حب في الصحراء
قناعٌ يسقط
بقلم مريم الحسن
وقفَ "عبد الرحمن" في وسطِ الديوان، وجههُ متصلبٌ يعكسُ مزيجًا من الغضبِ والارتباك. على مقعدٍ فاخرٍ بجانبه، جلسَ رجلٌ غريبٌ لا تعرفهُ "نور". كانَ يرتدي ملابسَ أنيقةً لكنها لم تكنْ من الطرازِ التقليدي، وكانَ وجههُ يحملُ ملامحَ تبدو مألوفةً بشكلٍ غامض. كانَ لديهِ شعرٌ داكنٌ مجعدٌ وعينانِ سوداوانِ ثاقبتان. جلستْ "نور" بجانبِ "خالد"، تشعرُ بحضورِ "خالد" القويِ الذي يمنحها بعضَ الطمأنينة، لكنها لم تستطعْ أن تُبعدَ بصرها عن الرجلِ الغريب.
"أهلاً بكِ يا 'نور'،" قالَ "عبد الرحمن" بنبرةٍ جافة. "هذا هوَ السيدُ 'أدهم'. وهوَ... لديهِ بعضُ الأمورِ الهامةِ التي يريدُ مناقشتها معكِ."
ابتسمَ "أدهم" ابتسامةً خفيفة، لكنها لم تصلْ إلى عينيه. "مساءُ الخير يا آنسة 'نور'. إنها سعادةٌ غامرةٌ أن ألتقيَ بكِ أخيراً."
تحدثَ "أدهم" بلغةٍ عربيةٍ فصحى، بلكنةٍ غريبةٍ لم تستطعْ "نور" تحديدها. كانَ صوتهُ عميقًا ورصينًا.
"أهلاً بكَ يا سيد 'أدهم'،" قالتْ "نور" بصوتٍ يرتجفُ قليلاً. "لم أكنْ أعلمُ أن لديَّ ضيفاً. تفضل."
"الشكرُ موصولٌ لكِ،" قالَ "أدهم". "وللشيخِ 'عبد الرحمن' الذي سمحَ لي بهذهِ الفرصة." التفتَ إلى "عبد الرحمن". "كما تحدثنا، أنا هنا لأسبابٍ تتعلقُ بمسائلَ عائليةٍ مهمة. مسائلَ تخصُ إرثًا وحقوقًا قد تكونُ قد نُسيت."
بدأَ قلبُ "نور" يخفقُ بقوة. إرثٌ وحقوقٌ... هل يتعلقُ الأمرُ بما كانتْ تفكرُ فيه؟
"هل يمكنكَ أن تكونَ أكثرَ وضوحاً، يا سيد 'أدهم'؟" سألتْ "نور"، وحاولتْ أن تُظهرَ رباطةَ جأش.
"بالطبع،" قالَ "أدهم" بابتسامتهِ الباردة. "أنا هنا بصفتي ممثلاً عن طرفٍ ذي علاقةٍ وثيقةٍ بالشيخِ سليمان. طرفٌ يمتلكُ مستنداتٍ تثبتُ حقَهُ في جزءٍ من ممتلكاتِ الشيخِ سليمان. جزءٌ كبيرٌ منه."
نظرَ "عبد الرحمن" إلى "نور" بإشارةٍ صامتةٍ تفيدُ بأنها يجبُ أن تستمعَ.
"ما هيَ طبيعةُ هذهِ العلاقة؟" سألتْ "نور".
"إنني قريبٌ جداً لأحدِ أفرادِ عائلةِ الشيخِ سليمان،" قالَ "أدهم". "تحديداً، أنا ابنُ المرحومِ 'حسن'. هل تعرفينَ اسمَ 'حسن'؟"
صُدمتْ "نور". 'حسن'. هذا الاسمُ كانَ يترددُ في همساتٍ قديمةٍ دارتْ بينَ جدتها ووالدتها. لم تكنْ تعرفُ بالضبطَ من هوَ 'حسن'، لكنها كانتْ تعلمُ أنهُ شخصٌ غامضٌ ذو صلةٍ بأصلِ عائلتها.
"لم ألتقِ بالشيخِ سليمان شخصياً،" تابعَ "أدهم". "لكن والدي، 'حسن'، تركَ لي وصيةً ومستنداتٍ أخرى، توضحُ حقيقةَ زواجهِ الأولِ من سيدةٍ من هذهِ العائلة. سيدةٍ اختفتْ بعدَ ولادةِ ابنهما. ابنهما الذي هوَ أنا."
وقفَ "خالد" فجأة. "يعني أنك تقولُ إن الشيخَ سليمان كانَ متزوجًا من والدتكِ يا 'نور'؟"
"لا، ليسَ والدتي،" قالتْ "نور" بصوتٍ متردد، وقد بدأتْ الصورةُ تتضحُ في ذهنها. "لم تكنْ والدتي. بل كانتْ... والدةَ أبي."
