حب في الصحراء
شفقٌ يكشف السر
بقلم مريم الحسن
بدأ الليل يتسلل بخيوطٍ ذهبيةٍ على رمال الواحة، يرسم على وجه الصحراء لوحةً صامتةً من الأسرار. كانت "نور" تجلس في جناحها، ترتشفُ من كوبٍ من الشاي بالنعناع، وقلبها يخفقُ إيقاعًا لا تعرفُ سببه. منذُ عودتها من بيتِ جدها، كانت تشعرُ بثقلٍ غريبٍ يلفُ روحها، وأسئلةٌ تتزاحمُ في ذهنها كقطعانِ الأغنامِ الضالة. كانت كلماتُ جدها الأخيرة، تلك النظراتُ المليئةُ بالأسى، تطاردها كهمسِ الرياحِ في صحراءٍ قاحلة. "هناك ما يجبُ أن تعرفيه يا ابنتي، ما يخصُ تاريخَ عائلتنا، وما يخصُ مستقبلك."
في تلك اللحظة، وصلتها رسالةٌ مكتوبةٌ بخطٍ أنيقٍ، ذُيلت بختمٍ لا تعرفه. فتحتها بيدٍ مرتجفة. كانت الكلماتُ واضحةً، لكن معناها كان أشبهَ بالضربةِ على وتَرٍ حساس. "يا ابنةَ الشيخِ سليمان، إن السرَ الذي تخفينه، والنسبَ الذي تظنينَ أنهُ لشخصٍ آخر، باتَ مكشوفًا. لا تغتري ببريقِ الوهم، فالحقيقةُ أقربُ مما تظنين."
شعرت "نور" بالدوار. السر الذي تخفيه؟ النسب الذي تظنه لشخصٍ آخر؟ كيف يمكنُ أن يكون هذا؟ هل يتحدثونَ عن أبيها؟ عن قصةِ زواجِ والديها الغامضة؟ لطالما سمعتْ همساتٍ عن ظروفٍ خاصةٍ أحاطتْ بوالدها قبلَ زواجهِ من والدتها، لكنها لم تكنْ تعلمُ تفاصيلها. كان والدها، الشيخُ سليمان، رجلًا ذا هيبةٍ وصمت، لا يتحدثُ كثيرًا عن ماضيه.
تذكرتْ حديثًا دارَ بينَ عمها "عبد الرحمن" ووالدتها قبلَ فترةٍ وجيزة، حديثٌ دارَ في غفلةٍ منها، عن "مسؤوليةٍ كبيرة" و"حقٍ محفوظ". في ذلك الوقت، لم تُعرْ الأمرَ اهتمامًا كبيرًا، لكن الآن، بدتْ تلك الكلماتُ تحملُ معنىً آخر.
تركتْ "نور" كوبَ الشاي، ونهضتْ تتجولُ في الغرفة، تبحثُ عن إجاباتٍ في زوايا الذاكرة. لم تجدْ سوى المزيدَ من الأسئلة. من يرسلُ هذه الرسالة؟ وكيفَ عرفَ بهذا الأمر؟ هل كانَ هناكَ من يراقبها؟
في الجهةِ المقابلة، في ديوانِ عمها "عبد الرحمن"، كانَ الجوُ متوترًا. "عبد الرحمن" و"ناصر"، صديقُ العائلةِ المقرب، الذي كانَ يحملُ في عينيهِ نظرةَ القلقِ الدائمة، كانا يتحدثانِ بصوتٍ خفيض.
"لقد تأكدتُ من كلِ شيءٍ يا ناصر،" قالَ "عبد الرحمن"، وكانَ وجههُ شاحبًا. "الورقةُ التي وجدتها في صندوقِ والدكَ، تلكَ الوصيةُ القديمة، هيَ دليلٌ قاطع."
"وماذا تعني هذهِ الوصيةُ بالضبط؟" سألَ "ناصر"، وصوتهُ مليءٌ بالترقب. "هل هيَ حقًا تخصُ 'نور'؟"
"بل تخصُ 'نور' وبشكلٍ مباشر،" أجابَ "عبد الرحمن" بنبرةٍ حزينة. "إنها تكشفُ حقيقةَ نسبها، حقيقةً كانَ والدكَ يسعى جاهدًا لإخفائها. لقد تزوجَ والدكِ من امرأةٍ أخرى قبلَ والدةِ 'نور' بفترةٍ طويلة، ثم حدثَ ما حدث، واضطرَ لإخفاءِ زواجهِ الأولِ لحمايةِ سمعةِ العائلة، ولحمايةِ ابنتهُ من تبعاتِ هذا الزواجِ السري."
ارتعشَ جسدُ "ناصر". "يعني... يعني أن 'نور' لديها أختٌ أو أخٌ من هذا الزواجِ الأول؟"
"نعم،" قالَ "عبد الرحمن" بهدوءٍ موجع. "وليسَ فقط هذا. إن الورقةَ تشيرُ إلى أن أملاكًا كبيرةً كانَ من المفترضِ أن تنتقلَ إلى الوريثِ الشرعيِ لهذا الزواجِ الأول، لكنها بقيتْ باسمِ والدكَ، وأن 'نور' هيَ الوريثةُ الحاليةُ لهذهِ الأملاك، لا الوريثةُ الشرعيةُ الأصلية."
