الفصل 4 / 25

زواج بالقدر

وهمُ الأمانِ وصخبُ الماضي

بقلم سارة العمري

تسللتْ خيوطُ النهارِ إلى زوايا الشقةِ الصغيرة، لتُلقي بضوءٍ هادئٍ على حياةٍ بدأتْ للتوّ. أمضتْ "نور" يومها الأولَ في حيِّ الرفاعِ القديم، تشعرُ بمزيجٍ غريبٍ منَ الحريةِ والترقب. كانتْ تتجولُ في أرجاءِ الشقة، تلمسُ الأثاثَ البسيطَ، تشمُّ رائحةَ الياسمينِ العطرة، وتشعرُ بأنها أخيراً في مكانٍ لمْ تعدْ فيهِ تحتَ وطأةِ التوقعاتِ والضغوط.

تذكرتْ حديثَ "عبد الرحمن الغانم"، الرجلِ الذي دخلَ حياتها كطيفٍ، ولكنهُ تركَ فيها أثراً عميقاً منَ الطمأنينة. كانَ كلامهُ منطقياً، ووعدهُ بالأمانِ يبدو صادقاً. ولكنْ، رغمَ كلِّ هذا، بقيَ هناكَ شعورٌ خفيٌّ بالقلقِ يراودها. لماذا اختارها هيَ بالتحديد؟ وما هيَ طبيعةُ الأطرافِ الأخرى التي ذكرها؟

في المساءِ، قررتْ "نور" أنْ تتصلَ بوالدتها، لتطمئنها. ولكنْ، بعدَ تفكيرٍ عميق، عدلتْ عنْ رأيها. كيفَ لها أنْ تشرحَ لها كلَّ شيء؟ هل ستفهمُ؟ أمْ ستزيدُ مخاوفها؟ قررتْ أنْ تنتظرَ حتى تتأكدَ منْ كلِّ شيء.

في اليومِ التالي، خرجتْ "نور" لتشتريَ بعضَ الاحتياجات. كانَ السوقُ القديمُ نابضاً بالحياة، يعجُّ بالباعةِ المتجولين، وبالمتسوقينَ الذينَ يتفاوضونَ على الأسعار. شعرتْ "نور" بالراحةِ في هذا الجوِّ الشعبيِّ الأصيل، وكأنها عادتْ إلى جذورها.

بينما كانتْ تتصفحُ قماشاً ملوناً في أحدِ المحلات، سمعتْ صوتاً مألوفاً يناديها: "نور! يا نور!" تجمدتْ في مكانها. هلْ سمعتْ صحيحاً؟ استدارتْ ببطء، ورأتْ "مهند" يقفُ أمامها، عيناهُ واسعتانِ منَ الدهشة، وجههُ شاحب.

"مهند؟ ما الذي تفعلُهُ هنا؟" سألتْ "نور" بصوتٍ مرتجف، وقلبها يخفقُ بعنف. "ماذا أفعلُ هنا؟ بلْ أنتِ، ما الذي تفعلينَهُ هنا؟" قالَ "مهند"، ونبرةُ الغضبِ بدأتْ تظهرُ في صوته. "سمعتُ أنكِ اختفيتِ. حاولتُ الاتصالَ بكِ، ولكنْ لا رد. ظننتُ أنَّ شيئاً قدْ حدثَ لكِ."

"لقدْ كنتُ مشغولةً." أجابتْ "نور" باقتضاب، وهيَ تحاولُ جمعَ أفكارها. "مشغولة؟ مشغولةٌ في هذا المكانِ الغريب؟ ألا تعلمينَ أنَّ عائلتكِ قلقةٌ جداً عليكِ؟ والدكِ أرسلَ فرقَ بحثٍ عنكِ!" قالَ "مهند"، وعيناهُ تحدقانِ فيها بحدة.

شعرتْ "نور" بالذنبِ لتقصيرها في إبلاغِ عائلتها. ولكنْ، كيفَ لها أنْ تشرحَ لهُ حقيقةَ ما حدث، وكيفَ هربتْ منْ ماضٍ أرادَ لها أنْ يكونَ لهُ؟

"لا تقلق، أنا بخير. ولكنْ، أموري لمْ تعدْ كما كانت." قالتْ "نور"، وهيَ تتجنبُ النظرَ في عينيه. "ماذا تعنينَ بأموركِ لمْ تعدْ كما كانت؟ هلْ هناكَ رجلٌ آخر؟ هلْ أنتِ معَ شخصٍ آخر؟" سألَ "مهند"، ونبرةُ الشكِّ والغضبِ تسيطرُ على صوته.

"لا، الأمرُ ليسَ كذلك." قالتْ "نور"، ولكنْ، شعرتْ بأنها لمْ تستطعْ إقناعه. "فقطْ، لقدْ اكتشفتُ أموراً كثيرة، أموراً تتعلقُ بمنْ حولي، وبمستقبلي."

"أمورٌ تتعلقُ بالزواجِ الذي كانَ مقرراً؟" قالَ "مهند"، وعيناهُ تلمعانِ بالغضب. "أنا أعرفُ أنَّ عائلتكِ ضغطتْ عليكِ. ولكنْ، هلْ ستسمحينَ لهمْ بتدميرِ حياتكِ؟" "إنها حياتي، يا مهند. وقراراتي تعني لي. لقدْ اتخذتُ قراراتٍ خاصةً بي." قالتْ "نور"، وهيَ تشعرُ بأنها بدأتْ تفقدُ أعصابها.

"قرارات؟ وهلْ يعني هذا القرارُ أنْ تهربي هكذا، وأنْ تختفي؟" سألَ "مهند"، موجهاً حديثه بصوتٍ عالٍ، مما لفتَ انتباهَ بعضِ المتسوقين. "لا ترفعْ صوتكَ، يا مهند. نحنُ في مكانٍ عام." قالتْ "نور"، وقدْ بدأَ الخوفُ يتسللُ إلى قلبها. لمْ تكنْ تتوقعُ أنْ تلتقي بـ "مهند" بهذا الشكل، وفي هذا المكان.

"ولماذا لا أرفعُ صوتي؟ هلْ أنتِ تخافينَ مني؟ أمْ تخافينَ منْ أنْ يعرفَ الناسُ ما تفعلينه؟" قالَ "مهند"، واقتربَ منها بخطواتٍ غاضبة. "أنا لا أخافُ منكَ، ولا منْ أحد. ولكنْ، أنا لا أريدُ أنْ أخلقَ مشكلةً." قالتْ "نور"، وهيَ تحاولُ التراجع.

"مشكلة؟ هلْ أنتِ تعتقدينَ أنَّ هذا ليسَ مشكلة؟ لقدْ دمرتِ كلَّ شيء! كلَّ خططنا، كلَّ أحلامنا

شارك هذا الفصل:

เว็บไซต์นี้ใช้คุกกี้

เราใช้คุกกี้เพื่อปรับปรุงประสบการณ์การอ่านนิยายของคุณ วิเคราะห์การเข้าชม และแสดงโฆษณาที่เกี่ยวข้อง รายได้จากโฆษณาช่วยให้เราให้บริการอ่านนิยายฟรีต่อไปได้ อ่านรายละเอียดเพิ่มเติมที่ นโยบายความเป็นส่วนตัว

ตะกร้า eBook

ตะกร้าว่างเปล่า

เพิ่ม eBook ลงตะกร้าเพื่อรับส่วนลดพิเศษ

ส่วนลด Bundle

ซื้อ 3-4 เล่มลด 10%
ซื้อ 5-9 เล่มลด 15%
ซื้อ 10+ เล่มลด 20%