زواج بالقدر
خفقان قلب على شاطئ الذكريات
بقلم سارة العمري
كانت الشمس تغرب، ترسم لوحةً سماويةً أخاذةً بألوانٍ من ذهبٍ ناريٍّ وبرتقاليٍّ حالم، لتلقي بظلالها الذهبية على رمال شاطئ العقير الهادئ. في هذه الساعة المباركة، حيث يمتزج عبق البحر بعبير الزعتر البري المنبعث من تلالٍ قريبة، كانت "نور" تقف، تنظر إلى الأفق البعيد، وقلبها يعتصر ألماً لا تخطئه عينٌ خبيرة. كانت تلوح بيدها بخفةٍ، وكأنها تلقي بآخر نظرةٍ على حلمٍ بات بعيد المنال. قطراتٌ دمعٍ صغيرةٌ بدت تتلألأ في عينيها كاللآلئ، لكنها سرعان ما انكمشت، مستجمعةً ما تبقّى من عزيمةٍ لتواجه واقعاً أشد قسوةً من الأمواج المتلاطمة.
لم تكن "نور" مجرد فتاةٍ عادية، بل كانت حفيدَةَ شيخٍ جليل، وريثةً لعائلةٍ عريقةٍ عرفت بالصلاح والكرم في بلاد الاحساء. كانت تحمل في ملامحها، التي تشعُّ بجمالٍ هادئٍ لا يخلو من قوة، أصالةَ الأرض وشموخَ النخيل. شعرها الأسود الفاحم، الذي تفوح منه رائحةُ عطرٍ طبيعيٍّ لطيف، كان ينسدل على كتفيها كشلالٍ من الحرير، وعيناها الواسعتان، بلون البنِّ الغامق، كانت تحمل قصصاً لم تُروَ بعد، وشجاعةً كامنةً تنتظر اللحظة المناسبة لتنفجر.
اليوم، كان يوماً مفصلياً في حياتها. اليوم، كان من المفترض أن تحتفل بخطوبتها من "مهند"، ابن عمها الذي نشأت معه، والذي طالما رأته فيها شريكةَ حياتها المستقبلية. ولكن، القدر، ذلك الكاتب الصامت، رسم لها مساراً آخر. رسالةٌ وصلت صباح هذا اليوم، حملت خبراً كصاعقةٍ نزلت على رأسها: "مهند" في رحلةٍ عملٍ عاجلةٍ إلى الخارج، وطلب تأجيل الحفل. لكن الرسالة، المكتوبة بخطٍ يدويٍّ متسرع، لم تحمل دفءَ الكلمات التي اعتادتها منه، بل شعوراً غريباً بالبرود والبعد.
"لماذا كل هذا العجل يا مهند؟" همست لنفسها، وصوتها يكاد يضيع بين هدير الأمواج. "أكان كل شيءٍ مجرد وهمٍ؟"
تنفست بعمق، محاولةً طردَ الأفكار المزعجة. كانت تذكر جيداً الأيام الخوالي، عندما كان "مهند" يشاركها أحلامها، ويعدها بمستقبلٍ مشرقٍ بين جنبات هذا الشاطئ نفسه. كانا يقضيان ساعاتٍ طوالٍ هنا، يتحدثان عن المستقبل، عن بيتٍ صغيرٍ يملؤانه بالضحكات، عن أبناءٍ يحملون اسميهما. هل كانت كل تلك الوعود مجرد عباراتٍ تائهةٍ في الهواء؟
حين استدارت لتغادر، لمحَتْ ظلاً يتحرك ببطءٍ على حافة الشاطئ، رجلاً يرتدي عباءةً سوداء، ويقف شامخاً كأنه جزءٌ من الطبيعة نفسها. كان وجهه في الظلام، لكن وقفته أثارت فضولها. لم تكن معتادةً على رؤية غرباءٍ في هذا المكان، خاصةً في هذا الوقت المتأخر من النهار. كان ثمة شيءٌ في حضوره يختلف، هالةٌ من الغموض والهيبة.
اقترب الرجل ببطءٍ، وصوت خطواته على الرمال كان أشبه بقرعٍ خافتٍ على أبواب المجهول. توقف على مسافةٍ مناسبة، وعلى الرغم من الظلام المتزايد، شعرت "نور" بأن عينيه مثبتتان عليها. لم يكن يبتسم، ولم يكن عابساً، مجرد نظرةٍ ثاقبةٍ استطاعت أن تخترق دروع صمتها.
"هل أنتِ الحاجةَ نور؟" سأل بصوتٍ عميقٍ رخيم، يمتلك نبرةً تحملُ حكمةَ السنين.
