حب في زمن الحرب
شبح الماضي وخيوط القدر
بقلم سارة العمري
عاد يوسف إلى بيت والده، الذي لم يكن إلا بيتاً عائلياً قديماً في طرف القرية. كانت رائحة تراب الأرض الرطب ممزوجةً بعبق بخور العود تستقبله عند المدخل. استقبلته والدته بدموعٍ غزيرةٍ وفرحةٍ مشوبةٍ بالحذر، فقد طالت غربته، وتزايد قلقها عليه. لكنّ يوسف لم يكن في حالٍ تسمح له بالاستجابة لفيض عواطفها. كان عقله مشغولاً بما تركه وراءه، وبالمشاكل التي تلاحقه.
بعد أن استقرّ قليلاً، طلب لقاءَ والدته على انفراد. جلس معها في الغرفة التي كانت تجمعهم فيها ذكريات الطفولة، وفتح قلبه لها، كاشفاً عن سرٍّ كان يثقل كاهله لسنوات.
"يا أمي، لقد كنتُ أسوأ حالاً مما تظنين. السفر لم يكن مجرد عملٍ، بل كان هروباً. هروباً من واقعٍ مرير، ومن خطأٍ ارتكبته."
صمتت الأم، تستمع إليه بعينين واسعتين، وقلبٍ يخفق بقوة.
"لقد تورطتُ في ديونٍ كبيرة، يا أمي. ديونٌ نجمت عن المقامرة. نعم، المقامرة. تلك الآفة التي نهت عنها شريعتنا، والتي حذرتنا منها دائماً. بدأتُ بسيطةً، بلعبٍ مع بعض الرفقاء، ثمّ تطورت الأمور، وازدادت المراهنات، حتى وجدتُ نفسي غارقاً في بحرٍ من الديون لم أجد منه مخرجاً."
سقطت كلمات يوسف على أذن والدته كالصواعق. لم تكن تتخيل أبداً أن ابنها، الذي ترعرع على مبادئ الدين والأخلاق، يمكن أن يقع في مثل هذا المستنقع.
"وكيف جئتَ إلينا الآن؟" سألت بصوتٍ مرتجف.
"لقد استدان والدي مني كلّ ما استطاع، وبعتُ كلّ ما أملك، ولم تسعفني الأموال. جئتُ إليكم لأطلب مساعدتكم، لأستعيد ما تبقّى من كرامتي."
بدأت الأم بالبكاء، لم يكن بكاءً للحزن، بل بكاءً للمسؤولية. كانت تعلم أن سمعة العائلة على المحك، وأنّ هذا الأمر قد يؤثر على مستقبل ابن عمته ريم، التي بدأت تظهر علامات الودّ بينهما.
"لا تقلق يا بني. سأجد حلاً. لكنّك يجب أن تعدني، بوعدٍ قاطع، أن تتوب إلى الله، وأن تقلع عن هذه العادة الذميمة إلى الأبد. وأن تتذكر دائماً أنّ الله يغفر لمن تاب، لكنّ طريق التوبة ليس سهلاً."
وعد يوسف والدته، وهو يشعر بعارٍ شديدٍ يلفّ روحه. لقد كشف عن سوءته، عن ضعفه، وعن خطئه الفادح.
أما ريم، فقد علمت بقدوم يوسف من خلال حديثٍ دار بين والدتها وعمتها. لم تكن سعيدةً بالخبر، بل كانت قلقةً. رؤيته في ذلك المساء، بملامحه المتعبة ونظراته الغريبة، لم يكن إلا دليلاً على أنّ الأمور ليست على ما يرام.
حاولت ريم أن تتجنب لقاءه قدر الإمكان. كانت تشعر بالخجل من شدة تعلقها به، وتخشى أن يكتشف الأمر. لكنّ القدر كان يلعب لعبته. في أحد الأيام، بينما كانت ريم تساعد والدتها في قطف الزيتون، جاء يوسف بصحبة والده. توقفت ريم عن العمل، وشعرت بأنّ قلبها يتوقف عن النبض.
"السلام عليكم ورحمة الله وبركاته، يا ابنة العم." قال يوسف بصوتٍ بدا متعباً.
"وعليكم السلام ورحمة الله وبركاته، يا يوسف." أجابت ريم بصوتٍ خفيض، وهي تنظر إلى يديها.
"كيف حالك؟" سأل والد يوسف.
"الحمد لله." أجابت ريم.
"يبدو أنّ لديكِ الكثير من العمل." قال يوسف، محاولاً بدء حديثٍ.
"نعم، فالزيتون يحتاج إلى عناية."
"هل يمكنني المساعدة؟" عرض يوسف، متفاجئاً بعرضه.
ترددت ريم قليلاً، ثمّ أومأت برأسها. "إن شئت."
بدأ يوسف في المساعدة، وكان يعمل بجدٍّ، وكأنّه يحاول أن ينسى شيئاً. كانت ريم تراقبه من بعيد، وتلاحظ شحوب وجهه، وعلامات الإرهاق التي ترتسم على جبينه. تساؤلت في نفسها: ما الذي حدث له؟ ولماذا يبدو هكذا؟
خلال الأيام التالية، بدأت ريم تلاحظ سلوكاً غريباً من يوسف. كان يبدو شارداً معظم الوقت، وعيناه تبحثان عن شيءٍ ما، أو عن شخصٍ ما. كان يتحدث قليلاً، ويفضّل الصمت. في بعض الأحيان، كان يبتسم ابتسامةً باهتة، كمن يذكر شيئاً جميلاً، ثمّ يعود إلى عبوسه.
في إحدى الأمسيات، بينما كانت ريم تمشي في حديقة المنزل، سمعت صوتاً قادماً من جهة المخزن. اقتربت بحذر، وشاهدت يوسف واقفاً أمام صندوقٍ قديم، ينبش فيه. عندما لاحظ وجودها، رمى ما في يده بسرعة، وكأنّه يخفي شيئاً.
"ماذا تفعل يا يوسف؟" سألت ريم بفضول.
"لا شيء، كنتُ أبحث عن بعض الأدوات القديمة." قال متلعثماً.
شعرت ريم بشيءٍ من الشك. لم يكن يوسف يبدو صادقاً. نظرت إلى ما كان ينبش فيه، ورأت ورقةً مطوية.
"هل هذه رسالة؟" سألت.
"لا، إنها مجرد أوراق قديمة." أجاب مسرعاً.
في تلك الليلة، لم تستطع ريم النوم. كان سلوك يوسف يثير لديها الكثير من التساؤلات. هل كان يخفي عنها شيئاً؟ هل كان الأمر يتعلق بتلك الديون التي لمحت والدته إليها؟ كان الخوف يتسلل إلى قلبها، خوفٌ من أن يكون يوسف الذي تحبه، والذي تدور أحلامها حوله، شخصاً آخر غير ما تتصوره. الخوف من أن يكون هذا الرجل الذي عاد، يحمل معه عالماً من المشاكل التي قد تطالها هي أيضاً.