فهمَ "ناصر" المصيبة. كانَ هذا يعني أن هناكَ شخصًا آخرَ لهُ الحقُ في هذهِ الأملاك، شخصٌ قد يكونُ لهُ مطالبٌ شرعية. وهذا الشخصُ هوَ من أرسلَ الرسالةَ إلى "نور".
"لكن لماذا الآن؟" سألَ "ناصر". "ولماذا كلُ هذا الإخفاء؟"
"تزوجَ والدكَ من والدةِ 'نور' وهوَ يعلمُ أن هذا الزواجَ الأولَ قد يسببُ مشاكلَ في المستقبل،" شرحَ "عبد الرحمن". "لقد أخفى الأمرَ تمامًا، وظنَ أنهُ قد تخلصَ منه. لكن يبدو أن هذا السرَ لم يدفنْ معه. والرجلُ الذي أرسلَ الرسالةَ، هوَ أحدُ أقاربِ الزوجةِ الأولى، وهوَ يسعى الآنَ لاستعادةِ ما يظنُ أنهُ حقٌ لهُ من خلالِ 'نور'."
"وهل هذا الرجلُ... هل هوَ طيبٌ؟" سألَ "ناصر" بقلق.
"لا أعلم،" اعترفَ "عبد الرحمن" بتعب. "كلُ ما أعلمه هوَ أن هذا الوضعَ يهددُ كلَ شيء. يهددُ مستقبلَ 'نور'، ويهددُ سمعةَ عائلتنا، وربما يهددُ حياتها."
نهضَ "عبد الرحمن" واتجهَ نحو النافذة، ناظرًا إلى ظلامِ الصحراءِ المتزايد. "لقد حانَ الوقتُ لأن تعرفَ 'نور' الحقيقةَ كاملة. لا يمكننا أن نخفيَ عنها أكثر. يجبُ أن نضعَ حدًا لهذا العبث."
في تلكَ اللحظة، كانَ "خالد" يقفُ أمامَ بابِ "نور" يحملُ في يدهِ باقةَ وردٍ من الواحة، وقلبُهُ يفيضُ بالمشاعرِ التي كانَ يخشى البوحَ بها. لقد شعرَ بتغيرٍ في جوِ البيتِ منذُ عودةِ "نور". كانَ هناكَ شيءٌ غيرُ طبيعي. شعرَ بقلقٍ عليها، وبحاجةٍ غريزيةٍ ليطمئنها.
دقَ البابَ بخفة. انتظرتْ "نور" لبضعِ لحظاتٍ قبلَ أن تفتحَ. حينَ رأتْ "خالد"، استقبلتهُ بابتسامةٍ باهتة، لكن عينيهِ كانتْ تحملُ قلقًا واضحًا.
"مساءُ الخير يا 'نور'،" قالَ "خالد" وهوَ يقدمُ لها الورد. "أتيتُ لأطمئنَ عليكِ. هل أنتِ بخير؟"
نظرتْ "نور" إلى الورد، ثم إلى عينيهِ الصادقتين. في تلكَ اللحظة، شعرتْ بأنها ليستْ وحدها في هذا العبءِ الثقيل.
"مساءُ الخير يا 'خالد'. شكرًا لكَ. أنا... أنا بخير."
لم يكنْ هذا كافيًا لـ"خالد". رأىَ الضبابَ الذي يغطي عينيهِ، والحزنَ الذي يلفُ روحها.
"لا تبدينَ بخيرٍ يا 'نور'. هل هناكَ ما يزعجكِ؟"
ترددتْ "نور". هل يجبُ أن تخبرهُ؟ هل هوَ الشخصُ المناسب؟ لقد ارتبطَ قلبها بـ"خالد" بارتباطٍ مقدس، ارتباطٌ بنتهُ على الثقةِ والاحترام.
"هناك... هناكَ أمرٌ غريبٌ حدث."
قبلَ أن تتمكنَ "نور" من إكمالِ جملتها، سُمعَ صوتٌ قويٌ قادمٌ من خارجِ الغرفة. كانَ صوتَ عمها "عبد الرحمن" وهوَ ينادي على "نور" بصوتٍ مرتفعٍ وغيرِ معتاد.
"يا 'نور'! تعالي إلى الديوانِ حالاً! هناكَ من يريدُ أن يقابلكِ!"
تجمّدتْ "نور" في مكانها. من يمكنُ أن يكونَ هذا الشخصُ في هذا الوقت؟ شعرتْ بقشعريرةٍ تسري في جسدها.
نظرَ "خالد" إليها بقلق. "هل أنتِ متأكدةٌ أنكِ بخير؟"
أومأتْ "نور" برأسها، لكن عينيها كانتا تعكسانِ مزيجًا من الخوفِ والترقب. أمسكتْ بيد "خالد" بقوة.
"أظنُ أن الوقتَ قد حانَ لأعرفَ ما يحدث."
خطتْ "نور" مع "خالد" نحو الديوان، وقلبها ينبضُ كطبلٍ في صحراءَ صامتة، مستعدةً لمواجهةِ أيِ كان، مهما كانَ الثمن. لقد أدركتْ أنها على وشكِ عبورِ نقطةِ اللاعودة.