زواج بالقدر
رياح التغيير العاتية
بقلم سارة العمري
كانت الأمسية قد انتصفت، والسكون يلفّ أرجاء منزل العمّ أبو أحمد، إلا من أنين خافتٍ كان يصدر عن غرفة نور. استيقظت نور على أثر كابوسٍ أعادها إلى مرارة الأيام الماضية، تلك الأيام التي تمنّت فيها أن تنسى. تشبثت بذراعها، وشعرت بنبض قلبها يتسارع. لم تكن وحدها في غرفتها؛ كان هدوء الليل مخاتلاً، والحقيقة أعمق مما تبدو.
استيقظت والدتها، السيدة فاطمة، من نومها الخفيف لتسمع همسات نور الخائفة. اقتربت منها بحنانٍ، وجلست بجوارها على طرف السرير، ممسكةً بيدها الباردة. "ما بك يا ابنتي؟" سألت بصوتٍ حنونٍ، يختلط فيه القلق بالرغبة في الطمأنينة.
نظرت نور إليها بعينين دامعتين، وقالت بصوتٍ مرتجف: "إنه نفس الحلم، يا أمي. ذلك الرجل... لقد عاد ليطاردني." كانت تقصد بالطبع وليد، الرجل الذي خان ثقتها وسعى لتدمير سمعتها. رغم مرور سنواتٍ، لم تستطع نسيان فزعه، ولا الخوف الذي استقر في أعماق روحها.
ابتسمت السيدة فاطمة ابتسامةً حزينة، وقالت: "لقد مضى كل ذلك يا نور. أنتِ الآن في بيتٍ يحميكِ، وزوجٍ صالحٍ يقدركِ. أحمد ليس كمن عرفتِ. هو رجلٌ طيبٌ، وسيصونكِ بإذن الله."
"أعلم، يا أمي. ولكن... ولكن ما أراه في المنام ليس دائماً ما أراه في الواقع. الخوف يندسّ إلى قلبي كالثعبان."
احتضنت السيدة فاطمة ابنتها بحنانٍ، وهمست في أذنها: "التقوى يا ابنتي، والتوكل على الله. هو خير حافظٍ. وسوف تتجاوزين ذلك. ثقي بنفسكِ، وثقي بمن اختار الله لكِ."
في تلك اللحظة، سمعت السيدة فاطمة صوت خطواتٍ تقترب من الباب. فتحت نور الباب لتجد أحمد واقفاً، بوجهه الذي يعكس القلق. لقد استيقظ على أصواتهما الخافتة.
"هل كل شيءٍ على ما يرام؟" سأل بصوتٍ خفيض، وعيناه تبحثان عن إجابةٍ في عيني نور.
ابتسمت نور ابتسامةً باهتة، وحاولت أن تبدو قوية. "لا شيء، يا أحمد. مجرد كابوسٍ مزعج."
"حسناً. إذا احتجتِ شيئاً، فلا تترددي في مناداتي. أنا قريبٌ." قالها بصدقٍ، ونظر إلى السيدة فاطمة بامتنانٍ، قبل أن يعود إلى غرفته.
جلست نور على طرف السرير مرةً أخرى، وشعرت ببعض الراحة لكون أحمد بجوارها، رغم أن الأمر كله كان مجرد وهمٍ بالنسبة لها. كان وجوده في حياتها يمثل طمأنينةً لم تشعر بها من قبل، ولكن أشباح الماضي كانت لا تزال تلقي بظلالها.
في صباح اليوم التالي، وعلى مائدة الإفطار، كان الجميع يتحدث عن استعدادات زفاف ابنة عم أحمد، سلمى. كانت العائلة كلها متحمسةً لهذه المناسبة السعيدة، ولكن نور شعرت بنوعٍ من التوتر. لم تكن قد التقت بسلمى سوى مرتين، ولكنها سمعت الكثير عنها. قيل لها إن سلمى فتاةٌ مرحةٌ، محبوبةٌ، ولكنها أيضاً عنيدةٌ بعض الشيء.
"هل ستذهبين معنا إلى دار جدتكِ يا نور؟" سألت السيدة فاطمة، وهي تصبّ الشاي. "نريد أن نبدأ في تجهيز بعض الأمور."
