الفصل 18 / 25

زواج بالقدر

أسرار مكشوفة ووداع مفاجئ

بقلم سارة العمري

كان الهواء في قصر الشيخ سليمان يثقل بالترقب، لم يكن مجرد جو عادي، بل كان يعجّ بمشاعر متضاربة، كالصخب الخفي في ليلة عاصفة. لم تكن نورة تدرك حين وطأت قدماها عتبة القصر متجهة نحو لقاء لم تحتسب عواقبه، أنها ستجد نفسها في قلب عاصفة من الأسرار التي ستقلب حياتها رأسًا على عقب. كانت قد اعتقدت أن لقاءها بوالدتها، السيدة فاطمة، لن يتجاوز تبادل بعض الكلمات الباهتة عن سبب اختفائها المفاجئ، لكن ما حدث كان أبعد ما يكون عن ذلك.

كانت السيدة فاطمة قد استقبلتها ببرود غريب، برود لم يعهده قلب نورة من قبل. جلست أمامها، وعيناها تشعّان بنار خفية، تتلفت حولها كمن يبحث عن مخرج. ثم، بكلمات مرعبة، بدأت قصة لم تسمعها نورة من قبل، قصة بدت وكأنها من نسج الخيال، لكنها حملت في طياتها دليلاً على صدقها.

"يا ابنتي،" بدأت السيدة فاطمة، وصوتها يرتجف، "لا أعرف كيف أبدأ، لكن قلبي لم يعد يحتمل هذا العبء. كل ما ترينه حولك، هذا القصر، هذه الثروة، كل شيء، له ثمن دفعناه، أنا ووالدك، ثمن كان له تبعات."

نورة، التي كانت تتوقع ربما اعتذارًا، أو تفسيرًا بسيطًا، وجدت نفسها تسمع كلامًا غامضًا يثير قلقها. "ماذا تقصدين يا أمي؟" سألت بصوت خفيض، وعيناها تحدقان في وجه والدتها الشاحب.

"والدك،" استأنفت السيدة فاطمة، "لم يكن مجرد تاجر طموح، بل كان رجلًا مدينًا، مدينًا بشدة لرجل لا يعرف الرحمة. لقد استدان منه ليموّل مشاريعه، ولم يستطع السداد. ولقد عرض عليه هذا الرجل، السيد عاصم، صفقة لم يكن لوالدك خيار فيها."

توسعت عينا نورة في دهشة. السيد عاصم؟ ذلك الرجل الغامض الذي سمعت عنه همسات في القصر، والذي يبدو أن له نفوذًا واسعًا؟ "ما هي هذه الصفقة؟"

"لقد اشترط السيد عاصم على والدك، مقابل إسقاط ديونه، أن يتخلى عن حقوقه في بعض الممتلكات، ومن بينها قطعة أرض تقع في منطقة نائية، ظنها الجميع بلا قيمة. لكن الحقيقة، يا نورة، أن هذه الأرض تحمل سرًا عظيمًا. سرٌّ يتعلق بتاريخ عائلتنا، وبإرثٍ لنا لم نعلم بوجوده."

انتقل قلب نورة بسرعة. إرث؟ سرّ؟ "أمي، أرجوكِ كوني واضحة."

"هذه الأرض، يا ابنتي، هي موقع مقبرة قديمة، مقبرة لأجدادنا الأوائل، ومخزن لكنوزٍ أثريةٍ ثمينة، لا تقدر بثمن. ولكن السيد عاصم، لم يكن مهتمًا بالكنوز بالمعنى التقليدي، بل كان يسعى لشيء آخر، شيء مرتبط بنبوءة قديمة، أو ربما ارتباط بعالم آخر."

