الفصل 7 / 25

زواج بالقدر

عواصف الماضي ورياح الحاضر

بقلم سارة العمري

بعد تلك الليلة، شعرت ليلى بأن الجدران المحيطة بها قد أصبحت أكثر سمكاً. لم يعد الأمر مجرد زواج تقليدي، بل كان ديناً، وعداً، ومحاولة لبناء مستقبل على أرض لم تكن بالكامل ملكاً لها. كانت كلمات "أبي الوليد" تتردد في أذنيها، مزيجاً من الاعتراف بالواجب والرغبة في الحب. شعرت بأنها في مفترق طرق، وأن عليها أن تختار بين الرضوخ للقدر، أو البحث عن مخرج، مهما كان صعباً.

في الأيام التالية، زادت زيارات "أبي الوليد" للمنزل. كان حريصاً على إظهار احترامه لوالدها، وتقديره لوالدتها. كان يحضر لها الهدايا، يتحدث معها بلطف، ويستمع إلى آرائها. لكن ليلى كانت تشعر بأنها تراقب مسرحية، وأنها تؤدي دوراً لم تختاره. لم تستطع أن تنسى البداية، ذلك الوعد الذي قطعه والدها، وذلك الالتزام الذي جعله يرتبط بها.

كانت والدتها، السيدة فاطمة، تشعر بسعادة غامرة لرؤية هذا التغير في سلوك "أبي الوليد". كانت ترى فيه الرجل المناسب لابنتها، الرجل الذي سيؤمن لها مستقبلاً آمناً وكريماً. "انظري يا ليلى، لقد تغير. بدأ يشعر بكِ، وبدأ يقدركِ. هذا هو الحب يا ابنتي، يبدأ خطوة خطوة."

لكن ليلى كانت تشعر بأن والدتها لا تدرك عمق مشكلتها. لم يكن الأمر يتعلق بعدم تقدير "أبي الوليد" لها، بل كان يتعلق ببداية العلاقة، وبشعورها بأنها مجبرة على التظاهر بالسعادة.

في إحدى الأمسيات، بينما كانت ليلى جالسة في غرفتها، تنظر إلى صور قديمة لوالدها، شعرت بوخزة ألم في قلبها. تذكرت وجهه البشوش، وضحكته العالية. تساءلت في نفسها: هل فعل والدي كل هذا ليحميني؟ أم أنه وضعني في ورطة لم أكن لأقع فيها؟

فجأة، وصلها اتصال من رقم غريب. ترددت قليلاً، ثم أجابت. صوت نسائي، ناعم، ودافئ، قال: "ليلى؟ أنا 'نور'، صديقة 'أبي الوليد' منذ الطفولة."

تجمدت ليلى. لم تتوقع اتصالاً كهذا. "أهلاً بكِ يا 'نور'. كيف عرفتِ رقمي؟"

"لقد تحدث 'أبو الوليد' عنكِ كثيراً. وأنا سعيدة بأن أتعرف عليكِ. لقد قال إنكِ فتاة رائعة، وأنه سعيد بهذا الزواج."

شعرت ليلى بشيء من الارتباك. هل حقاً كان "أبو الوليد" يتحدث عنها بهذه الإيجابية؟ "شكراً لكِ. أنا أيضاً سعيدة بالتحدث معكِ."

"اسمعي يا ليلى،" قالت 'نور' بصوت خفيض، "أنا أعرف 'أبا الوليد' منذ زمن طويل. لقد مر بالكثير في حياته، وقد تكون لديه بعض الأسرار. ولكنني أثق بقلبه الطيب. هو رجل نبيل، وإن كانت لديه نزعة للتملك أحياناً."

"نزعة للتملك؟" سألت ليلى، وشعرت بأن القلق يتزايد في قلبها.

"نعم. هو يحب أن يسيطر على الأمور. ولكن هذا يأتي من خوفه على من يحب. أعتقد أنه يريد فقط حمايتكِ، وتأمين مستقبلكِ."

"لكن... هل كان يعلم والدي بدين؟" سألت ليلى، ولم تستطع كبح جماح فضولها.

صمتت 'نور' قليلاً، ثم قالت: "نعم، كان والدهما صديقين مقربين. وقد مر 'أبو الوليد' بضائقة مالية كبيرة في شبابه، بعد وفاة والده. وكان يدين بالكثير. ربما لهذا السبب، كان اهتمامه بوالدكِ، ووعده لكِ، أمراً مهماً بالنسبة له. لقد كان يحاول أن يسدد ديناً، ليس فقط مالياً، بل ديناً أخلاقياً أيضاً."

