฆษณาที่เกี่ยวข้อง รายได้จากโฆษณาช่วยให้เราให้บริการอ่านนิยายฟรีต่อไปได้ อ่านรายละเอียดเพิ่มเติมที่ นโยบายความเป็นส่วนตัว

ตะกร้า eBook

ตะกร้าว่างเปล่า

เพิ่ม eBook ลงตะกร้าเพื่อรับส่วนลดพิเศษ

ส่วนลด Bundle

ซื้อ 3-4 เล่มลด 10%
ซื้อ 5-9 เล่มลด 15%
ซื้อ 10+ เล่มลด 20%