الفصل 6 / 25

حب في الصحراء

لغزٌ في العيونِ وفي الكلمات

بقلم مريم الحسن

مرَّتْ أيامٌ ثلاثٌ كأنها دهرٌ على "نور". كلُّ صباحٍ تستيقظُ على أملِ أنْ تجدَ في هاتفها ردًا منْ "خالد"، ردًا يطمئنُ قلبها ويُزيلُ عنْ كاهلها ثقلَ الشكوك. لكنَّ هاتفها ظلَّ صامتًا، وصورتهُ التي كانتْ تنيرُ شاشتها قبلَ النومِ أصبحتْ تحملُ طيفًا منْ الغموض. كانتْ تتذكرُ كلماته الأخيرةَ لها، نظراتهِ التي كانتْ تتحدثُ بلغةٍ أعمقَ منْ الكلمات. هلْ كانتْ قدْ أسأتْ فهم تلكَ النظرات؟ هلْ كانَ كلُّ ما شعرتْ بهِ مجردَ وهمٍ صنعتهُ هيَ بنفسها؟

كانتْ تتابعُ أخبارَ "خالد" منْ خلالِ أحاديثِ والدتها معَ والدته، السيدةَ "ليلى". كانتْ السيدةُ فاطمةُ دائمًا ما تسألُ عنْ خالدٍ، وتعبّرُ عنْ إعجابها ببعضِ صفاته، لكنَّ هذهِ الأحاديثَ أصبحتْ الآنَ مشوبةً بنبرةٍ منْ الحذر. "أعرفُ أنَّ ابنكِ رجلٌ كريمٌ، يا أم خالد،" قالتْ لها في إحدى المكالمات، "ولكنْ، هلْ كلُّ شيءٍ على ما يرامٍ في أمورهِ؟ يبدو أنَّه مشغولٌ جدًا هذهِ الأيام." كانتْ إجابةُ السيدةِ ليلى دائمًا ما تكونُ عامةً، تتحدثُ عنْ ضغوطِ العملِ وكثرةِ المسؤوليات، لكنها لمْ تقدمْ أيَّ تفاصيلَ محددة.

في مساءِ اليومِ الرابع، بينما كانتْ "نور" تجلسُ معَ عائلتها في المجلسِ، وتتجاذبُ أطرافَ الحديثِ معَ أشقائها، رنَّ هاتفها. نبضَ قلبها بعنفٍ وهيَ ترى اسمَ "خالد" يظهرُ على الشاشة. ترددتْ للحظة، ثمَّ أجابتْ بصوتٍ حاولتْ جاهدةً أنْ تجعلَهُ طبيعيًا. "أهلًا بكَ يا خالد." صمتٌ قصيرٌ، ثمَّ سمعتْ صوتهُ، صوتٌ كانَ أعمقَ وأثقلَ مما اعتادتْ عليه. "عذرًا عنْ تأخري في الرد، يا نور. كنتُ في سفرٍ مفاجئ." "سفرٌ؟" سألتْ وهيَ تشعرُ ببعضِ الارتياحِ ممزوجٍ بالحيرة. "هلْ أنتَ بخير؟" "أنا بخيرٍ والحمدُ لله. لكنَّ الأمورَ، كما قلتُ لكِ، ليستْ بسيطة. لديَّ بعضُ المسؤولياتِ العائليةِ التي تتطلبُ مني بعضَ الوقتِ والجهد." "مسؤولياتٌ عائلية؟" تكررتْ الكلمةُ في ذهنها. هلْ كانتْ هذهِ ذريعة؟ هلْ كانَ هناكَ شيءٌ أكبر؟ "هلْ يمكنُ أنْ تشرحَ لي أكثرَ يا خالد؟ أنا حقًا قلقةٌ." صوتُهُ بدا متعبًا، وكأنَّهُ يحملُ عبئًا ثقيلاً. "لا أستطيعُ أنْ أشرحَ كلَّ شيءٍ الآن، يا نور. الأمرُ معقدٌ جدًا، وبعضُ الأمورِ لا يمكنُ البوحُ بها بسهولة. لكنْ أريدُ منكِ شيئًا واحدًا: الثقة. ثقي بي، وأعطني بعضَ الوقتِ لأحلَّ هذهِ الأمور." "ولكنْ، خالد..." بدأتْ تقولُ، لكنهُ قاطعها. "أرجوكِ يا نور. كلُّ ما أطلبهُ هوَ ثقتكِ. سأعاودُ الاتصالَ بكِ عندما تتاحُ لي الفرصة. إلى اللقاء." وأغلقَ الخطَّ قبلَ أنْ تستطيعَ إكمالَ جملتها.