شعرت نورة بالدوار. هذا الكلام يبدو أقرب إلى الأساطير منه إلى الواقع. "ولماذا لم تخبرونا بهذا من قبل؟ ولماذا تركتِنا لسنوات؟"

"لقد هددني، يا ابنتي، وهدد والدك. قال إن أي محاولة لكشف هذا السر ستكون نهايتنا. لقد أجبرنا على الابتعاد، على الاختفاء، ليحمينا. وقد عشتُ في خوفٍ دائم، أفكر فيكِ، وفي مستقبلِك."

كانت السيدة فاطمة تتحدث ودموعها تتساقط على خديها. "ولكن الآن، لقد حان الوقت. السيد عاصم يوشك على تحقيق هدفه، ويبدو أن له خطة لا تبقي ولا تذر. لقد علمتُ أنه يخطط لاستخدام قوةٍ دفينةٍ في تلك المقبرة، قوة قد تدمر كل شيء. ولا أرى حلاً إلا أن نتحرك الآن، وأن نستعيد ما هو لنا، وأن نمنع كارثة."

"ولكن كيف؟" سألت نورة، تشعر بأنها فقدت السيطرة على ما يحدث. "وكيف سنقاوم رجلًا كهذا؟"

"لدينا فرصة واحدة،" قالت السيدة فاطمة، وبنبرةٍ فيها شيء من الإصرار، "لقد تركتُ بعض الأشياء في مكانٍ آمن، أشياء قد تساعدنا. ولكني بحاجةٍ إلى مساعدتكِ، يا نورة. لم يعد لديّ وقت. لقد اتخذتُ قرارًا بأن أعود، وأن أواجه كل شيء."

فجأة، دُفعت الباب بقوة، ودخل شابٌ يرتدي زيًا أنيقًا، ويبدو عليه علامات القلق. كان هذا الشاب هو فهد، الذي كانت نورة قد قابلته قبل أشهر، والذي بدا أن له دورًا غامضًا في قصر الشيخ سليمان.

"عمتي فاطمة،" قال فهد بنبرةٍ فيها مزيج من الاستعجال والاعتذار، "آسف على المقاطعة، ولكن هناك أمرٌ جلل. لقد وصلت أخبارٌ بأن السيد عاصم قد بدأ تحركاته. قواته في طريقها إلى الموقع. الوقت ينفد."

نظرت السيدة فاطمة إلى نورة، ثم إلى فهد. "لقد حان الوقت، يا نورة. يجب أن نرحل فورًا. لا يوجد وقت للشرح. عليكِ أن تثقي بي."

قبل أن تتمكن نورة من استيعاب كل ما سمعته، وجدت نفسها في سيارةٍ سوداء، تسير بسرعةٍ جنونية، برفقة والدتها وفهد. لم يكن لديها أدنى فكرة إلى أين تتجه، أو ما الذي سيواجهها. كان قلبها يقرع طبول الخوف، لكنه كان يقرع أيضًا طبولًا من تصميمٍ جديد. لقد علمت أن حياتها لن تكون كما كانت أبدًا. إن كشف أسرار عائلتها، وتهديدات السيد عاصم، ومخاطر المقبرة القديمة، كل ذلك كان يمثل نقطة لا عودة. لقد دخلت عالمًا لم تكن مستعدة له، عالمًا يحكمه القدر، ولكنه أيضًا يحكمه قرارها بأن تقاوم.

كانت اللحظات الأخيرة في القصر كابوسًا حقيقيًا. رأت نورة آثارًا لأقدام غريبة في حديقة القصر، ورأت بعض الخدم يهمسون بخوفٍ شديد. بدا أن ثمة شيءٌ كبيرٌ يحدث، شيءٌ لم تكن جزءًا منه حتى الآن.

"ولماذا فهد معنا؟" سألت نورة والدتها، وهي تتذكر لقاءها به وكيف كان غامضًا.

"فهد جزءٌ من هذه القصة، يا ابنتي،" أجابت السيدة فاطمة، وعيناها تركزان على الطريق، "له دورٌ كبيرٌ في حمايتنا. إنه يعلم الكثير عن السيد عاصم وعن نواياه. لقد وعدني بالمساعدة، وأنا أثق به."

