حب في الصحراء
خيوطُ الظلِّ ومرايا الشك
بقلم مريم الحسن
مرَّتْ أسابيعٌ بدتْ سريعةً لمن أرادَ لها أنْ تمر، وبطيئةً لمن كانَ ينتظرُ بشغف. كانتْ "ليلى" و"خالد" يزدادانِ تقاربًا، ليسَ فقط على المستوى الفكري، بل على مستوى الروح. كانتْ لقاءاتهما مليئةً بالبهجةِ والانسجام، يتشاركانِ أحلامهما وتطلعاتهما. كانَ "خالد" قد بدأَ بالفعلِ في وضعِ اللمساتِ الأخيرةِ على خطتهِ التجاريةِ الجديدة، ووجدَ في "ليلى" مستشارةً أمينةً، وخفيفةَ الظل، تدفعهُ نحو الأفضل.
لكنَّ رياحَ الحياةِ لا تأتي دائمًا بما تشتهي السفن. في أحدِ الأيام، وبعدَ لقاءٍ وديٍّ بينَ العائلتين، بدأتْ بعضُ الهمساتِ تتسللُ إلى أروقةِ الواحة، همساتٌ تتهمُ "خالدًا" بأنهُ يسعى فقط لاستغلالِ ثروةِ عائلةِ "ليلى" لتمويلِ مشاريعهُ الخاصة. كانتْ هذهِ الهمساتُ تأتي من بعضِ المنافسينَ التجاريين، الذينَ شعروا بالتهديدِ من فكرةِ "خالد" الجديدة، ومن بعضِ أفرادِ العائلةِ البعيدين، الذينَ لم ينلهم نصيبٌ وافرٌ من الثراءِ الذي تتمتعُ بهِ عائلةُ الشيخِ "سليمان".
في البداية، لم تُعرْ "ليلى" لهذهِ الهمساتِ اهتمامًا كبيرًا. كانتْ تعرفُ طبيعةَ "خالد" ونواياه. لكنَّ تكرارَ هذهِ الأحاديث، وشدةَ بعضِ الاتهامات، بدأتْ تُلقي بظلالٍ على قلبها. كيفَ يمكنُ لشخصٍ أنْ يتهمَ "خالدًا" بمثلِ هذهِ الاتهاماتِ القاسية؟ ألم يروا أخلاقهُ الحميدةَ، ودينهُ، وطيبتهُ؟
بدأتْ "ليلى" تراقبُ "خالدًا" بنظرةٍ مختلفة، نظرةً تحملُ في طياتها شيئًا من الشك. كانتْ تلاحظُ أحيانًا انشغالهُ الشديدِ بأعمالهِ، وصمتهُ الطويلَ أحيانًا. هل كانَ بالفعلِ يخفي عنها شيئًا؟ هل كانتْ نواياهُ ليستْ صافيةً كما ظنت؟
في أحدِ الأيام، ذهبتْ "ليلى" إلى السوقِ لشراءِ بعضِ المستلزمات. وبينما كانتْ تسيرُ في الممراتِ المزدحمة، سمعتْ حديثًا بينَ امرأتينِ من نساءٍ معروفاتٍ بتناقلِ الأخبارِ والشائعات.
"لقد سمعتُ أنَّ "خالدًا" ليسَ كما يظنُّ الجميع. يقولونَ إنَّه استغلَّ سمعةَ ابنةِ الشيخِ "سليمان" ليحصلَ على المالِ لمشروعِهِ. وقد سمعتُ أنهُ يخططُ للزواجِ منها ليمتلكَ كلَّ شيء، ثمَّ يطلقها بعدَ أنْ ينفذَ ما يريد." قالتْ إحداهما بصوتٍ مرتفعٍ نسبيًا.
"نعم، نعم، سمعتُ ذلكَ أيضًا. لقد كانَ يتحدثُ معَ بعضِ التجارِ الخارجيينَ عن استثماراتٍ كبيرة. لا أعتقدُ أنَّ الشيخَ "سليمان" يعرفُ حقيقةَ نوايا هذا الشاب." أجابتْ الأخرى.
تجمدتْ "ليلى" في مكانها، وقلبها يكادُ يتوقفُ عن النبض. شعرتْ وكأنَّ الأرضَ تميدُ بها. هل كلُّ ما كانتْ تراهُ من حبٍّ وانسجامٍ كانَ مجردَ تمثيل؟ هل كانتْ هيَ مجردَ وسيلةٍ لتحقيقِ أهدافِ "خالد"؟
لم تستطعْ أنْ تُكملَ مشترياتها. عادتْ مسرعةً إلى قصرِ والدها، وهيَ تحملُ في قلبها جبلًا من الأسى والشك. جلستْ في غرفتها، تبكي بحرقة، والدموعُ تنهمرُ على خديها. لم تستطعْ أنْ تُفكرَ بوضوح. كلُّ الأحاديثِ الجميلة، كلُّ الكتبِ التي تبادلوها، كلُّ الوعودِ الصامتة، هل كانتْ مجردَ كلامٍ فارغ؟
بدأتْ تتذكرُ تفاصيلَ أخرى. كيفَ كانَ "خالد" يشتكي أحيانًا من ضيقِ الحالِ قبلَ أنْ تأتي خطبةُ "ليلى". كيفَ كانَ يتحدثُ عن طموحاتهِ الكبيرةِ التي لا تتناسبُ معَ وضعهِ المالي. هل كانتْ هذهِ كلها مؤشراتٌ واضحةٌ لم تكنْ تراها؟
في اليومِ التالي، ذهبتْ "ليلى" لمقابلةِ "خالد" في المكانِ الذي اعتادوا الالتقاءَ فيه. كانَ وجههُ مشرقًا كعادته، لكنَّ "ليلى" لم تستطعْ أنْ تُبادلَهُ الابتسامة.
"السلامُ عليكم يا حبيبتي." قالَ "خالد" وهوَ يقتربُ ليُقبّلَ جبينها، لكنَّ "ليلى" ابتعدتْ بخفة.
"وعليكم السلام." قالتْ "ليلى" بصوتٍ باردٍ لم يعتدْهُ "خالد".
فوجئ "خالد" بتغيرِ ردةِ فعلها. "هل أنتِ بخيرٍ يا ليلى؟ تبدينَ شاحبةً." سألَ بقلق.
"أنا بخير." قالتْ "ليلى" بصوتٍ لا يخلو من التجريح. "أردتُ أنْ أسألكَ سؤالًا يا "خالد"."
"تفضلي." قالَ "خالد"، وبدتْ على وجههِ علاماتُ الحيرة.
"هل أنتَ حقًا تحبني؟" سألتْ "ليلى" مباشرة، وعيناها تنظرانِ إلى عينيهِ بثبات.
فوجئ "خالد" بالسؤال. "ماذا تقولينَ يا ليلى؟ بالطبعِ أحبكِ. أنتِ أغلى ما أملك." قالَ بصوتٍ فيهِ صدقٌ لا يخفى.
"حقًا؟ أم أنَّ هذا الحبَّ مجردَ قناعٍ تخفي بهِ مطامعكَ؟" قالتْ "ليلى"، وبدأتْ نبرةُ صوتها ترتفعُ قليلاً.
تغيرَ وجهُ "خالد". بدا عليهِ الألمُ والذهول.