شعرتْ "نور" بأنَّها تُركتْ معلقةً في فراغٍ مظلم. كلماتهُ كانتْ غامضةً، وعدمُ قدرتهِ على الشرحِ زادَ منْ قلقها. هلْ كانَ يكذبُ عليها؟ هلْ كانتْ لديهِ حياةٌ أخرى يخفيها؟ لمْ تستطعْ نسيانَ تحذيراتِ والدتها. بدأتْ تتساءلُ عنْ طبيعةِ هذهِ "المسؤولياتِ العائلية". هلْ كانتْ تتعلقُ بأسرةٍ أخرى؟ هلْ كانَ متزوجًا بالفعل؟

في اليومِ التالي، قررتْ "نور" أنْ تخاطرَ. ذهبتْ إلى منزلِ والدتها، وروتْ لها كلَّ شيءٍ عنْ حديثها معَ "خالد". نظرتْ السيدةُ فاطمةُ إلى ابنتها بعينينِ تملؤهما القلقُ والرأفة. "هذا ما كنتُ أخشاهُ تمامًا، يا ابنتي. الرجلُ الذي لا يستطيعُ أنْ يكونَ صريحًا معَ خطيبتهِ في بدايةِ الطريق، كيفَ سيكونُ في حياتهِ الزوجية؟" "ولكنْ يا أمي، قدْ تكونُ لديهِ أسبابٌ وجيهة. ربما يتعلقُ الأمرُ بسمعتهِ أو سمعةِ عائلته." "وأنتِ، يا نور، أليستْ سمعتكِ هيَ الأهم؟ ألا تستحقينَ أنْ تعرفي حقيقةَ الرجلِ الذي ستشاركينهُ حياتكِ؟" "ماذا أفعلُ يا أمي؟ أشعرُ أني أتعذبُ." "علينا أنْ نجدَ طريقةً لنعرفَ الحقيقةَ يا ابنتي. ليسَ عنْ طريقِ التجسسِ أو البحثِ عنْ الفضائح، فهذا ليسَ منْ شيمنا. ولكنْ، قدْ يكونُ هناكَ شخصٌ يعرفُ عنه." "منْ تقصدينَ؟" "والدةُ خالدٍ. السيدةُ ليلى. هيَ امرأةٌ تعرفُ كلَّ شيءٍ عنْ ابنها. لابدَّ أنْ نتحدثَ معها، ولكنْ بحذرٍ شديد. يجبُ أنْ نتصرفَ بذكاءٍ، وأنْ نجعلَها تشعرُ بأننا نهتمُّ بابنها ونريدُ لهُ الخير، وأنَّ قلقنا هذا نابعٌ منْ حرصنا على استقرارِ هذا الزواج."

بدأتْ "نور" تشعرُ ببعضِ الأملِ، ولكنَّه أملٌ مشوبٌ بالخوف. كانتْ تعرفُ أنَّ هذا الطريقَ ليسَ سهلاً، وأنَّ مواجهةَ الحقائقِ قدْ تكونُ مؤلمة. لكنها أدركتْ أنَّها لا تستطيعُ الاستمرارَ في هذهِ الدوامةِ منْ الشكوكِ والغموض. لقدْ أصبحتْ مستعدةً لفعلِ أيِّ شيءٍ لتصلَ إلى الحقيقة، مهما كانَ الثمن. كانتْ عيناها، اللتانِ لطالما عكسَتا براءةَ قلبها، تحملانِ الآنَ بريقَ العزيمةِ والإصرار. كانَ لغزُ "خالد" قدْ أحاطَ بها، وبدأتْ تشعرُ بأنَّها دخلتْ في متاهةٍ منْ العلاقاتِ والأسرار، وأنَّها ليستْ مجردَ خطيبةٍ تنتظرُ موعدَ زفافها، بلْ أصبحتْ محققةً في قضيةِ قلبها.

شارك هذا الفصل:

เว็บไซต์นี้ใช้คุกกี้

เราใช้คุกกี้เพื่อปรับปรุงประสบการณ์การอ่านนิยายของคุณ วิเคราะห์การเข้าชม และแสดงโฆษณาที่เกี่ยวข้อง รายได้จากโฆษณาช่วยให้เราให้บริการอ่านนิยายฟรีต่อไปได้ อ่านรายละเอียดเพิ่มเติมที่ นโยบายความเป็นส่วนตัว

ตะกร้า eBook

ตะกร้าว่างเปล่า

เพิ่ม eBook ลงตะกร้าเพื่อรับส่วนลดพิเศษ

ส่วนลด Bundle

ซื้อ 3-4 เล่มลด 10%
ซื้อ 5-9 เล่มลด 15%
ซื้อ 10+ เล่มลด 20%