الفصل 1 / 25

حب في الصحراء

رماد الشوق وصيحة الريح

بقلم مريم الحسن

كانت الشمس تتوارى خلف كثبان الرمال الذهبية، مرسلةً أشعتها الأخيرة كسهمٍ حارقٍ يعبر الأفق، لتلقي بظلالٍ طويلةٍ موحشةٍ على امتداد الصحراء الشاسع. هبت رياحٌ قويةٌ، تحمل معها غبار السنين وذكرياتٍ لا تُعد، تتراقص معها خصلات شعر "ليلى" السوداء، وكأنها تضاريمٌ على وجهِ الزمان. جلستْ على صخرةٍ عتيقةٍ، يلتفُّ حولها بردٌ خفيفٌ، لكنَّ برودةً أعمق كانت تستقرُّ في قلبها، بردٌ لم تُسببهُ تقلباتُ الطقس، بل أغوارُ الروحِ الغارقةِ في بحرٍ من الانتظار.

"ليلى"، ابنةُ الشيخِ "سليمان"، لم تكن فتاةً عاديةً في مجتمعِ الواحةِ الهادئ، الذي اعتادَ نساءهُ حياةً رتيبةً، تسيرُ فيها الأيامُ على وتيرةٍ واحدةٍ، تتخللها أفراحُ الزواجِ وولادةُ الأطفال، وتُختتمُ بسترِ الأرضِ لأجسادِ الراحلين. كانت "ليلى" تتميزُ بحدةِ الذكاء، وشغفٍ بالمعرفةِ لا يُسدُّ، وعينينِ سوداوينِ واسعتينِ تلمعانِ ببريقٍ لا تملكُه إلا روحٌ تجاهدُ لتجاوزَ حدودَ المألوف. كانت تقضي ساعاتٍ طوالٍ في مكتبةِ والدها، الذي كانَ من كبارِ التجارِ والأعيانِ في المنطقة، تنغمسُ في قراءةِ الكتبِ القديمة، من شعرٍ جاهليٍّ إلى دواوينِ فلاسفةٍ قدماء، تتغذى على عصارةِ الفكرِ الإنساني، متطلعةً إلى عالمٍ أوسعَ من حدودِ الواحةِ وصحراءِ الرمال.

كانت الشمسُ قد أوشكتْ على الغيابِ تمامًا، تاركةً السماءَ بلونِ الارجوانِ الغامق، تزينتْ بالنجومِ الأولى المتلألئة. سمعتْ صوتَ خطواتٍ تقترب، رفعتْ رأسها لتجدَ خادمَ والدها، "سالم"، يقفُ أمامها بوقار، وجههُ يعكسُ هيبةَ السنينِ وخبرةَ الحياة.

"يا سيدتي ليلى، الشيخُ سليمان يطلبُكِ في مجلسهِ. لقد وصلَ الضيوف." قال "سالم" بصوتٍ خفيضٍ، فيهِ مزيجٌ من الاحترامِ والتقدير.

نهضتْ "ليلى" وهي تشعرُ بخفقانٍ سريعٍ في قلبها. كانت تعلمُ أنَّ وصولَ الضيوفِ في هذا الوقتِ يعني شيئًا هامًا. في مجتمعهم، لم يكنْ استضافةُ الغرباءِ رفاهيةً، بل كانتْ عادةً تحملُ غالبًا أخبارًا ذاتَ شأن، أو صفقاتٍ تجاريةً كبرى، أو ربما... خطوبات.

تلمستْ خمارها بعصبيةٍ خفيفة، ثمَّ سارتْ بخطواتٍ واثقةٍ نحو قصرِ والدها الفخم، الذي كانَ يمثلُ قلبَ الواحةِ النابض. كانَ القصرُ قديمًا، مبنيًا من الطينِ والحجارةِ الأصيلة، لكنهُ كانَ يعكسُ ثراءَ سُكّانهِ وكرمَهم. تفوحُ منهُ رائحةُ البخورِ والقهوةِ العربيةِ الأصيلة، وصدى أصواتٍ متفرقةٍ تتداخلُ بينَ الضحكاتِ الخافتةِ والأحاديثِ الجادة.

دخلتْ "ليلى" إلى المجلسِ الكبير، حيثُ اجتمعَ رجالُ الواحةِ الأعيان، وضيوفٌ لا تعرفهم. كانَ والدها، الشيخُ "سليمان"، جالسًا في صدرِ المجلس، بوجهه الهادئِ وعينيهِ الثاقبتين، كعادتهِ، يرحبُ بضيوفهِ بحفاوةٍ بالغة. كانَ ضيوفهُ ثلاثةَ رجال، يرتدون ملابسَ فاخرةً، وجوههم تعكسُ ملامحَ حضريةً مختلفةً عن ملامحِ أهلِ الواحة.

"أهلاً وسهلاً بكِ يا ابنتي." قالَ الشيخُ "سليمان" بابتسامةٍ دافئة، ثمَّ أشارَ إلى أحدِ الضيوف، رجلٍ يبدو في منتصفِ العمر، ذو لحيةٍ بيضاءَ كثيفةٍ ووقارٍ لافت. "هذا عميدُ عائلةِ آلِ "فارس"، الشيخُ "عبد الرحمن"، ونجلاهُ "خالد" و"مشعل"."

نهضتْ "ليلى" وقدمتْ التحيةَ بكلِّ احترام، ثمَّ جلستْ في المكانِ الذي أعدَّ لها. كانتْ عيناها تلتقطانِ تفاصيلَ الوجوهِ الجديدة. كانَ "خالد"، الابنُ الأكبر، شابًا يتميزُ بملامحَ حادةٍ وجسدٍ رياضي، وعينينِ داكنتينِ تحملانِ شيئًا من الغموض. أما "مشعل"، الابنُ الأصغر، فكانَ أكثرَ هدوءًا، بملامحَ ناعمةٍ وابتسامةٍ خجولة.

