الفصل 13 / 25

حب في الصحراء

سرٌّ قديمٌ يلوح في الأفق

بقلم مريم الحسن

كانت نسمات الفجر تداعب أوراق الشجر في واحة "أم القصور"، تحمل معها عبير الزهور البرية الممزوج برائحة الأرض الرطبة بعد ليلٍ هادئ. استيقظت "ليلى" قبل طلوع الشمس، تتهيأ لتبدأ يومها بنشاط. لم تكن مجرد شابة تعيش في كنف أسرتها، بل كانت تحمل في قلبها طموحاتٍ أكبر من حدود الواحة، طموحاتٌ نسجتها أحلامها وحكايات جدتها عن نساءٍ قادراتٍ على صنع التاريخ.

ارتدت ثوبها البسيط، ولفت خمارها بأناقة، ثم انصرفت إلى المطبخ حيث كانت والدتها "أمينة" قد بدأت بإعداد وجبة الإفطار. "صباح الخير يا أمي." قالت ليلى بصوتٍ حنون. "صباح النور يا ابنتي الغالية. هل نمتِ جيداً؟" أجابت أمينة، وقد ارتسمت على وجهها ابتسامة دافئة. "الحمد لله، نوماً هانئاً. هل تحتاجين مساعدة؟" "لا تقلقي، فكل شيءٍ يسير على ما يرام. اجلسي، فالفطور سيكون جاهزاً بعد قليل."

جلست ليلى، تتأمل في وجه والدتها الذي يحكي قصة صبرٍ وحبٍ لا ينتهي. تذكرت الأيام التي قضتها مع جدتها، تتلقى منها الدروس في الحكمة والقيم، وتستمع إلى قصصٍ عن أصول العائلة ومآثر الأجداد. كانت جدتها، رحمها الله، سيدةً وقورةً، كانت تمتلك مكتبةً صغيرةً مليئةً بالكتب التاريخية والأدبية، كانت ليلى تقضي ساعاتٍ فيها، تتنقل بين الصفحات، وتستلهم منها.

بعد الإفطار، توجهت ليلى إلى حديقة المنزل، حيث كانت اعتادت أن تقضي بعض الوقت في القراءة والتأمل. بينما كانت تقلب صفحات أحد الكتب، سمعت صوت خطواتٍ قادمة. رفعت بصرها لتجد "سالم" يقف أمامها، وعلى وجهه ابتسامةٌ خفيفة. "صباح الخير يا ليلى." قال سالم، وقد بدا عليه شيءٌ من الحيرة. "صباح النور يا سالم. كيف حالك؟" "بخير، والحمد لله. أردت أن أسألكِ عن شيءٍ." "تفضل."

تنهد سالم، ثم تابع: "لقد تحدثت مع والدي بالأمس عن أمرٍ مهم، يتعلق بوالدتي. لقد اكتشفتُ بعض الأشياء التي لم أكن أعرفها من قبل." شعرت ليلى بالفضول، فقد كانت تعلم أن سالم كان يحمل في قلبه بعض الأسئلة حول ماضي والدته، خاصةً وأنها توفيت وهو صغير. "ما هي هذه الأشياء؟" سألت بلطف. "والدتي، رحمها الله، تركت لي رسالةً وصندوقاً صغيراً. لم أجرؤ على فتحهما من قبل، لكنني بعد حديثي مع والدي، شعرتُ بأن الوقت قد حان. لقد رأيتُ في عينيه شيئاً جعله يوافق على أن أطلعكِ على الأمر."

أخرج سالم من جيبه مفتاحاً صغيراً، وبجانبه رسالةٌ مطويةٌ بعناية. "هذه الرسالة، وهي مفتاح الصندوق." قال. "أنا واثقٌ أنكِ ستعرفين كيف تتعاملين مع هذا السرّ." تناولت ليلى الرسالة والمفتاح، وشعرت بثقلٍ غريبٍ في يديها. كانت تعلم أن سالم يثق بها ثقةً عمياء، وأن هذا الطلب ليس سهلاً. "لماذا أنا بالذات يا سالم؟" سألت. "لأنكِ الوحيدة التي أعرف أنها ستفهمني، ولأنكِ تملكين الحكمة والقلب الطيب. والدتي، كانت تحكي لي عنكِ، وعن طيبتكِ، وعن ذكائكِ. كانت ترى فيكِ ابنةً لم تنجبها."

ارتعش قلب ليلى عند سماع هذه الكلمات. كانت قد سمعت من جدتها عن علاقةٍ خاصةٍ كانت تربط والدة سالم بها، لكنها لم تتوقع أن تكون بهذا العمق. "سأبذل قصارى جهدي يا سالم." قالت، وقد شعرت بمسؤوليةٍ كبيرةٍ تقع على عاتقها.

انصرف سالم، تاركاً ليلى وحدها مع الرسالة والمفتاح. جلست تحت شجرة النخيل، وتنفست بعمق. فتحت الرسالة، وكانت بخط يدٍ نسائيٍ جميلٍ، لكنه بدا متعباً. بدأت تقرأ: "إلى ابني الغالي سالم، إذا كنت تقرأ هذه الكلمات، فهذا يعني أنني قد رحلت، وأنك قد كبرت بما يكفي لتفهم بعض الأمور. في هذا الصندوق، ستجد ما سيكشف لك عن جزءٍ من حياتي لم أستطع أن أخبرك به قبل رحيلي. كنت أحمل في قلبي سراً، سراً يتعلق بامرأةٍ رائعةٍ عرفتها في شبابي، امرأةٌ ساهمت في تشكيل هويتي، وكنت أتمنى أن تعرفها جيداً. اسم هذه المرأة هو 'عائشة'، وهي والدة صديقنا الحبيب 'خالد'. كانت بيننا صداقةٌ قويةٌ، تجاوزت حدود الزمان والمكان. في الصندوق، ستجد بعض الأشياء التي ستبين لك مدى عمق هذه الصداقة، وربما ستجد أيضاً سبباً لبعض الألغاز التي قد تكون في حياتك."