استغربت "نور". كيف عرف الرجل اسمها؟ وهل يعرفها أصلاً؟ ترددت لحظة، ثم أجابت بصوتٍ متردد: "أنا هي. ومن أنت؟"
لم يجب مباشرةً. بدل ذلك، اتكأ على عصاه المزخرفة، ونظر نحو البحر، كأنه يستلهم منه كلماتٍ لقولها. "القدر يا ابنتي، يأتي أحياناً محملاً بالمفاجآت، حلوها ومرها. وقد جاءني اليوم ليبلغكِ رسالةً."
شعر قلب "نور" بالخفقان. هذه ليست مجرد رسالةٍ عادية. هناك شيءٌ كبيرٌ يحدث. "رسالة؟ من؟" سألت، وقد ارتسمت على وجهها علاماتُ الدهشة والترقب.
"رسالةٌ من رجلٍ يحترمُ صمتكِ، ويقدرُ صبركِ، ولكنه أراد أن يكونَ هو من يوصلها، لا عبرَ وسطاءٍ قد يفسرونها بعكسِ مرادِه." قال الرجل، ثم أخرج من جيبه صرةً صغيرةً من القماش، وقدمها إليها. "هذه أمانةٌ."
ترددت "نور" للحظة، ثم مدّت يدها المرتجفة لتستلم الصرة. كانت ثقيلةً بعض الشيء. "وماذا فيها؟"
"بداخلها، ستجدين مفتاحَ عالمٍ جديد، وبدايةَ قصةٍ لم تُكتَب فصولها بعد. قصةٌ ستكونين بطلتها، ولكن ليس بالشكل الذي تخيلتِه." أجاب الرجل، وعيناه تلمعان ببريقٍ خفيٍّ. "غداً، عند صلاةِ الفجر، ستجدين في مكانٍ معلومٍ التفاصيلَ الكاملة. أما الآن، فليكن هذا اللقاءُ مجردَ لقاءٍ عابرٍ بينَ ظلٍّ ونور."
قبل أن تتمكن "نور" من طرح أي سؤالٍ آخر، التفت الرجل، وبدأ يسير مبتعداً بنفس الهدوء والرزانة التي جاء بها. اختفى بسرعةٍ في الظلام، تاركاً وراءه "نور" واقفةً وحدها على الشاطئ، ممسكةً بالصرة الغامضة، وقلبها يضطربُ بعنفٍ، وعقلها يعجُّ بالأسئلة. كان شعورٌ غريبٌ يغمرها، مزيجٌ من الخوف والفضول، شعورٌ بأن حياتها على وشكِ أن تنقلب رأساً على عقب.
نظرت إلى السماء، حيث بدأت النجوم تتلألأ الواحدة تلو الأخرى، كشهودٍ صامتين على هذا اللقاءِ غيرِ المتوقع. أمسكت بصرة القماش بقوة، وكأنها تمسكُ بخيطٍ رفيعٍ يربطها بمصيرٍ مجهول. كان النسيم البحري يداعب شعرها، يحمل معه رائحةَ الملحِ وأسرارَ المحيط، وربما، أسرارَ هذا الرجل الغامض الذي ظهر كالشبحِ ثم اختفى.
"مفتاح عالمٍ جديد..." همست لنفسها، ونبرةُ الحيرةِ تعلو صوتها. هل كانت هذه نهايةُ قصةِ خطوبتها، أم بدايةُ روايةٍ أخرى لم تكن تتوقعها أبداً؟ شعرت ببردٍ يتسربُ إلى عظامها، لا من الريح، بل من الثقلِ الذي حملته بيديها، ومن الأسئلةِ التي بدأت تنمو في رأسها كالنباتاتِ البرية.
قبل أن تستدير عائدةً إلى المنزل، ألقت نظرةً أخيرةً على البحر. كانت الأمواج ترتطم بالصخور، محدثةً صوتاً عميقاً، كأنها تهمسُ بكلماتٍ قديمة. رفعت الصرة نحو السماء، وكأنها تحاولُ قراءةَ المصيرِ المكتوبِ عليها. في هذه اللحظة، شعرت بأنها ليست "نور" ابنةُ العائلةِ المعروفة، بل مجردُ إنسانةٍ صغيرةٍ تقفُ أمامَ بحرٍ واسعٍ من الاحتمالات، وبيدها مفتاحٌ قد يفتحُ أبواباً لا تعلمُ ما يوجدُ وراءها.
كانت الظلالُ قد طالت، والليلُ يفرضُ سيطرتهُ على الشاطئ. لكن في قلب "نور"، بدأ نورٌ جديدٌ خافتٌ يتوهج، نورٌ يحملُ بذورَ أملٍ غريب، ولكنه أيضاً يخفي ظلَّ خوفٍ مبهم. لقد بدأت رحلتها، وإن لم تكن تعلمُ بعد إلى أين ستنتهي.