دارتْ الأحاديثُ بينَ الرجالِ حولَ التجارةِ والسياسةِ والصحةِ العامةِ للواحة. كانت "ليلى" تستمعُ بتركيز، محاولةً فكَّ شيفرةِ الزيارة. كانَ الشيخُ "عبد الرحمن" يتحدثُ بصوتٍ عميقٍ وموزون، ينبعثُ منهُ ثقلُ الخبرةِ والكلام.

بعدَ فترةٍ من الوقت، بدأَ الحديثُ يأخذُ منحىً أكثرَ حميمية. جلسَ الشيخُ "عبد الرحمن" مستقيمًا، ووجههُ يتجهُ نحو الشيخِ "سليمان".

"يا أخا سليمان، لقد جئنا اليومَ لطلبِ يدٍ كريمةٍ من كريمِ الأصل. إنَّ ابني "خالد" قد بلغَ سنَّ الرشد، وهوَ من خيرةِ شبابِنا، لهُ دينٌ وخلقٌ وعقلٌ راجح. وقد سمعنا عن ابنتكم "ليلى"، وعن عقلها النيرِ وحسنِ تربيتها. لذا، نرجو من اللهِ أنْ يكونَ هذا الزواجُ فيهِ خيرٌ وسعادةٌ لنا ولكم."

تجمدتْ "ليلى" في مكانها. لم تتوقعْ أبدًا أنْ تكونَ هذهِ هيَ سببُ الزيارة. كانَ قلبها يدقُّ بعنفٍ، كطائرٍ محبوسٍ في قفص. نظر إليها والدها، الشيخُ "سليمان"، بنظرةٍ تسألُ عن رأيها، رغمَ علمهِ بامتثالها.

"يا ابنتي ليلى، هل تسمعينَ ما يقولهُ أخونا عبد الرحمن؟" سألَ والدها بصوتٍ هادئ.

أومأتْ "ليلى" برأسها، وعجزتْ عن الكلام. كانتْ مشاعرُ متضاربةٌ تعصفُ بها. من ناحيةٍ، كانتْ سعيدةً بأنَّها قد نالتْ تقديرَ عائلةٍ مرموقةٍ مثلَ آلِ "فارس". ومن ناحيةٍ أخرى، كانتْ تشعرُ بخوفٍ غامضٍ تجاهَ هذا الزواجِ المفاجئ، الذي سيُغيرُ مسارَ حياتها تمامًا.

"إنَّ "خالدًا" شابٌّ طيبٌ، معروفٌ بأخلاقهِ الحميدةِ وأمانتهِ في عملهِ. ووالدهُ رجلٌ صاحبُ رأيٍ سديد. إنَّه زواجٌ مباركٌ بإذنِ الله." أضافَ الشيخُ "سليمان"، محاولًا طمأنةَ ابنتهِ.

لم يكنْ أمام "ليلى" إلا أنْ تتفهمَ أنَّ هذهِ هيَ مشيئةُ اللهِ وقدرُه. ابتسمتْ ابتسامةً باهتة، وقالتْ بصوتٍ متهدجٍ قليلاً: "موافقةٌ يا والدي، إنْ كانَ ذلكَ ما يرضيكم."

ابتسمَ الشيخُ "عبد الرحمن" ابتسامةً واسعة، وقالَ: "الحمدُ لله. مباركٌ علينا جميعًا."

بعدَ وقتٍ قصير، وبعدَ مراسمَ احتفاليةٍ بسيطةٍ، انتهتْ الزيارة. نهضَ الضيوفُ للرحيل، وتبادلتْ العائلتانِ الوعودَ بالاجتماعِ قريبًا لاستكمالِ التفاصيل.

بقيتْ "ليلى" في مجلسِ والدها، تراقبُ خروجَ الضيوفِ من نافذةٍ قريبة. كانَ الليلُ قد اشتدَّ، والنجومُ قد استوتْ في السماء. كانَ الهواءُ الباردُ يتسللُ إلى قلبها، يحملُ معه أسئلةً لا تجدُ لها إجابة. من هوَ "خالد" حقًا؟ وما هيَ حياتها القادمة؟ شعرتْ بأنَّ الرياحَ التي كانتْ تعصفُ في الخارج، قد بدأتْ تعصفُ بداخلها أيضًا، تحملُ معها رمادَ الشوقِ لشيءٍ لم تعرفه بعد، وصيحةَ الأملِ في مستقبلٍ قد يكونُ جميلًا، أو قد يكونُ مجردَ سرابٍ في صحراءِ الحياة.

شارك هذا الفصل:

เว็บไซต์นี้ใช้คุกกี้

เราใช้คุกกี้เพื่อปรับปรุงประสบการณ์การอ่านนิยายของคุณ วิเคราะห์การเข้าชม และแสดงโฆษณาที่เกี่ยวข้อง รายได้จากโฆษณาช่วยให้เราให้บริการอ่านนิยายฟรีต่อไปได้ อ่านรายละเอียดเพิ่มเติมที่ นโยบายความเป็นส่วนตัว

ตะกร้า eBook

ตะกร้าว่างเปล่า

เพิ่ม eBook ลงตะกร้าเพื่อรับส่วนลดพิเศษ

ส่วนลด Bundle

ซื้อ 3-4 เล่มลด 10%
ซื้อ 5-9 เล่มลด 15%
ซื้อ 10+ เล่มลด 20%