حب في الصحراء
رمال الشوق وعطر الياسمين
بقلم مريم الحسن
كانت ليلةً صيفيةً قاسيةً على مدينةِ الرياض، تلفحُ فيها نسماتُ الصحراءِ اللاهبةُ وجوهَ العابرين، إلا أنَّ قلبَ "نور" كانَ يحتضنُ برداً غريباً، برداً ليسَ لهُ علاقةٌ بحرارةِ الجو، بل ببرودةِ الابتعادِ عنهُ. منذُ أنْ ودَّعتْ "خالدًا" على عتبةِ مجلسِ والدهِ، وهيَ تشعرُ بفراغٍ يتسعُ في روحها، فراغٍ لمْ تستطعْ ملأهُ أحاديثُ أمها الدافئةُ أو صخبُ أخواتها. كانَ وجهُ خالدٍ، بعينيهِ اللتينِ تشبهانِ ليالي الصحراءِ الصافية، وصوتهُ الذي يحملُ هدوءَ الرياحِ، قدْ استقرَّ في أعماقِ ذاكرتها، كنقشٍ أبديٍّ على صفحةِ قلبها.
كانتْ تجلسُ في غرفتها، ورائحةُ الياسمينِ المتسلقةُ على شرفتها تملأُ المكان، لكنها لمْ تعدْ تشمُّ فيها ذلكَ الأريجَ الذي لطالما أحبتهُ. كلُّ شيءٍ بدا باهتاً، كلُّ الألوانِ فقدتْ رونقها. كانتْ تلوحُ في أفقِ خيالها صورٌ لـ "خالدٍ" وهو يبتسمُ لها، وهو يحدّثها عنْ أحلامهِ، عنْ طموحاتهِ التي تتجاوزُ حدودَ هذهِ الرمالِ، عنْ رغبتهِ في بناءِ مستقبلٍ يجمعُ بينَ أصالةِ الماضي وروحِ العصر. كلُّ كلمةٍ قالها، كلُّ نظرةٍ تبادلها، كانتْ تحملُ وعدًا، وعدًا بزواجٍ لمْ يعدْ مجردَ اتفاقٍ عائلي، بلْ أصبحَ شغفًا يسري في عروقها.
لكنَّ ذلكَ الوعدَ كانَ يرتعشُ تحتَ وطأةِ الشكوكِ التي بدأتْ تتسللُ إلى ذهنها. والدتها، السيدةُ "فاطمة"، رغمَ حبها العميقِ لابنتها، كانتْ دائمةَ القلقِ على مستقبلها. كانتْ تهمسُ لها بكلماتٍ حذرةٍ، كلماتٍ تشيرُ إلى أنَّ "خالدًا"، رغمَ نسبهِ الرفيعِ وأخلاقهِ الطيبة، قدْ يكونُ لديهِ ما يخفيه. "بعضُ الرجالِ يحملونَ في صدورهمْ أسرارًا أثقلَ منْ عبءِ الجمالِ"، هكذا كانتْ تقولُ لها والدتها، وهيَ تنظرُ إليها بعينينِ تملؤهما حكمةُ السنينِ وقلقُ الأمومة.
كانتْ "نور" تعلمُ أنَّ والدتها لمْ تكنْ تهدفُ إلى إثارةِ الفتنة، بلْ كانتْ تحميها. لكنَّ تلكَ التحذيراتِ كانتْ كشظايا الزجاجِ تخترقُ صفو مشاعرها. تساءلتْ بصمتٍ: ما الذي قدْ يخفيهِ "خالدٌ"؟ هلْ كانتْ هناكَ أخرى في حياتهِ؟ هلْ كانتْ نظراتهُ ليستْ كما تبدو؟ هلْ كانتْ ابتسامتهُ مجردَ قناعٍ يخفي واقعًا مؤلمًا؟ هذهِ الأسئلةُ دارتْ في رأسها كالدواماتِ العنيفة، تثيرُ في نفسها شعورًا بالضياعِ وعدمِ اليقين.
في صباحِ اليومِ التالي، تلقتْ "نور" رسالةً عبرَ هاتفها. كانَ المرسلُ هوَ "خالد". تبللتْ شفتيها بخوفٍ وترقبٍ وهيَ تفتحُ الرسالة. كانتْ كلماته مختضرة، لكنها حملتْ دفئًا ممزوجًا بحزنٍ خفي. "عزيزتي نور، أعتذرُ عنْ عدمِ الاتصالِ بكِ منذُ لقائنا. الأمورُ هنا معقدةٌ بعضُ الشيء، وأحتاجُ لبعضِ الوقتِ لأرتبَ أفكاري. أرجو أنْ تتفهمي. معَ خالصِ تقديري، خالد."