واصلت ليلى القراءة، وشعرت بالذهول. لم تكن تتوقع أن يكون لرسالة والدة سالم هذا العمق. كانت "عائشة" هي والدة خالد، الشاب الذي استقر في الواحة مؤخراً، والذي كان لها معه لقاءاتٌ قصيرةٌ، لكنها تركت انطباعاً قوياً فيها. "لم أكن أتخيل أن هناك علاقةً كهذه." همست ليلى لنفسها.

بعد ساعات، وبعد أن تجمعت لديها بعض الأفكار، قررت ليلى أن تذهب إلى منزل خالد. لم يكن هذا أمراً معتاداً في عادات الواحة، لكنها شعرت بأن هذا الأمر يتطلب منها تجاوز بعض الحدود البروتوكولية. طَرقت باب منزل خالد، وفتحت لها "أم يوسف"، زوجة خالد. "أهلاً بكِ يا ليلى. تفضلي." قالت أم يوسف، وهي تبتسم. "شكراً لكِ أم يوسف. هل خالد موجود؟" "نعم، تفضلِ بالجلوس، سأناديه."

بعد لحظات، خرج خالد من غرفته، وقد بدا عليه الاستغراب لرؤيتها. "أهلاً بكِ يا ليلى. لم أتوقع رؤيتكِ اليوم." قال خالد، بصوته الهادئ. "أهلاً بك يا خالد. أعتذر عن إزعاجك، لكنني أتيت لأمرٍ ضروري." "لا بأس أبداً. تفضلي."

جلست ليلى، وشعرت بتوترٍ خفيف. كانت تعلم أن ما ستقوله قد يؤثر على علاقتها بخالد، وعلى تصورها له. "لقد تحدثتُ اليوم مع سالم." قالت ليلى، وقد اتخذت قرارها. ارتعش وجه خالد قليلاً. "سالم؟" "نعم. لقد أعطاني رسالةً ومفتاحاً خاصاً بوالدته. وطلب مني أن أطلعكِ على محتواهما." "والدتي؟" قال خالد، وقد بدا عليه الذهول. "لا أفهم."

"والدة سالم، حسب ما فهمت من الرسالة، كانت تربطها علاقةٌ وثيقةٌ بوالدتكِ، السيدة عائشة." قالت ليلى، وهي تمد له الرسالة. "هذه هي الرسالة. وهي تتحدث عن صداقةٍ عميقةٍ بينهما."

أخذ خالد الرسالة، وقرأها بتمعن. بدأت ملامح الدهشة ترتسم على وجهه، ثم تحولت إلى شيءٍ من التأثر. كانت عيناه تلمعان بدموعٍ حبيسة. "لم أكن أعرف شيئاً عن هذا." قال خالد، وصوته يرتجف قليلاً. "والدتي لم تكن تتحدث كثيراً عن ماضيها، خاصةً عن علاقاتها قبل زواجها من والدي. كنت أعتقد أنها عاشت حياةً منعزلة."

"يبدو أن هناك الكثير مما لا نعرفه عن ماضي عائلاتنا." قالت ليلى، وقد شعرت بمشاركةٍ عميقةٍ لخالد في حزنه وتأثره. "سالم سيفتح الصندوق قريباً. ربما سنجد فيه المزيد من الإجابات."

نظر خالد إلى ليلى، وقد امتلأت عيناه بامتنانٍ صادق. "شكراً لكِ يا ليلى. شكراً لأنكِ أتيتِ إلي، وشكراً لأنكِ فتحتِ لي هذا الباب. لم أتخيل أبداً أن والدتي كانت تحمل في قلبها هذه الأسرار." "الأمر كله يتعلق بمشيئة الله." قالت ليلى، وقد شعرت براحةٍ غريبة. "سأكون بجانبك، يا خالد، في كل ما يتعلق بهذا الأمر."

كانت الشمس قد بدأت تميل نحو الغروب، تلقي بظلالها الذهبية على الواحة. شعرت ليلى بأن هناك قوىً خفيةً بدأت تحرك خيوط القدر، وأن رحلةً جديدةً، مليئةً بالأسرار والاكتشافات، قد بدأت للتو. كانت تشعر بمسؤوليةٍ أكبر تجاه خالد، وبإحساسٍ غريبٍ بالارتباط العميق بهذا الماضي الذي بدأ يتكشف أمامها.

شارك هذا الفصل:

เว็บไซต์นี้ใช้คุกกี้

เราใช้คุกกี้เพื่อปรับปรุงประสบการณ์การอ่านนิยายของคุณ วิเคราะห์การเข้าชม และแสดงโฆษณาที่เกี่ยวข้อง รายได้จากโฆษณาช่วยให้เราให้บริการอ่านนิยายฟรีต่อไปได้ อ่านรายละเอียดเพิ่มเติมที่ นโยบายความเป็นส่วนตัว

ตะกร้า eBook

ตะกร้าว่างเปล่า

เพิ่ม eBook ลงตะกร้าเพื่อรับส่วนลดพิเศษ

ส่วนลด Bundle

ซื้อ 3-4 เล่มลด 10%
ซื้อ 5-9 เล่มลด 15%
ซื้อ 10+ เล่มลด 20%