زواج بالقدر
بين الحذر والأمل
بقلم سارة العمري
دخلت نور إلى دار جدتها، وشعرت وكأن الزمن قد عاد بها إلى الوراء. الروائح العتيقة، الزخارف الإسلامية التقليدية، الألوان الدافئة التي تكسو الجدران. كل شيءٍ كان كما تذكره، ملاذٌ آمنٌ يعيد لها إحساسها بالانتماء. استقبلتها جدتها، الحاجة أمينة، بحرارةٍ، وعانقتها عناقاً طويلاً.
"يا ابنتي، يا نور عيني! لقد اشتقتُ إليكِ كثيراً." قالت الحاجة أمينة، وعيناها تلمعان بالدموع. كانت الحاجة امرأةً وقورةً، ذات وجهٍ رحبٍ، وملامحٍ تحكي عن سنواتٍ من الحكمة والصبر.
"وأنا اشتقتُ إليكِ أكثر يا جدتي." ردت نور، مستمتعةً بدفء حضنها.
كانت دار الجدة تعجّ بالحياة. خالات أحمد، وزوجاتهن، وأبناؤهن وبناتهن، جميعهم اجتمعوا للاحتفال بزفاف سلمى. كان جوّاً مليئاً بالبهجة والضحك، ولكن نور شعرت بأنها تراقب. نظراتٌ كانت تتسلل إليها بين الحين والآخر، نظراتٌ تحمل فضولاً أكثر من الود.
كانت والدتها، السيدة فاطمة، تحاول أن تجعلها تشعر بالراحة، وتُعرفها على أقارب أحمد. "هذه خالتكِ أمّ عادل، زوجة عمّك أبو عادل." قالت السيدة فاطمة، وهي تشير إلى امرأةٍ أنيقةٍ، ترتدي حجاباً أنيقاً.
ابتسمت نور، وقالت: "تشرفتُ بمعرفتكِ يا خالتي."
"ونحن أيضاً يا ابنتي. مباركٌ لكِ على زواجكِ من أحمد. إنه شابٌ بارٌ، وصالحٌ. الله يتمم لكِ على خير." قالت أمّ عادل بابتسامةٍ لطيفةٍ، ولكن في عينيها كان هناك شيءٌ من التقييم.
شعرت نور ببعض الخجل، ولكنها استمرت في الترحيب بهم. كانت تحاول جاهدةً أن تبدو واثقةً، وأن تُظهر لأحمد ولعائلته أنها قادرةٌ على التأقلم.
من ناحيةٍ أخرى، كان أحمد يشعر بتناقضٍ داخلي. على الرغم من سعادته بالزواج من نور، إلا أن خبر عودة وليد كان يلقي بظلالٍ ثقيلةٍ على نفسيته. كان يخشى أن يكشف وليد عن شيءٍ قد يؤثر على نظرة عائلته لنور.
"أحمد، هل أراكِ متكدّراً؟" سأله والده، العمّ أبو أحمد، عندما وجده واقفاً بمفرده في حديقة الدار.
"لا يا أبي، فقط أفكر في بعض الأمور. إنها مناسبةٌ سعيدةٌ، ولكنني أشعر بقلقٍ بسيطٍ."
"قلقٌ؟ من ماذا؟ كل شيءٍ على ما يرام. نور فتاةٌ رائعةٌ، وأنتَ ستحميها. لا تدع الأفكار الفارغة تشغل بالك."
"أتمنى أن يكون الأمر كذلك يا أبي."
لم يستطع أحمد أن يكشف لوالده عن خبر وليد. كان يعلم أن الأمر سيثير قلق العائلة بأسرها، وأن والده سيحاول حمايته بطريقته الخاصة، ربما بالضغط على نور أو على أهله. كان يفضل أن يتعامل مع الأمر بنفسه.
في المساء، وبعد عودة الجميع إلى منازلهم، جلست نور في غرفتها، وهي تفكر في أحداث اليوم. كانت سعيدةً بتعامل أقارب أحمد معها، ولكنها كانت تشعر أيضاً بأنها مراقبة. كانت تعلم أن عائلته تقليديةٌ، وأنها قد لا تكون على نفس القدر من الانفتاح الذي كانت تأمله.
"هل أنتِ بخير يا نور؟" سأل أحمد، وهو يدخل الغرفة.
"نعم، الحمد لله. إنها عائلةٌ كبيرةٌ، وودودةٌ."
"أتمنى أن تكوني مرتاحةً. أعرف أن هذه الأجواء قد تكون صعبةً عليكِ."
"لا عليك يا أحمد. سأبذل قصارى جهدي. والأهم أنني معك."
اقترب منها أحمد، ومسك يدها. "وأنا معكِ. دائماً."
كانت كلماته بمثابة بلسمٍ لروحها. رغم كل المخاوف، كانت تشعر بأن حب أحمد ودعمه هما كافيان لتجاوز أيّ صعاب.
في تلك الليلة، وبينما كان أحمد يتصفح بريده الإلكتروني، وجد رسالةً غريبةً. كانت من عنوانٍ غير معروفٍ، ومحتواها كان مقتضباً ومخيفاً: "أعرف كل شيءٍ عن الماضي. سأتحدث إلى أحمد."
شعر أحمد بصدمةٍ. لقد علم على الفور أن الرسالة تتعلق بوليد. لقد كان وليد يحاول أن يبتزه، أو أن يهدد نور بطريقةٍ ما.
"هذا لا يمكن أن يحدث." همس أحمد لنفسه، وهو يضع يده على قلبه.
قرر أحمد أن يكشف كل شيءٍ لنور. لم يعد بإمكانه إخفاء الأمر. في صباح اليوم التالي، بعد أن استيقظت نور، وجدته ينتظرها في صالة المنزل.
"صباح الخير يا نور. لديّ شيءٌ أريد أن أخبركِ به." قال أحمد بصوتٍ جادٍ.
"ماذا هناك يا أحمد؟ تبدو متعباً."
"لقد تلقيتُ رسالةً بالأمس. إنها من وليد."
انقبض قلب نور. "وليد؟ ماذا يريد؟"
"إنه يهدد. يقول إنه يعرف كل شيءٍ عن الماضي، وأنه سيتحدث إليّ."
جحظت عينا نور، وشعرت بالدوار. "لا... لا يمكن. لقد انتهى كل شيء."
"يبدو أنه لم ينتهِ. أعتقد أنه يحاول ابتزازنا."
جلست نور على أقرب كرسي، وهي ترتجف. "هذا كابوسٌ آخر، يا أحمد. أرجوك قل لي إنها ليست حقيقة."
"إنها حقيقةٌ للأسف. ولكن لا تقلقي. أنا معكِ. ولن ندعه يؤذينا."
أمسك أحمد بيديها، وحاول أن يهدئها. "علينا أن نكون أقوياء. وسوف نتجاوز هذا الأمر."
كانت نور تشعر بالخوف، ولكنها كانت أيضاً تشعر ببعض الشجاعة. لم تعد وحدها. كان لديها أحمد، الذي كان مستعداً لمواجهة أيّ شيءٍ من أجلها. ولكنها كانت تعلم أن هذا مجرد بداية. المعركة مع الماضي قد بدأت للتو.