زواج بالقدر
رسالةٌ من المجهول وفجرٌ جديد
بقلم سارة العمري
انتشر سوادُ الليلِ فوقَ الشاطئ، مخفياً تفاصيلَ المكانِ ومُلقياً بعباءتهِ على الأفقِ الذي كانَ قبلَ قليلٍ مفعماً بألوانِ الغروبِ الساحرة. بقيت "نور" واقفةً، تتشبثُ بالصرةِ القماشيةِ كأنها طوقُ نجاةٍ في بحرٍ من الشكوك. لم تكن متأكدةً من سرعةِ الزمن، لكنها شعرت بأنها قضتَ وقتاً طويلاً واقفةً في هذا المكان، تشعرُ بوجودِ خيطٍ رفيعٍ يربطها بهذا الرجلِ الغامض، وبالرسالةِ التي ألقاها على عاتقها.
كانت الحرارةُ تزدادُ في جسدها، ممزوجةً بشعورٍ بالبردِ الذي لا يعلمه إلا من يقفُ على أعتابِ تحولٍ كبير. أدركتْ أنها لا تستطيعُ البقاءَ هنا طويلاً. والدتها، السيدة "فاطمة"، ستقلقُ كثيراً إذا تأخرتْ عن موعدِ العشاء. بقلبٍ لا يزالُ يخفقُ بانتظامٍ سريع، أدارتْ ظهرها للبحرِ الذي شهدَ لقاءها الغريب، وبدأتْ تسيرُ بخطىً متأنيةٍ نحو المنزل.
كلُّ خطوةٍ كانتْ كأنها تقطعُ جسراً بينَ عالمين. العالمُ الذي كانتْ تعيشُ فيه، المليءُ بالروتينِ الهادئِ والأحلامِ المألوفة، والعالمُ الجديدُ الذي فتحتْ لهُ الصرةُ الغامضةُ باباً. كانتْ تتخيلُ ملامحَ ذلكَ الرجلِ الغامض، تعابيرَ وجههِ الهادئة، وصوتَهُ العميقَ الذي يحملُ ثقلَ الأزمان. من يكون؟ وما هي قصته؟ ولماذا اختارها هي لتكونَ الطرفَ المستقبلَ لرسالته؟
عندما وصلتْ إلى المنزل، كانَ نورُ المطبخِ قدْ أضاءَ، ورائحةُ القهوةِ العربيةِ والهيلِ تفوحُ منهُ. استقبلتها والدتها بابتسامةٍ دافئة، ولكنْ بعينينِ تحملانِ بعضَ القلق. "أينَ كنتِ يا ابنتي؟ ظننتُ أنكِ ستعودينَ قبلَ الغروب." قالتْ السيدة "فاطمة" بلهجةٍ أموميةٍ حنونة. "كنتُ أتمشى قليلاً يا أمي، أستنشقُ هواءَ البحر." أجابتْ "نور" بمحاولةٍ لتبدو طبيعية، وضعتْ الصرةَ في جيبِ عباءتها، تخشى أنْ تُظهِرَ شيئاً قدْ يثيرُ قلقَ والدتها قبلَ الأوان.
جلستْ "نور" على مائدةِ العشاء، تتناولُ الطعامَ بصمتٍ متأمل. كانتْ تفكرُ في كلماتِ الرجل: "مفتاحُ عالمٍ جديد." هل يعني هذا أنَّ خطوبتها من "مهند" قدْ انتهتْ فعلاً؟ وهل هذهِ الرسالةُ هيَ إشارةٌ إلى بدايةِ طريقٍ مختلفٍ تماماً؟
بعدَ العشاء، صعدتْ "نور" إلى غرفتها، أغلقتْ البابَ خلفها، وبدأتْ تتأملُ الصرةَ في يديها. كانَ القماشُ خشناً، ولكنْ رائحةٌ خفيفةٌ تفوحُ منه، رائحةُ بخورٍ قديمٍ ممزوجةٌ بعبقِ الورد. فتحتْ الصرةَ ببطءٍ شديد، قلبها ينبضُ كطبولٍ معركة.
داخلَ الصرة، لم تجدْ مجوهراتٍ أو أموالاً، بل وجدتْ غرضينِ فقط. الأول، كانَ مفتاحاً نحاسياً قديماً، مزخرفاً برسومٍ دقيقةٍ توحي بالعراقةِ والأصالة. والثاني، كانَ ظرفاً أبيضَ مغلقاً، يحملُ اسمها "إلى الحاجةِ نور" مكتوباً بخطٍ أنسيابيٍّ جميل.
ارتعشَتْ يداها وهيَ تمسكُ بالظرف. وضعتْ المفتاحَ النحاسيَّ جانباً، وركزتْ كلَّ انتباهها على الرسالة. فتحتْ الظرفَ بحذر، وأخرجتْ ورقةً رقيقةً صفراءَ من الداخل. بدأتْ تقرأُ، وكلماتُ الرسالةِ بدتْ وكأنها تخرجُ من عمقِ الزمان، تحملُ ثقلَ حكمةٍ وصدقٍ نادر.
