زواج بالقدر
ظلال الماضي تتكشف
بقلم سارة العمري
استمرت الأيام تحمل معها مزيجاً من الاستعدادات للزفاف والتوتر المتزايد. كان أحمد يتكتم على أمر الرسالة التي تلقاها من وليد، خوفاً من إثارة قلق نور أكثر، ولكنه كان يبحث في نفس الوقت عن أيّ أثرٍ لوجود وليد في المدينة، أو أيّ تحركاتٍ مشبوهةٍ. كانت نور تشعر بالقلق، ولكنها كانت تحاول أن تعيش لحظتها، مستندةً إلى دعم أحمد.
في أحد الأيام، بينما كانت نور تساعد والدتها في تجهيز بعض الملابس التقليدية الخاصة بزفاف سلمى، دخل عليها أحمد بوجهٍ شاحبٍ.
"ماذا بك يا أحمد؟ هل هناك ما يزعجك؟" سألت نور، ولاحظت ارتباكاً في عينيه.
"في الحقيقة... لقد وجدتُ بعض المعلومات عن وليد." قال أحمد، وبدت نبرة صوته مليئةً بالأسى.
"ماذا وجدت؟" سألت نور، وقلبها يخفق بعنف.
"لقد علمتُ أنه يحاول استعادة شركاته القديمة، ولكن بطرقٍ غير مشروعة. وسمعتُ أيضاً أنه يحاول استمالة بعض الأشخاص الذين لديهم سوابق."
شعرت نور ببرودةٍ تسري في عروقها. "ماذا تقصد؟ هل سيحاول أن يورطني؟"
"لا أعتقد أنه يريد إيذائكِ مباشرةً. ولكنه قد يحاول استخدام أيّ شيءٍ يعرفه عن ماضيكِ لتشويه سمعتكِ، أو لابتزازي. وخاصةً إذا علم أنني سأتزوج منكِ."
"ولكن... ولكن كيف سيعرف؟"
"هذا ما يحيرني. لم أكن أعتقد أنه يعرف عن زواجنا."
في تلك اللحظة، تذكرت نور شيئاً. "انتظر. ربما... ربما هذا الشخص الذي سمعتُ عنه، الذي ساعد وليد في الماضي، ربما هو من أخبره."
"أيّ شخصٍ يا نور؟"
"لا أتذكر اسمه تماماً. ولكن كان رجلاً غريباً، كان يزور وليد في مكتبه بين الحين والآخر. كان يبدو عليه أنه شخصٌ لا أمان له."
"هل تتذكرين أيّ تفاصيل عنه؟ أيّ شيءٍ قد يساعدني في تعقبه؟"
"لا أعرف. كل ما أتذكره هو أنه كان يرتدي نظاراتٍ داكنةً، وكان صوته خافتاً. كان يحمل حقيبةً جلديةً قديمةً."
أصيب أحمد بخيبة أملٍ. كانت هذه التفاصيل قليلةً جداً. ولكنه كان يعلم أن وليد لا يمكن أن يأتي من العدم. لا بد أن هناك شخصاً ما يساعده، أو يوجهه.
"سأحاول أن أبحث عن أيّ معلوماتٍ. ولكن يجب أن نكون مستعدين لأيّ شيءٍ." قال أحمد، وعزمٌ يشتعل في عينيه.
بعد ذلك، وبطريقةٍ ما، تسربت الأخبار إلى مسامع عائلة أحمد. لم تكن التفاصيل واضحةً تماماً، ولكن الشائعات بدأت تتناقل. أن هناك شخصاً ما يحاول الإضرار بعلاقة أحمد بنور. وأن هذا الشخص مرتبطٌ بماضي نور.
اجتمعت السيدة أمينة، والدة أحمد، مع نور في الحديقة. كان الجو بينهما متوتراً.
"يا ابنتي، لقد سمعتُ بعض الأمور. هل هناك حقاً ماضٍ لنور قد يؤثر على علاقتها بأحمد؟" سألت السيدة أمينة، بجديةٍ في صوتها.
شعرت نور بالخجل. لم تكن تريد أن تكشف عن تفاصيل ماضيها لأحدٍ، وخاصةً لعائلة أحمد.
"يا خالتي، الأمر معقدٌ. ولكن أحمد على علمٍ بكل شيءٍ، وهو يقبلني كما أنا." قالت نور، بصوتٍ حاولت أن تجعله قوياً.
"أعلم أن أحمد يحبكِ، ولكنني أريد أن أكون مطمئنةً. سمعتُ أن وليد، هذا الرجل الذي كان يتحدث عنه أحمد، له علاقةٌ بماضيكِ. هل هذا صحيح؟"
لم يكن أمام نور خيارٌ سوى الاعتراف. "نعم يا خالتي. لقد تعرضتُ لبعض الأذى من قبل وليد في الماضي. ولكني تجاوزتُ الأمر، وأحمد يعرف كل التفاصيل."
نظرت السيدة أمينة إلى نور بعمقٍ. "أتفهم. ولكن ألا تعتقدين أن عودة هذا الرجل تشكل خطراً؟"
"نعم، أعتقد ذلك. ولكننا سنتعامل مع الأمر."
"عليكِ أن تكوني قويةً يا ابنتي. وعلينا أن نتأكد من أن كل شيءٍ سيكون على ما يرام قبل الزواج."
كانت كلمات السيدة أمينة تحمل في طياتها حكمةً، ولكنها كانت أيضاً تثير قلق نور. هل ستستطيع أن تثبت نفسها أمام عائلة أحمد؟ هل سيقبلونها حقاً؟
في هذه الأثناء، كان وليد يتابع الأمور عن كثب. كان يتواصل مع شخصٍ غامضٍ، يزوده بالمعلومات، ويحثه على تسريع الخطة.
"هل أنتَ متأكدٌ من أن أحمد لا يعرف شيئاً عن خطتنا؟" سأل وليد.
"نعم، إنه غافلٌ تماماً. يعتقد أنه سيأخذ نور ليعيش معها حياةً سعيدةً. ولكنه لا يعلم أننا نمسك بخيوط كل شيءٍ."
"ممتاز. أريد أن يتم الأمر قبل الزفاف. لا أريد أن يكون لديهم فرصةٌ لترتيب أمورهم. سأعطيكَ المزيد من المال عندما تنجز المهمة."
"لا تقلق. كل شيءٍ سيكون كما أمرت."
عاد أحمد إلى نور، وهو يشعر بالضيق. "لقد علمتُ أن وليد على اتصالٍ بشخصٍ ما داخل العائلة."
"داخل العائلة؟ من؟" سألت نور، مفزوعةً.
"لا أعرف. ولكن المعلومات التي يمتلكها، وكيفية تعامله مع الأمور... كل هذا يشير إلى أن هناك شخصاً قريباً منه، أو قريباً منكم، يساعده."
كان هذا الاكتشاف صدمةً كبيرةً. أن يكون هناك خائنٌ في محيطهم، شخصٌ يشارك في تدمير سعادتهم.
"من يمكن أن يكون؟" سألت نور، وعيناها تملؤها الحيرة.
"هذا ما أحاول معرفته. ولكن مهما كان الأمر، علينا أن نحافظ على هدوئنا. وأن نكون مستعدين لمواجهة هذا الخائن، مهما كان."
كانت الأمور تزداد تعقيداً. لم يعد الأمر مجرد صراعٍ مع ماضٍ قديمٍ، بل أصبح معركةً ضد عدوٍ متخفٍ، يتربص بهم من داخل دائرتهم.