الفصل 6 / 25

زواج بالقدر

اعترافات تحت ضوء القمر

بقلم سارة العمري

في صباح اليوم التالي، استيقظت ليلى على صوت زقزقة العصافير، لكن قلبها لم يستطع أن يشاركها فرحة الصباح. كان النوم قد فارقها في ساعة متأخرة، تاركاً إياها مع أفكار متسابقة ومشاعر مضطربة. جلست على حافة السرير، تتأمل خيوط الشمس الذهبية التي تتسلل عبر ستائر الغرفة، كأنها تحاول أن تنثر بعض الأمل في الظلام الذي استقر في روحها. تذكرت مكالمة "أبي الوليد" بالأمس، تلك المكالمة التي زادت من شعورها بالضيق. كانت تعلم أن اللقاء القادم سيحمل معه مزيداً من الأسئلة، وربما مزيداً من الإجابات التي لا ترغب في سماعها.

قامت من سريرها، وتوضأت، وأدت صلاتها. كانت الصلوات دائماً ملجأها، حيث تجد فيها الطمأنينة والسكينة. رفعت يديها إلى السماء، ودعت الله أن يمنحها القوة والحكمة، وأن ييسر لها أمرها، وأن يهديها إلى الطريق الصحيح. بينما كانت تناجي ربها، شعرت بشيء من الارتياح، كأن غيمة سوداء قد بدأت تنجلي عن سماء قلبها.

بعد الإفطار، وبينما كانت تساعد والدتها في ترتيب المنزل، جلست السيدة فاطمة بجوارها، وقالت بحنان: "ما بكِ يا ليلى؟ تبدين شاردة الذهن منذ الأمس."

تنفست ليلى بعمق، وقررت أن تشارك والدتها ما يدور في خاطرها. "يا أمي، أخاف من هذا الزواج. لا أشعر بالراحة تجاه 'أبي الوليد'. أشعر أنه يريدني لمجرد أن أتزوجه، لا لأنه يحبني أو يراني شريكة حياته."

نظرت إليها والدتها بعينين فيهما حكمة السنين، وقالت: "يا ابنتي، في هذه الحياة، ليس كل ما نتمناه يتحقق، وليس كل ما يحدث لنا يكون على هوى قلوبنا. لكن علينا أن نؤمن بأن الله يختار لنا الخير، حتى لو بدا لنا في الظاهر خلاف ذلك. 'أبو الوليد' رجل معروف بالشهامة والكرم، وأنا أثق بأنه سيصونكِ ويحفظكِ."

"ولكن يا أمي، هل يمكن أن يكون الرجل شهماً وكريماً، ومع ذلك لا يحب زوجته؟ هل يمكن أن يبني بيتاً على أساس الواجب لا الحب؟"

ابتسمت والدتها ابتسامة باهتة، وقالت: "يا ليلى، الحب يتطور. في البداية، قد لا يكون هناك حب جارف، لكن مع العشرة، والتفاهم، والتقدير، قد ينمو الحب ويتجذر. ثم إن الزواج ليس قصة رومانسية خيالية، بل هو شراكة حياتية، تقوم على أسس أقوى من مجرد المشاعر العابرة. الاحترام، والمسؤولية، والوفاء، هذه هي الدعائم الحقيقية لبيت سعيد."

كانت والدتها تحاول أن تقنعها، ولكن ليلى كانت تشعر بأن شيئاً ما ما زال مفقوداً. كانت تبحث عن تلك الشرارة، عن تلك اللهفة التي تجعل القلب ينبض بالسعادة.

وفي المساء، بدأت ليلى تشعر بتوتر متزايد. اختارت فستاناً بسيطاً، لكن أنيقاً، وعطراً خفيفاً، ورتبت شعرها بعناية. بينما كانت تنظر إلى نفسها في المرآة، سمعت صوت طرق خفيف على الباب. كانت والدتها.

"أتيت لأطمئن عليكِ، يا ابنتي. أريد أن تعرفي أنني معكِ. وإذا كان هناك أي شيء يزعجكِ، فلا تترددي في إخباري."

ابتسمت ليلى ابتسامة حقيقية هذه المرة، واحتضنت والدتها. "شكراً لكِ يا أمي. دعواتكِ تكفيني."

عندما وصل "أبو الوليد"، كان المنزل يعج بالحركة. استقبله والدها بحفاوة، ودعاه إلى غرفة المعيشة. جلست ليلى إلى جانب والدتها، وارتسمت على وجهها ابتسامة هادئة، تخفي وراءها الكثير من القلق.

بدأ "أبو الوليد" الحديث بعبارات مهذبة، يسأل عن حال العائلة، ويشكرهم على حسن الاستقبال. ثم وجه كلامه إلى ليلى مباشرة، بابتسامة جعلت وجهه يبدو أقل صرامة. "ليلى، كنت أرغب في التحدث معكِ على انفراد قليلاً، لأتأكد من أن كل شيء على ما يرام بيننا، وأنكِ مرتاحة لهذا القرار."