"بالتأكيد يا أمي. أحبّ زيارة دار جدتي." قالت نور، وهي تتذكر أيام طفولتها التي قضتها هناك، أيامٌ كانت فيها البراءة هي سيد الموقف.
"ممتاز. سنذهب بعد صلاة الظهر."
كانت نور تحبّ دار جدتها؛ كان المكان يمثل لها ملاذاً من صخب المدينة، ومليئاً بذكرياتٍ لا تُنسى. ولكنها كانت تعلم أن زيارة هذه المرة ستكون مختلفة. سيلتقي أحمد بعائلته، وسيكونون تحت الأضواء، وكل حركةٍ ستكون مراقبة.
في تلك الأثناء، كان أحمد مشغولاً بترتيب أموره في العمل. كان يعلم أن زواجه من نور سيغيّر الكثير في حياته، وأن عليه أن يكون على قدر المسؤولية. كان يفكر في كيفية إرضاء عائلته، وفي الوقت نفسه، حماية نور من أيّ انتقاداتٍ محتملة.
"هل تحتاج أيّ مساعدةٍ في تجهيزات الزفاف يا أحمد؟" سأله والده، العمّ أبو أحمد، وهو يرتشف قهوته.
"لا يا أبي، شكراً. لقد توليتُ الأمر بالكامل. وأودّ أن أتأكد من أن كل شيءٍ يسير بسلاسةٍ، وأن نور مرتاحةٌ."
"هذا جيدٌ يا بني. أنتَ رجلٌ مسؤولٌ. ولكن تذكّر، أن عائلتي كبيرةٌ، والجميع يحبّ أن يشارك. لا تدع أحداً يشعر بأن رأيه غير مهم."
"أتفهم يا أبي. وسأحرص على ذلك."
كان أحمد يشعر ببعض القلق. كان يعلم أن والدته، السيدة أمينة، لديها أفكارٌ معينةٌ حول كيفية سير الأمور، وكان يخشى أن تتعارض هذه الأفكار مع رغبات نور. السيدة أمينة امرأةٌ قويةٌ، ولها شخصيتها المميزة. كانت تحبّ أحمد كثيراً، ولكنها كانت أيضاً تقليديةً، وكان لديها تصورٌ معينٌ للزوجة المثالية لابنها.
في وقتٍ لاحقٍ من ذلك اليوم، وبينما كان أحمد يتفقد بعض أوراق العمل، تلقى اتصالاً هاتفياً من صديقه المقرب، سامي.
"كيف تسير الأمور يا أحمد؟ هل بدأت الاستعدادات لزفاف العمر؟" سأل سامي بمرحٍ.
"الحمد لله، تسير على ما يرام. ولكن التجهيزات كثيرةٌ، والوقت ضيقٌ."
"أتفهم. ولكن لديّ خبرٌ قد يثير اهتمامك. هل تتذكر وليد؟"
تجمد الدم في عروق أحمد. "وليد؟ ماذا عنه؟"
"لقد سمعتُ أنه عاد إلى المدينة. ويبدو أنه يحاول استعادة بعض أعماله القديمة."
شعر أحمد ببرودةٍ تسري في جسده. "عائد؟ هنا؟"
"نعم. وقد سمعتُ أيضاً أنه سأل عن نور."
لم يتمكن أحمد من الكلام. لقد كان يتمنى ألا يحدث ذلك أبداً. عودة وليد كانت بمثابة فتحٍ لجرحٍ قديمٍ، وجلبٍ لتهديدٍ كان يعتقد أنه قد انتهى.
"هل أنتَ متأكدٌ من ذلك يا سامي؟" سأل أحمد بصوتٍ بالكاد يُسمع.
"هذا ما وصلني. ولكن لا تقلق. أنتَ معها الآن، وهي تحت حمايتك."
"أتمنى أن يكون الأمر كذلك. شكراً لك يا سامي."
أغلق أحمد الهاتف، وشعر بثقلٍ كبيرٍ يقع على صدره. لم يكن يعرف كيف سيخبر نور بهذا الخبر، أو كيف سيواجهون هذا التهديد الجديد. كان يتمنى أن يكون كل ما يسمعه مجرد شائعاتٍ، ولكن قلبه كان يخبره بالعكس. رياح التغيير بدأت تعصف، ولم يكن يعرف إلى أين ستقوده.