"لا، لا،" صححَ "أدهم" بلطفٍ مصطنع. "الشيخُ سليمان هوَ والدي، وهوَ والدُ 'نور'. لكنه لم يعلنْ زواجهُ الأول، وذلكَ لظروفٍ قاهرةٍ وقتها. ثم تزوجَ من سيدةٍ أخرى، أمِ 'نور'. لكن هذا لا يلغي حقي الشرعي. أنا الوريثُ الأولُ لـ'حسن'، والدي، الذي هوَ ابنُ الشيخِ سليمان."
كانَ الكلامُ يتزاحمُ في رأسِ "نور". أباها متزوجٌ من أخرى؟ ولديها أخٌ؟ هذا مستحيل. والدها كانَ رجلًا صالحًا، تقيًا. كيفَ يمكنُ أن يخفيَ سرًا كهذا؟
"هذا غيرُ صحيح،" قالتْ "نور" بقوة. "والدي لم يكنْ متزوجًا من أحدٍ قبلَ والدتي."
"هذا ما أرادَ الشيخُ سليمان أن تعتقدي،" قالَ "أدهم" ببرود. "لقد أخفى زواجهُ الأولَ تمامًا. لكنني أمتلكُ الدليل. هنا،" قالَ وهوَ يخرجُ مظروفًا سميكًا من جيبه. "هذهِ هيَ وثيقةُ الزواج، وهيَ مسجلةٌ بتاريخٍ قديم. وهذهِ شهادةُ ميلادي، تثبتُ أنني ابنُ 'حسن'، الذي هوَ ابنُ الشيخِ سليمان."
فتحَ "عبد الرحمن" المظروفَ، وأخرجَ الأوراقَ. كانَ وجههُ يعكسُ صدمةً عميقة.
"هذا... هذا حقيقي،" تمتمَ "عبد الرحمن". "إنها أوراقٌ شرعية."
شعرتْ "نور" بالانهيار. كلُ ما بنتهُ في حياتها، كلُ ما اعتقدتهُ عن عائلتها، كانَ ينهارُ أمامَ عينيهِ.
"لكن... لكن لماذا أخفى أبي هذا الأمر؟" سألتْ "نور"، والدموعُ بدأتْ تتساقطُ على خديها.
"لأنهُ كانَ رجلًا جبانًا،" قالَ "أدهم" بمرارة. "أو ربما كانَ يسعى لحمايةِ مكانهِ الاجتماعية. لا أعلمُ السببَ الحقيقي، لكن هذا هوَ الواقع. لقد تركَ والدي، 'حسن'، كلَ شيءٍ لي. والآن، أنا هنا لأطالبَ بحقوقي."
"وما هيَ حقوقُكَ بالضبط؟" سألَ "خالد" بحدة، وقد شعرَ بالغضبِ يتصاعدُ في صدره.
"ببساطة،" قالَ "أدهم" وهوَ ينظرُ إلى "نور" بنظرةٍ تحملُ تحديًا. "أنا الوريثُ الشرعيُ الأولُ لـ'حسن'. و'حسن' هوَ الابنُ البكرُ للشيخِ سليمان. وبالتالي، فإن جزءًا كبيرًا من ممتلكاتِ العائلةِ يجبُ أن يعودَ لي. وبالتحديد، تلكَ الأراضيِ والمزارعِ التي تمَ تسليمها بالكاملِ إلى 'نور' كـ'وريثةٍ وحيدة'."
"هذا ظلم!" صرختْ "نور". "والدي لم يتركْ لي شيئًا لم أكنْ أستحقه!"
"الظلمُ هوَ أن تُحرمَ حقوقُ الآخرينَ لسنواتٍ طويلة،" قالَ "أدهم" بثبات. "لقد صمتُ لفترةٍ طويلة، لكنني لم أعدْ أستطيعُ الصمت. لقد قرأتُ الرسالةَ التي أرسلتها إليكِ، 'نور'. إنها تحملُ وعودًا وإرثًا لا يخصكِ وحدكِ. وأنا هنا لأؤكدَ لكِ أنني لن أسمحَ بتمريرِ هذا الظلم."
نظرتْ "نور" إلى "خالد"، ورأتْ في عينيهِ العزمَ والتصميم. نظرتْ إلى عمها "عبد الرحمن" الذي كانَ وجههُ مليئًا بالحزنِ والأسف. وأخيراً، نظرتْ إلى "أدهم" الذي بدا وكأنهُ يمتلكُ كلَ القوةِ في هذهِ اللحظة.
لقد كُشفَ السر. لقد انهارَ القناع. لم تعدْ "نور" تعرفُ من هيَ، ولا ما هوَ حقها. لقد بدأتْ معركةٌ شرسة، لم تكنْ تتوقعها أبدًا.