زواج بالقدر
ظلال الشوق وقيود العادات
بقلم سارة العمري
جلست ليلى في غرفتها، تتأمل انعكاس وجهها الباهت في المرآة. لم تعد تلك الفتاة التي تلهو بضحكات الأطفال وابتساماتها البريئة. لقد أثقلت الأيام بعبء لم تكن تتوقعه، وأضفت على روحها غيومًا لم تكن في الحسبان. كان شبح "أبي الوليد" يخيّم على كل لحظة، يلقي بظلاله على أحلامها ويقيد حريتها. لم يكن الأمر مجرد زواج تقليدي، بل كان صفقة، صفقة لا تراعي مشاعرها ولا تحترم رغباتها. كانت تشعر وكأنها سلعة تُباع وتُشترى، ورغم محاولاتها المستميتة للتظاهر بالقوة، كانت هشاشتها تتجلى في كل زاوية من زوايا روحها.
كانت والدتها، السيدة فاطمة، قد حاولت مراراً أن تطمئنها، لكن كلماتها كانت تخترق حاجز الصمت الذي فرضته ليلى على نفسها. "يا ابنتي، هذه قسمتك، وهذا قدرك. على المرأة أن تصبر وتتحمل، ففي الصبر مفتاح الفرج." كانت هذه الكلمات، التي تحمل في طياتها إرثاً عريقاً من الصبر والتضحية، تزيد من شعور ليلى بالعجز. كانت تعرف أن والدتها تسعى لخلاصها، لكنها لم تدرك أن الطريق الذي رسمته لها لم يكن يمر عبر سعادتها الحقيقية.
في المقابل، كان "أبي الوليد" يتمتع بشخصية مركبة. في الظاهر، كان رجلاً ذا هيبة ومكانة، يحترمه الناس ويخشاه. لكن خلف تلك الواجهة المصقولة، كانت تكمن نزعات لم تعد تخفى على ليلى. كان لديه نزعة للتملك، ورغبة ملحة في السيطرة. لم يكن يرى في ليلى سوى قطعة فنية ثمينة تزيّن صالة قصره، أو زوجة تعكس مكانته الاجتماعية. كانت نظراته تحمل خليطاً من الإعجاب والامتلاك، وكان حديثه يتسم بنبرة تأمرية أحياناً، تثير فيها القلق والريبة.
في إحدى الأمسيات، بينما كانت الشمس تغرب مخلفة وراءها سماءً ملتهبة، طلبت والدة ليلى منها أن ترافقها لزيارة جدتها المريضة. كانت هذه فرصة نادرة لليلى للهروب من جدران المنزل وقضاء بعض الوقت في أجواء مختلفة. في الطريق، وبينما كانت السيارة تشق طريقها بين أزقة المدينة القديمة، التي تفوح منها رائحة البخور والياسمين، تحدثت السيدة فاطمة بهدوء: "يا ابنتي، أعلم أن قلبك لم يطمئن لهذا الزواج، ولكن فكري بعقلانية. إن 'أبي الوليد' رجل ذو نفوذ، وسيؤمن لكِ مستقبلاً كريماً. أمواله ستوفر لكِ حياة رخاء، وأنتِ تستحقين الأفضل."
تنهدت ليلى وقالت بصوت خافت: "يا أمي، إن الرخاء لا يشتري السعادة. أنا لا أريد المال، أريد قلباً يحبني، وعيناً ترى ما هو أعمق من المظاهر. هل تعتقدين أن 'أبي الوليد' يمكن أن يحبني؟"
نظرت إليها والدتها بحنان ممزوج بالحزن: "الحب يأتي مع الوقت والتعود، يا ليلى. ثم إن الحب ليس كل شيء في الزواج. الاحترام، والتفاهم، والتقدير، هذه أمور أهم. ثم إن 'أبي الوليد' رجل صالح، يخشى الله، وهذا هو الأهم. وأنا أضمن لكِ أنه سيحافظ عليكِ."
