الفصل 11 / 25

حب في الصحراء

غيمةٌ في الأفق

بقلم مريم الحسن

كانت عينا فجر تائهتين في الأفق، تراقب الكثبان الرملية التي تتلألأ تحت أشعة الشمس الغاربة. لم تكن ترى في المشهد جماله المعتاد، بل كانت ترى انعكاسًا لما يدور في خيالها المضطرب. كلمات الرجل الذي أرسله سعيد بن منصور ما زالت تدوي في أذنيها: "وإذا رفضتِ، فقد تحدث أشياءٌ لا تتوقعينها."

لم تكن فجر من النوع الذي يخشى التهديدات بسهولة، لكن طبيعة هذا التهديد كانت مختلفة. لم تكن مجرد مشاجرةٍ بين شباب البادية، بل كانت مواجهةٌ مع رجلٍ قويٍ وذو نفوذ، رجلٍ لا يعرف الرحمة. كانت تشعر بالضعف في مواجهة هذا البغي، وبأن حبها لعامر قد أصبح في خطرٍ حقيقي.

في هذه الأثناء، كان عامر يبذل قصارى جهده لتأمين مستقبلٍ لائقٍ لفجر. كان يعمل ليلًا ونهارًا، يتاجر بالبضائع ويشتري ما يمكنه بيعه لاحقًا بسعرٍ أفضل. لكن الأموال التي يجمعها كانت بطيئة النمو، ولم تكن كافيةً لتشكل حصنًا منيعًا ضد طموحات سعيد بن منصور.

حاول عامر أن يتحدث إلى فجر، لكن لقاءاتهما أصبحت نادرةً ومليئةً بالحذر. كان عامر يرى التغيير في عينيها، تلك النظرات التي كانت تحمل السعادة والاطمئنان، أصبحت الآن تحمل قلقًا وخوفًا.

"يا فجر،" قال عامر ذات مساء، بينما كانا يجلسان في مكانٍ بعيدٍ عن الأعين، تحت ظل شجرةٍ وحيدةٍ تقاوم قسوة الصحراء، "ما الذي يحدث؟ أشعر بأن هناك شيئًا يخيفكِ. هل هناك ما أستطيع فعله؟"

نظرت إليه فجر بعينين دامعتين. أرادت أن تخبره بكل شيء، أن تحذره من سعيد بن منصور. لكنها خافت أن يندفع عامر ويفعل شيئًا قد يعرض حياته للخطر. "لا شيء يا عامر،" قالت بضعف. "ربما هو فقط… ضغط الأيام."

عبس عامر: "لا تصدقي هذا يا فجر. أنا أعرفكِ جيدًا. أنتِ لستِ من تتظاهر بالقوة وهي في داخلها تخشى. أخبريني، من فضلكِ."

بعد ترددٍ طويل، قررت فجر أن تخبر عامر بما حدث. روت له تفاصيل اللقاء مع رجل سعيد بن منصور، والتهديد الذي تعرضت له.

عندما سمع عامر ما قالته فجر، اشتعلت في عينيه شرارةٌ من الغضب. لم يكن هذا مجرد تنافسٍ على قلب فتاة، بل كان وقاحةً وتحديًا مباشرًا. "سعيد بن منصور؟" قال عامر بحدة. "هذا الرجل لا يعرف حدوده. سأذهب إليه وأكلمه بنفسي."

"لا يا عامر!" صرخت فجر بخوف. "لا تذهب إليه! أنت لا تعرف قوته. قد يؤذيك."

"وماذا تريدين مني أن أفعل؟ أن أقف مكتوف الأيدي بينما يحاول هذا الرجل أن يأخذكِ مني؟ لا يا فجر. لن أسمح بذلك."

أدركت فجر أن عامر لن يتراجع. شعرت بأن هناك غيمةً سوداء بدأت تتجمع فوق سماء حبهما، وأن هذا الصراع قد يكون أكبر مما يتوقعان.

في هذه الأثناء، كان سعيد بن منصور يراقب تحركات عامر وفجر عن كثب. كان رجاله يخبرونه بكل صغيرةٍ وكبيرة. عندما علم أن عامر قد تقدم بطلب يد فجر رسميًا، شعر بالغضب. لقد كان يتوقع أن تكون فجر تحت رحمته، وأن يوافق أهلها على عرضه السخي.

"هذا الشاب، عامر،" قال سعيد لرجاله، وهو يضرب بقبضته على طاولةٍ خشبيةٍ قوية، "يجب أن يتوقف. لم يسمع بكلامي، ولم يفهم ما أعنيه. أريد أن أتأكد أن هذا الزواج لن يتم. أحضروا لي كل المعلومات التي لديكم عن عائلته، وعن تجارته. أريد أن أجد شيئًا يستخدمه ضده."

بدأ رجال سعيد بن منصور يتجولون في السوق، يسألون عن عامر، عن تجارته، عن علاقته بالآخرين. كانوا يزرعون الشكوك، ويبحثون عن أي ثغرةٍ يمكن استغلالها.