"بسمِ اللهِ الرحمنِ الرحيم. ابنتي الحاجةُ نور، أكتبُ إليكِ هذهِ الكلماتَ وأنا على يقينٍ تامٍّ بأنَّ القدرَ قدْ نسجَ خيوطَ لقائنا بطريقةٍ لا تخطرُ على بال. لمْ أخترْ أنْ أكونَ ساعيَ بريدٍ، ولكنْ وجدتُ نفسي مدفوعاً بقوةٍ لا أستطيعُ كبحها لأبلغَكِ حقيقةَ ما يحدث، وليستْ حقيقةً تخضعُ للأهواءِ أو المصالح. علمتُ، بطرقي الخاصة، أنَّ هناكَ منْ يسعى لتزويجكِ منْ شخصٍ لا يليقُ بمقامكِ، ولا يتوافقُ معَ روحكِ الطاهرة. وأنَّ الأسبابَ وراءَ هذا الزواجِ ليستْ سليمةً، بلْ هيَ أقربُ إلى صفقةٍ تُبنى على مصالحَ دنيويةٍ زائفة. أعلمُ أنَّ ما سأقولهُ قدْ يصدمكِ، ولكني أريدُ لكِ الخيرَ، وأخشى عليكِ منْ مستقبلٍ قدْ يكونُ مليئاً بالندم. أعلمُ أنَّ خطوبتكِ منَ ابنِ عمكِ "مهند" قدْ تكونُ قدْ فسختْ، أوْ ستُفسخُ قريباً. ولكنْ، لا تحزني، فالحكمةُ الإلهيةُ فيما ابتليتِ بهِ. المفتاحُ الذي أرسلتُه لكِ، هوَ مفتاحٌ لشقةٍ بسيطةٍ ونظيفةٍ في حيِّ "الرفاع" القديم. شقةٌ أعددتُها خصيصاً لكِ، لتكوني فيها بعيدةً عنْ أعيُنِ منْ يريدُونكِ لغيرِ ما أنتِ أهلٌ له. غداً، عندَ صلاةِ الفجر، ستجدينَ أمامَ بابِ منزلكمْ سيارةٌ سوداءُ اللون، ورقمُ لوحتها يبدأُ بالرقمِ 75. سائقُ السيارةِ يعرفُ ما يجبُ عليهِ فعله. هوَ سيقلُّكِ إلى مكانِ أمانكِ. أرجو منكِ أنْ تكوني شجاعةً، وأنْ تثقي بنفسكِ وبقدرةِ اللهِ على تغييرِ الأحوال. لا تخافي منْ المجهول، ففيهِ تكمنُ الفرصُ الجميلة. وإنْ احتجتِ أيَّ مساعدةٍ، فلا تترددي في البحثِ عنْ اسمي. أنا "عبد الرحمن الغانم". معَ خالصِ الدعاءِ لكِ بالتوفيقِ والهداية. عبد الرحمن الغانم."
أغلقتْ "نور" عينيها، تحاولُ استيعابَ ما قرأته. "عبد الرحمن الغانم"... لم تسمعْ بهذا الاسمِ من قبل. ولكنْ، هل يمكنُ أنْ يكونَ كلُّ ما ذكرهُ صحيحاً؟ هل كانتْ خطوبتها مجردَ تلاعبٍ بالأحداث؟ شعورٌ بالخيانةِ والغضبِ بدأَ يغلي في صدرها، ولكنهُ سرعانَ ما خفتَ بفعلِ شعورٍ أقوى، شعورٌ بالأملِ والأمانِ الذي أرساهُ الرجلُ في كلماته.
نظرتْ إلى المفتاحِ النحاسيِّ مرةً أخرى. كانَ يبدو غريباً، ولكنهُ يحملُ وعداً بالمستقبل. غداً، ستكونُ رحلتها إلى شقةِ "الرفاع". ولكنْ، ما الذي سيحدثُ بعدَ ذلك؟ هل سيلتقي بها "عبد الرحمن الغانم"؟ وماذا يريدُ منها حقاً؟
قضتْ "نور" بقيةَ الليلِ في تفكيرٍ عميق. كانتْ مشاعرُها تتأرجحُ بينَ الخوفِ منْ المجهولِ والترقبِ لما سيحملهُ الغد. شعرتْ بمسؤوليةٍ كبيرةٍ تقعُ على عاتقها. يجبُ عليها أنْ تكونَ قوية، وأنْ تتخذَ القراراتِ الصحيحة.
معَ بزوغِ خيوطِ الفجرِ الأولى، استيقظتْ "نور" على صوتِ الأذان. قامتْ بوضوء، وجدّدتْ إيمانها. أخذتْ المفتاحَ والظرفَ، ووضعتْهما في حقيبةٍ صغيرة. نظرتْ في المرآة، ورأتْ في عينيها بريقاً جديداً، بريقَ عزيمةٍ وشجاعة.
فتحتْ نافذتها، واستنشقتْ هواءَ الفجرِ النقي. كانتْ السماءُ لا تزالُ تحملُ آثارَ الليلِ، ولكنْ، نورَ الصباحِ بدأَ يتسللُ ببطءٍ، يعدُ بيومٍ جديد، وبدايةٍ جديدة.
عندما خرجتْ منْ بابِ منزلها، كانَ الهواءُ بارداً منعشاً. رأتْ السيارةَ السوداءَ تقفُ بهدوءٍ على مقربةٍ منها. كانَ رقمُ لوحتها 750x. تنفستْ بعمق، ثم بخطواتٍ واثقة، اتجهتْ نحو السيارة. لقدْ حانَ وقتُ الرحيل، وقتُ دخولِ هذا العالمِ الجديدِ الذي فتحهُ لها القدرُ، ومفتاحهُ في يدها.