كانت كلمات والدتها كالملح على الجرح. كانت تعرف أن والدتها تحاول جاهدة أن تجد لها مخرجاً، لكنها كانت تشعر بأنها محاصرة. لم تستطع أن تشرح لوالدتها حجم الفراغ الذي شعرت به. لم يكن الأمر يتعلق بالمال أو المكانة، بل كان يتعلق بروح تتوق إلى الحرية، ونفس تشتهي الشريك الذي يشاركها أحلامها ويحتضن آلامها.
عندما وصلت ليلى إلى منزل جدتها، وجدت في استقبالها نساء العائلة، يحتفون بها ويحتفلن بقدومها. كانت الجدة، سيدة عجوز أشرقت وجهها بالتجاعيد، تنظر إليها بعينين تقدير وشفقة. "ما أجملك يا ليلى! كأنكِ القمر ليلة البدر. ولكن، ما هذا الشحوب الذي يعتري وجهك؟ هل ثقيل عليكِ الأمر؟"
حاولت ليلى أن ترسم ابتسامة على وجهها: "لا يا جدتي، كل ما في الأمر أني متعبة قليلاً. الأيام ثقيلة."
جلست بجوارها، وهمست الجدة في أذنها: "يا ابنتي، الزواج مسؤولية، ولكن لا تجعلي مسؤوليتكِ تطغى على سعادتكِ. تذكري دائماً أن قلبكِ هو مرآة روحكِ. إذا لم يكن مرتاحاً، فاجتهدي في البحث عن راحته."
كانت كلمات جدتها كنسمة باردة تخفف من حرارة قلقها. لكنها لم تكن تدرك أن مشكلتها لم تكن مجرد عدم ارتياح، بل كانت تتعلق بشيء أعمق، بشيء يتعلق بشخص آخر، بشيء لا علاقة له بالمال أو المكانة. كان الأمر يتعلق بما كانت تبحث عنه في "أبي الوليد"، وما كانت تخشى أن تجده فيه.
في تلك الليلة، وبينما كانت ليلى تنظر إلى النجوم من نافذة غرفتها، تذكرت أمراً لم تتذكره من قبل. تذكرت حديثاً دار بين والديها في وقت سابق، حديثاً لم تفهمه جيداً حينها، لكنه الآن بدأ يأخذ أبعاداً مختلفة. كانتا تتحدثان عن "ديون قديمة" و"التزامات عائلية". تساءلت في نفسها: هل لهذا الزواج علاقة بهذه الديون؟ هل كانت مجبرة على هذا الأمر لأسباب تتجاوز رغباتها؟
فجأة، رن هاتفها. كان رقماً غريباً. ترددت قليلاً ثم أجابت. صوت خشن، رجولي، وفيه شيء من الشوق المستتر، قال: "ليلى؟ أنا 'أبو الوليد'."
تجمدت ليلى في مكانها. لم تكن تتوقع مكالمته. "نعم، تفضل."
"كنت أفكر فيكِ. أتمنى أن لا أكون قد أزعجتكِ. هل أنتِ مستعدة للقائنا غداً؟ أريد أن أتحدث معكِ في بعض الأمور المتعلقة بمستقبلنا."
كان صوته يحمل نبرة ثقة بالنفس، ونبرة تدل على أنه اعتاد أن يُجاب طلبه. "غداً؟" تساءلت ليلى. "في أي وقت؟"
"في المساء، بعد صلاة العشاء. سآتي إلى منزلكم. جهزي نفسكِ."
كانت كلماته تبدو وكأنها أمر. شعرت ليلى بضيق في صدرها. كانت تعرف أن هذا اللقاء سيكون مصيرياً، وأنه قد يحمل معها أخباراً جديدة، أو ربما يؤكد لها مخاوفها. أغلقت الهاتف، وشعرت بأنها أصبحت أشد عزلة. ظلال الشوق لم تكن تلحق بها فقط، بل كانت قيود العادات تشتد حول عنقها، وتكاد تخنقها. لقد بدأت رحلة لم تتخيل نهايتها، رحلة قد تقودها إلى عالم لم تعرفه، أو إلى واقع لم تكن مستعدة له.