وصلت السيارة إلى مكانٍ منعزل، قرب أطراف المدينة، حيث وقفت أمام بيتٍ صغيرٍ يبدو مهجورًا. نزلوا منه ودخلوا. كان البيت بسيطًا، لكنه مليء ببعض الأشياء الغريبة. كانت هناك صناديق قديمة، وكتبٌ باللغة العربية القديمة، وبعض الأدوات التي بدت وكأنها من عصرٍ مضى.

"هنا،" قالت السيدة فاطمة، وهي تفتح صندوقًا خشبيًا قديمًا، "هنا بدأت كل شيء."

كشفت السيدة فاطمة عن خريطةٍ قديمة، مرسوم عليها تفاصيل المنطقة، مع علاماتٍ تشير إلى موقعٍ معين. "هذه هي المقبرة،" قالت، "وهذه هي الطريق إليها. علينا أن نصل إليها قبل أن يصل إليها السيد عاصم."

أخذت نورة الخريطة، وشعرت بأنها تتحمل عبئًا ثقيلًا. لم تعد مجرد فتاةٍ عاشت حياةً هادئة، بل أصبحت جزءًا من صراعٍ أقدم من زمنها.

"ولكن كيف سنصل إلى هناك؟" سألت.

"لدينا وسيلة نقل،" قال فهد، وهو يخرج مفتاحًا من جيبه. "سيارة دفع رباعي، ستكون كافية للتضاريس الوعرة."

كانت الرحلة إلى المقبرة مليئة بالتوتر. الصحراء الشاسعة، والظلام المتزايد، كل ذلك زاد من قلق نورة. كانت تفكر في والدها، الذي لم تره منذ سنوات. هل هو على علمٍ بكل هذا؟ هل هو بخير؟

"هل سيأتي أبي؟" سألت والدتها.

"أتمنى ذلك، يا ابنتي،" قالت السيدة فاطمة، ودموعها تلمع في عينيها، "لكنه قد يكون في مكانٍ آخر، يحاول أن يشتت انتباههم. ولكن حتى لو لم يأت، علينا أن ننجح."

وصلوا إلى منطقةٍ وعرة. خرجوا من السيارة، وبدأوا السير على الأقدام، مستخدمين الخريطة للاهتداء. كان الجو باردًا، والليل قد أصبح أكثر سوادًا.

"نحن نقترب،" قال فهد، مشيرًا إلى تلةٍ صخريةٍ في الأفق. "أعتقد أن المقبرة خلفها."

كانت نورة تشعر بقلبها يخفق بشدة. كل خطوة تقربها من مصيرٍ مجهول. لقد كشفت أسرارٌ كانت مدفونة، ووداعٌ مفاجئٌ لأحلامها القديمة. لقد بدأت رحلةٌ لا تعرف نهايتها، رحلةٌ ستختبر فيها كل ما تؤمن به.

شارك هذا الفصل:

เว็บไซต์นี้ใช้คุกกี้

เราใช้คุกกี้เพื่อปรับปรุงประสบการณ์การอ่านนิยายของคุณ วิเคราะห์การเข้าชม และแสดงโฆษณาที่เกี่ยวข้อง รายได้จากโฆษณาช่วยให้เราให้บริการอ่านนิยายฟรีต่อไปได้ อ่านรายละเอียดเพิ่มเติมที่ นโยบายความเป็นส่วนตัว

ตะกร้า eBook

ตะกร้าว่างเปล่า

เพิ่ม eBook ลงตะกร้าเพื่อรับส่วนลดพิเศษ

ส่วนลด Bundle

ซื้อ 3-4 เล่มลด 10%
ซื้อ 5-9 เล่มลด 15%
ซื้อ 10+ เล่มลด 20%