حب في زمن الحرب

لوعة الشوق واحتراق القلب

بقلم سارة العمري

جلست ريم على شرفة غرفتها المطلة على بساتين الليمون التي استيقظت لتوها على نور الشمس، وهي تحتضن كتابها المفضل. لم يكن الكتاب يحوي صفحات مطوية أو بقع حبر، بل كان يضم صوراً لوجهٍ أصبح مرادفاً لشوقها، لوجهِ يوسف. كانت الأوراق قد بهت لونها قليلاً بفعل كثرة لمسها وتقبيلها، وصارت ذكرى تحمل عبق الأيام التي مضت، أيامٌ بدت كحلمٍ ورديٍّ جميلٍ سرعان ما تبدد.

تنهدت بعمق، وشعرت بأن الهواء العليل الذي يداعب خصلات شعرها المنسدلة لم يعد يطفئ لهيب اشتياقها. فقد أصبح الشوق لـيوسف أدمنته، بل داءً لا يكاد يجد له دواء. لم يكن الأمر مجرد حبٍّ بريءٍ عابر، بل كان تعلقاً عميقاً، قيداً رقيقاً ألقاه القدر عليها، وجعلها أسيرة له. في كل مرةٍ تذكر فيها صوته الحنون، وابتسامته التي كانت تشقّ وجهه كالشمس، كان قلبها يرتجف، وتتسلل إلى عينيها دمعةٌ سخية، تجري بصمتٍ على خدها.

ماذا لو علم يوسف؟ ماذا لو علم بأن فتاةً مثلي، ابنة شيخٍ جليل، باتت حياتها تدور في فلكه؟ هل سيشفق عليّ؟ هل سينفر منّي؟ هذه الأسئلة كانت تؤرقها ليلاً ونهاراً، تزرع في روحها بذور القلق والخوف. كان المجتمع الذي نشأت فيه صارماً في تقاليده، حريصاً على سمعة الفتيات وشرف العائلات. وكان أيّ تهاونٍ في هذا الشأن، أيّ نظرةٍ خاطئةٍ أو كلمةٍ عابرة، كفيلةً بإحداث كارثة.

حاولت أن تشغل نفسها. كانت تعود إلى الكتب، إلى الأعمال اليدوية التي تتقنها، إلى مساعدة والدتها في أمور المنزل. لكن كلّ شيءٍ كان يعيدها إليه. رؤية وردةٍ حمراء تذكرها بلونهما المفضل. سماع صوت قطرات المطر يهطل على السطح يذكرها بحديثٍ جمع بينهما تحت ظلال شجرةٍ في يومٍ ماطر. حتى رائحة القهوة التي كانت والدتها تعدّها كل صباح، كانت تحمل معها طيف وجهه.

كانت ترى في نفسها ضعفاَ متزايداً، ضعفاً كانت تخشاه. لم تكن ترغب في أن تكون عبئاً على أهلها، أو سبباً في الهمّ لأمها التي لم تدرِ شيئاً عن عمق معاناتها. كانت تحاول جاهدةً أن تبدو قويةً، متماسكةً، لكنّ روحها كانت تئنُّ تحت وطأة الشوق.

في أحد الأيام، بينما كانت تتصفح صندوق الذكريات القديم، عثرت على رسالةٍ بخطّ يده. كانت رسالةً قديمةً، كتبها قبل أن يسافر مع والده في رحلةٍ عملٍ استمرت لعدة أشهر. قرأتها مراراً وتكراراً، وكأنها المرة الأولى. كانت كلماته تحمل دفء اليقين، وصدق الودّ. وعدها بأن يعود، وأن يواجه كلّ الصعاب. لكنّ الأيام مضت، والظروف تغيرت.

تساءلت في نفسها: هل كان ذلك وعداً بريئاً؟ أم كان يحمل في طياته ما هو أعمق؟ هل كنتُ أتوهم؟ هل كنتُ أقرأ في عينيه ما لم يكن فيها؟ كانت هذه الشكوك كالحصى في حذائها، تؤلمها مع كل خطوة.

في مساء ذلك اليوم، بينما كانت الشمس تغرب، مرّت عربةٌ تسير في الطريق الترابي المؤدي إلى منزلهم. لم تكن تنتبه كثيراً للعربات المارة، فقد اعتادت على ذلك. لكنّ هذه العربة توقفت فجأةً أمام منزلهم. انتابها فضولٌ كبير، وخرجت بحذرٍ لتنظر. كان هناك رجلٌ يرتدي ملابس أنيقة، ويتحدث مع والدها بصوتٍ خافت. لم تستطع تمييز ملامحه بوضوحٍ في ضوء الشفق الخافت.

شعرت بقلقٍ يتصاعد في صدرها. هل كان الأمر يتعلق بأحدٍ من الأهل؟ أم بشخصٍ غريب؟ كان والدها يتمتع بشخصيةٍ قويةٍ ووقورة، وقلّما كان يستقبل غرباءً في هذا الوقت المتأخر من المساء.

لاحظ والدها وقوفها على الشرفة، فلوّح لها بالاقتراب. اقتربت ببطءٍ، وقلبها يدقّ بعنف. عندما استدار الرجل الغريب، شعرت بأنّ الأرض تميد بها. لقد كان يوسف.

لكن لم يكن يوسف الذي تعرفه. كان وجهه شاحباً، وعيناه تحملان نظرةً غريبة، مزيجاً من الإصرار واليأس. بدا أكبر سنّاً، وأكثر انقباضاً.

"ريم..." نطق اسمها بصوتٍ خفيض، بدا وكأنّه يخرج من مسافةٍ بعيدة.

لم تستطع ريم أن تجيب. حبست أنفها، ونظرت إليه بعينين متسائلتين.

"لقد عدتُ يا ابنة العم..." قال وهو ينظر إلى الأرض، وكأنّه لا يملك الشجاعة للنظر في عينيها.

"وماذا جلبتَ معك؟" همست ريم، لا تدري ما الذي دفعها لقول ذلك.

تنهد يوسف بعمق، ورفع رأسه ببطء. "لقد جلبتُ معي عبئاً ثقيلاً، يا ريم. عبئاً قد لا تستطيعين تحمله."

صمتٌ ثقيلٌ ساد المكان. كانت الكلمات تتردد في أذنها كصدىً مخيف. لم تكن تعرف ما هو هذا العبء، لكنّها شعرت بأنّ وجوده هنا، في هذا الوقت، بهذا الحال، ليس إلا بدايةً لمرحلةٍ جديدةٍ من الألم. الأمل الذي كانت تتمسك به بدأ يتبدد، ليحلّ محله خوفٌ دفينٌ من مستقبلٍ مجهول. لقد عاد يوسف، لكنّه لم يعد كما كان. وربما، كانت هي أيضاً، لم تعد كما كانت.

شارك هذا الفصل:

เว็บไซต์นี้ใช้คุกกี้

เราใช้คุกกี้เพื่อปรับปรุงประสบการณ์การอ่านนิยายของคุณ วิเคราะห์การเข้าชม และแสดงโฆษณาที่เกี่ยวข้อง รายได้จากโฆษณาช่วยให้เราให้บริการอ่านนิยายฟรีต่อไปได้ อ่านรายละเอียดเพิ่มเติมที่ นโยบายความเป็นส่วนตัว

ตะกร้า eBook

ตะกร้าว่างเปล่า

เพิ่ม eBook ลงตะกร้าเพื่อรับส่วนลดพิเศษ

ส่วนลด Bundle

ซื้อ 3-4 เล่มลด 10%
ซื้อ 5-9 เล่มลด 15%
ซื้อ 10+ เล่มลด 20%