في يومٍ من الأيام، التقى الشيخ عبد الله بالشيخ "أحمد"، وهو شيخٌ آخر من قبيلةٍ مجاورة، وكان صديقًا قديمًا لعائلة عامر.

"يا شيخ عبد الله،" قال الشيخ أحمد بقلق، "وصلتني أخبارٌ عن عامر. يقال إن سعيد بن منصور يحاول التدخل في زواجه من فجر. سعيد هذا رجلٌ لا يرحم، وقد تسبب في إفلاس الكثيرين."

"نعم يا شيخ أحمد،" أجاب الشيخ عبد الله بتنهيدة. "وقد أخبرني عامر بما حدث. إنه شابٌ طيبٌ، ولكنه يواجه خصمًا قويًا. فجر تحبه، وهي لن ترضى بسعيد بن منصور."

"هذا جيدٌ. ولكن، يجب أن نحذر. سعيد بن منصور يمكن أن يفعل أي شيءٍ لإلحاق الأذى بعامر. هل سمعتَ شيئًا عن سمعة عائلة عامر؟ هل هناك أي شيءٍ قد يستغله سعيد ضدهم؟"

تردد الشيخ عبد الله قليلاً. لقد كانت هناك قصةٌ قديمةٌ ترويها الأمهات بصوتٍ خفيض، قصةٌ عن جد عامر، الذي كان له سمعةٌ طيبةٌ في البداية، لكنه تورط في نزاعٍ مع قبيلةٍ أخرى، مما أثر على مكانة عائلته لفترةٍ طويلة.

"هناك قصةٌ قديمةٌ عن جده،" قال الشيخ عبد الله بحذر. "كانت هناك خصومةٌ بين عائلتهم وعائلة أخرى. لكن هذا حدث منذ زمنٍ بعيد، ولا أعتقد أن له علاقةٌ بالموضوع الآن."

"يجب أن نتأكد يا شيخ عبد الله. سعيد بن منصور لا يفوّت فرصة. قد يحاول إثارة النعرات القديمة لضرب عامر."

في هذه الأثناء، كانت فجر تشعر بأنها محاصرة. لم تعد قادرةً على النوم جيدًا، وكانت أحلامها مليئةً بالكوابيس. كانت ترى عامر وهو يتعرض للأذى، وترى سعيد بن منصور وهو يضحك.

جاءت والدتها سارة إليها وهي ترى حزنها العميق. "ما بالكِ يا ابنتي؟" سألت بحنان. "منذ أيامٍ وأنتِ على هذه الحال. هل هناك ما تقلقين بشأنه؟"

ترددت فجر. كانت تريد أن تشارك همها مع والدتها، لكنها كانت تخشى أن تزيد من قلقها. "لا شيء يا أمي،" قالت بضعف. "ربما هو فقط… تعب الأيام."

"التعلم لا يأتي بالراحة، يا ابنتي. إن كنتِ تفكرين في عامر، فاعلمي أن الرجال الصادقين يواجهون الصعاب بشجاعة. ولكن، عليهم أن يكونوا مستعدين. هذا العالم ليس ورديًا كما نعتقد."

نظرت فجر إلى والدتها، ورأت فيها قوةً وحكمةً لطالما اعتمدت عليهما. "يا أمي،" قالت أخيرًا، "لقد جاءني رجلٌ من عند سعيد بن منصور، وعرض عليّ الزواج منه. قال إن سعيدًا رجلٌ ثريٌ وسيجعلني ملكةً."

اتسعت عينا سارة بصدمة. "سعيد بن منصور؟ ولكن… ماذا قلتِ له؟"

"قلت له إني أحب عامر، ولن أتخلى عنه."

تنهدت سارة بعمق، وهي تشعر بثقل المسؤولية. "أنا أعلم أن قلبكِ مع عامر، يا ابنتي. ولكن، سعيد بن منصور ليس كرجلٍ عادي. إنه مثل الأفعى، يلسع في الظلام. يجب أن نكون حذرين جدًا. لا يجب أن نجعله يغضب أكثر مما هو غاضب. قد يؤذيكِ، وقد يؤذي عامرًا."

شعرت فجر بأن الغيمة التي كانت تراقبها في الأفق قد بدأت تتكثف، وأن العاصفة الوشيكة قد تجلب معها رياحًا لا يمكن لأحدٍ أن يتحملها.

شارك هذا الفصل:

เว็บไซต์นี้ใช้คุกกี้

เราใช้คุกกี้เพื่อปรับปรุงประสบการณ์การอ่านนิยายของคุณ วิเคราะห์การเข้าชม และแสดงโฆษณาที่เกี่ยวข้อง รายได้จากโฆษณาช่วยให้เราให้บริการอ่านนิยายฟรีต่อไปได้ อ่านรายละเอียดเพิ่มเติมที่ นโยบายความเป็นส่วนตัว

ตะกร้า eBook

ตะกร้าว่างเปล่า

เพิ่ม eBook ลงตะกร้าเพื่อรับส่วนลดพิเศษ

ส่วนลด Bundle

ซื้อ 3-4 เล่มลด 10%
ซื้อ 5-9 เล่มลด 15%
ซื้อ 10+ เล่มลด 20%