أومأت ليلى برأسها، وشعرت بأن قلبها بدأ يخفق بقوة. "أنا أستمع، سيدي."

"اسم عائلتكِ 'اليوسف'؟" سأل فجأة، بطريقة لم تفهم ليلى سببها.

"نعم، سيدي."

"أتذكر أنني التقيت بوالدكِ قبل سنوات طويلة، في مناسبة اجتماعية. كان رجلاً طيباً، ورأيت فيه كرم الأخلاق."

شعرت ليلى بأن الحديث يتجه نحو مسار غريب. "نعم، والدي رجل فاضل."

"هل والدكِ... هل كان مديوناً؟" سأل "أبو الوليد" بهدوء، ولكن بنبرة تحمل ثقلاً كبيراً.

اتسعت عينا ليلى، وشعرت بأن شيئاً ما قد انكشف. نظرت إلى والدتها التي بدت عليها علامات المفاجأة وعدم الارتياح. "نعم، كان والدي يواجه بعض الصعوبات المادية في أواخر أيامه."

"لهذا السبب،" تابع "أبو الوليد" بصوت هادئ، "عندما طلب مني والدكِ، قبل وفاته، أن أعتني بكِ وبوالدتكِ، وأن أضمن لكِ حياة كريمة، وافقت على الفور. لم يكن الأمر متعلقاً بالحب في تلك اللحظة، بل كان وعداً قطعته لصديق عزيز، والتزاماً أخلاقياً."

كانت كلمات "أبي الوليد" بمثابة صاعقة لليلى. لم تتخيل أبداً أن زواجها لم يكن مجرد قرار عائلي، بل كان وعداً، وديناً قديماً. شعرت بأن كل الآمال التي كانت تعلقها على إمكانية الحب قد تبخرت.

"إذاً... أنت لم تكن تحبني؟" سألت ليلى بصوت مرتجف، لم تستطع إخفاء مرارته.

ابتسم "أبو الوليد" ابتسامة غامضة. "الحب يا ليلى، أمر معقد. في البداية، كان الأمر التزاماً. ولكن، منذ أن رأيتكِ، وشعرت بشخصيتكِ الهادئة، وروحكِ الطيبة، بدأت أشعر بشيء مختلف. لم أكن أعرف ما هو، لكنني كنت أعرف أنني أريد أن أكون جزءاً من حياتكِ. ربما كان هذا بداية الحب، أو ربما كان إعجاباً بشيء فيكِ جعلني أرغب في الاقتراب. لم أكن متأكداً، وربما ما زلت غير متأكد. ولكنني أردت أن أصارحكِ. أردت أن تعرفي أن البداية كانت واجباً، ولكن الآن، هناك شيء أعمق."

تحدثت ليلى بصوت أشبه بالهمس: "ولكن، إذا كان الأمر مجرد واجب، فكيف لي أن أثق بك؟ كيف لي أن أفتح قلبي لرجل بدأ علاقتنا بوعد، لا بحب؟"

"الثقة تُبنى يا ليلى، لا تُهدى. وأنا على استعداد لأن أبذل كل ما في وسعي لأكسب ثقتكِ. أريد أن نبني معاً بيتاً يسوده الاحترام، والتفاهم، ثم، ربما، الحب."

نظرت ليلى إلى "أبي الوليد"، وهي تشعر بمزيج من الغضب، والأسف، والقليل من الأمل. كانت كلماته صادقة، لكنها لم تمحِ الألم الذي شعرت به. لقد انكشف أمامها سر كبير، سر جعل من علاقتها به أمراً معقداً، وألزمها بأن تواجه واقعاً لم تكن مستعدة له. كان الأمر يتجاوز مجرد "زواج بالقدر"، بل كان يتعلق بإرث من الوعود، وبمحاولة لبناء مستقبل على أساس لم يكن بالحب وحده.

شارك هذا الفصل:

เว็บไซต์นี้ใช้คุกกี้

เราใช้คุกกี้เพื่อปรับปรุงประสบการณ์การอ่านนิยายของคุณ วิเคราะห์การเข้าชม และแสดงโฆษณาที่เกี่ยวข้อง รายได้จากโฆษณาช่วยให้เราให้บริการอ่านนิยายฟรีต่อไปได้ อ่านรายละเอียดเพิ่มเติมที่ นโยบายความเป็นส่วนตัว

ตะกร้า eBook

ตะกร้าว่างเปล่า

เพิ่ม eBook ลงตะกร้าเพื่อรับส่วนลดพิเศษ

ส่วนลด Bundle

ซื้อ 3-4 เล่มลด 10%
ซื้อ 5-9 เล่มลด 15%
ซื้อ 10+ เล่มลด 20%