لمْ تكنْ هذهِ الرسالةُ كافيةً لتهدئةِ مخاوفها. "معقدةٌ بعضُ الشيء"؟ ما الذي يعنيهِ ذلك؟ هلْ كانَ يتهربُ منها؟ هلْ كانَ يفكرُ في التراجع؟ بدأتْ تترددُ في إرسالِ أيِّ رد. كانتْ تخشى أنْ تبدوَ متشبثةً، وأنْ تزيدَ منْ تعقيدِ الأمور. استغرقتْ ساعاتٍ في التفكير، ويداها ترتجفانِ وهما تمسكُ بالهاتف.
وفي غمرةِ أفكارها، دخلتْ والدتها الغرفة. لاحظتْ شرودَ ابنتها وهدوءها غيرَ المعتاد. جلستْ بجانبها، ووضعتْ يدها على كتفها. "ما بكِ يا ابنتي؟ تبدينَ شاردةً منذُ أمس." أجابتْ "نور" بصوتٍ خافتٍ، وعيناها تنظرانِ إلى الفراغ: "لا شيء يا أمي. مجردُ تفكير." تنهدتْ السيدةُ فاطمة، وقالتْ: "التفكيرُ في خالدٍ، أليسَ كذلك؟" لمْ تجبْ "نور"، لكنَّ صمتها كانَ إجابةً واضحة. تابعتْ الأمُ بحنانٍ: "نور، أنتِ فتاةٌ ذكيةٌ ولبيبة. أرى في عينيكِ شيئًا يقلقكِ. إنْ كانَ هناكَ ما يريبكِ بشأنِ هذا الزواج، فلا تترددي في البوحِ لي." نظرتْ "نور" إلى والدتها، ورأتْ في عينيها الصدقَ والحبَّ الخالص. شعرتْ بأنها بحاجةٍ إلى تفريغِ ما في قلبها. "يا أمي، لقدْ أرسلَ لي خالدٌ رسالةً. يقولُ إنَّ الأمورَ معقدةٌ. لا أعرفُ ما الذي يقصدهُ. هلْ هوَ يتهربُ؟ هلْ هوَ مترددٌ؟" عقدتْ السيدةُ فاطمة حاجبيها، وقالتْ: "هذا ما كنتُ أخافُ منه. تعجَّلتِ كثيرًا في الموافقة. بعضُ الرجالِ، يا ابنتي، لا يمتلكونَ الشجاعةَ الكافيةَ لمواجهةِ الحقائقِ، خاصةً إذا كانتْ تلكَ الحقائقُ تمسُّ سمعتهمْ أو مصالحهم." "لكنْ، يا أمي، والدُ خالدٍ قالَ إنَّ لديهِ بعضَ الأعمالِ التي تتطلبُ منهُ السفرَ والتنقلَ كثيرًا. ربما لهذا السببِ قالَ إنَّ الأمورَ معقدة." "السفرُ شيءٌ، والتعقيدُ شيءٌ آخر. وهناك فرقٌ بينَ العملِ والشخصي. لا أعرفُ يا نور، لكنَّ قلبي لا يطمئنُّ تمامًا. حاولي أنْ تتحدثي معهُ مرةً أخرى، إنْ استطعتِ. واجهيهِ بسؤالٍ مباشرٍ، لتعرفي الحقيقةَ قبلَ أنْ تتورطي أكثر."
عادتْ "نور" إلى غرفتها، والشعورُ بالوحدةِ والضيقِ قدْ أحاطَ بها. هلْ كانَ عليها أنْ تواجههُ؟ هلْ كانَ هذا تصرفًا مناسبًا لفتاةٍ في مجتمعها؟ كانتْ تدركُ أنَّ التسرعَ في إظهارِ تعلقها قدْ يضعهُ في موقفٍ لا تحمدُ عقباه. لكنَّ الانتظارَ كانَ أشدَّ وطأةً. في تلكَ الليلة، بينما كانتْ النجومُ تتلألأُ في سماءِ الصحراءِ الصافية، شعرتْ "نور" بأنَّ ظلالَ الشكوكِ قدْ ألقتْ بظلامها على مستقبلها، وأنَّ رحلةَ الشوقِ قدْ أصبحتْ أكثرَ تعقيدًا مما كانتْ تتصور. لقدْ بدأتْ تشعرُ بأنَّ رمالَ الصحراءِ ليستْ مجردَ أرضٍ صلبة، بلْ قدْ تكونُ مجردَ واجهةٍ تخفي تحتيها أسرارًا عميقةً، وأعماقًا غامضة.