أدركت ليلى حينها أن الأمور أعمق مما كانت تتصور. لم يكن الأمر مجرد زواج، بل كان مسألة ديون عائلية، والتزامات أخلاقية. شعرت بأنها أصبحت جزءاً من قصة أكبر، قصة بدأت قبل ولادتها، وستستمر بعد رحيلها.

"شكراً لكِ يا 'نور'. لقد أوضحتِ لي الكثير."

"على الرحب والسعة يا ليلى. وأنا سعيدة جداً لأننا سنتعرف على بعضنا البعض بشكل أفضل. ربما يمكننا اللقاء قريباً، لتشربين معي فنجان قهوة؟"

"بالتأكيد، يسعدني ذلك."

بعد أن أغلقت ليلى الهاتف، شعرت بأنها أصبحت أكثر استعداداً لمواجهة المستقبل. لقد انكشفت لها بعض خيوط الماضي، وبدأت ترى الصورة بشكل أوضح. لم تعد ترى في "أبي الوليد" مجرد رجل ثري، بل رجلاً يحمل في قلبه تاريخاً معقداً، وتجارب صعبة.

وفي المساء، وبينما كانت ليلى تستعد لزيارة والدتها، طرق الباب. كانت والدتها هي. جلست بجوارها، وقالت بحزن: "ليلى، أردت أن أخبركِ بشيء. في الحقيقة، لم أخبركِ بكل التفاصيل حول والدكِ. لقد كان مديوناً بالفعل، وكان 'أبو الوليد' قد ساعده في تسديد جزء من ديونه قبل وفاته. وعندما طلبت منكِ الزواج، كان لديه اعتقاد بأن هذا هو الحل الوحيد لمشاكلنا المالية. ولكنني كنت أرفض الأمر، لأنني لم أرغب في تزويجكِ لمنزل غير سعيد. لكن 'أبو الوليد' كان وفياً لوعده، وأصر على مساعدتنا، حتى لو لم يكن الزواج. ومع ذلك، عندما رأى إصراركِ على عدم الموافقة، فقد أعطى وعده لوالدكِ أهمية قصوى."

نظرت ليلى إلى والدتها، وقالت بصدق: "يا أمي، أنا لا ألوم أحداً. ولكنني أريد أن أكون سعيدة. أريد أن أتزوج من رجل أحبه، وأن يبادلني الحب. هل تعتقدين أن هذا ممكن مع 'أبي الوليد'؟"

تنهدت والدتها وقالت: "الحياة يا ليلى، لا تسير دائماً كما نتمنى. ولكن، أحياناً، يأتي الحب بعد الزواج. وأنا أرى في 'أبي الوليد' رجلاً يمكن أن يكون زوجاً صالحاً، وأباً حنوناً. ربما عليكِ أن تعطيه فرصة. وأن تعطيه أنتِ نفسكِ فرصة."

شعرت ليلى بأن عواصف الماضي بدأت تهدأ، وأن رياح الحاضر بدأت تحمل معها شيئاً من الأمل. لقد فهمت دوافع الجميع، وبدأت ترى الأمور من زاوية مختلفة. ربما لم يكن الزواج مجرد قدر، بل كان فرصة لبناء مستقبل جديد، مستقبل قد يحمل في طياته الحب، وإن جاء متأخراً.

شارك هذا الفصل:

เว็บไซต์นี้ใช้คุกกี้

เราใช้คุกกี้เพื่อปรับปรุงประสบการณ์การอ่านนิยายของคุณ วิเคราะห์การเข้าชม และแสดงโฆษณาที่เกี่ยวข้อง รายได้จากโฆษณาช่วยให้เราให้บริการอ่านนิยายฟรีต่อไปได้ อ่านรายละเอียดเพิ่มเติมที่ นโยบายความเป็นส่วนตัว

ตะกร้า eBook

ตะกร้าว่างเปล่า

เพิ่ม eBook ลงตะกร้าเพื่อรับส่วนลดพิเศษ

ส่วนลด Bundle

ซื้อ 3-4 เล่มลด 10%
ซื้อ 5-9 เล่มลด 15%
ซื้อ 10+ เล่มลด 20%