الفصل 9 / 25

حب في الصحراء

سرٌّ في قلب الرمال

بقلم مريم الحسن

كانت نسمات الصحراء اللاهبة تلامس وجه فجر، تحمل معها عبق الأرض العطرة ورائحة البرتقال اليابسة. جلست على عتبة خيمتها، تشاهد الشمس وهي تتسلق السماء ببطء، تلون قمم الكثبان الذهبية بلون الياقوت. كان قلبها يخفق بحنين ممزوج بالقلق، تتذكر لقاءها الأخير بـ "عامر". ذلك الشاب الذي اقتحم عالمها الهادئ بجرأة وبريق عينين يسكنهما صدقٌ بدويٌ نادر.

لم تمر سوى أسابيع قليلة منذ رأته أول مرة في سوق الواحة، وقد غيّر كل شيء. كانت مجرد فتاة قروية اعتادت على رتابة الحياة، تتناقل الأحاديث بين النساء وتساعد والدتها في تدبير شؤون المنزل. لكن رؤية عامر، بشخصيته القوية وهدوئه الآسر، ألهبت في روحها شيئًا لم تكن تدري به. لقد تحدثا طويلاً، عن الصحراء التي يعشقها، وعن طموحاته التي تتجاوز حدود هذه البادية، وعن حلمه بإعادة بناء اسم عائلته الذي لوّثه غدر الأيام.

كانت فجر تشعر بالدهشة من جرأتها في البوح بمشاعرها، فقد كانت تتحدث إليه كأنها تعرفه منذ زمن بعيد. كان عامر يستمع إليها باهتمام شديد، يتخلل كلماته عباراتٌ تريح قلبها وتطمئن روحها. كان يصف لها كيف ستكون حياتهما معًا، وكيف سيبني لها بيتًا تحت سماء الصحراء الصافية، يحميهما من الرمال العاتية ويظللهما بالحب والسعادة.

لكن سرعان ما بدأت الهمسات تتسلل إلى أسماع فجر. والدتها، سارة، كانت تقضي ساعات طويلة مع جاراتها، تتبادل أخبار القرية وأخبار من حولهم. سمعت سارة عن نظرات عامر المتيمة بفجر، وعن أحاديثهما التي تجاوزت حدود اللباقة. لم تكن سارة غافلة عن جمال ابنتها ورقتها، ولا عن ما قد تثيره من مشاعر في قلوب الشباب. لكنها كانت تخشى على فجر من عواقب هذه العلاقة الوليدة، خاصة وأن عامر كان شابًا لا يعرف عنه سوى ما يقوله هو.

في إحدى الليالي، بينما كانت فجر تساعد والدتها في إعداد عشاء بسيط، بدأت سارة حديثًا حذرًا: "يا ابنتي، لقد سمعتُ أن فلانًا يكثر من الحديث عنكِ. شباب البادية طيبون، لكنهم سريعو التأثر، وقد يقعون في غرامٍ عابرٍ يندمون عليه لاحقًا."

شعرت فجر بالارتباك. لم تكن تتوقع أن تصل أحاديثها مع عامر إلى مسامع أمها. أجابت بصوت خفيض: "يا أمي، عامر رجلٌ طيبٌ وصادق. لقد تحدثنا كثيرًا، وهو رجلٌ له أحلامٌ عظيمة."

تنهدت سارة بعمق: "أعلم يا حبيبتي أنكِ نقية القلب، لكن الدنيا ليست دائمًا كما نتمنى. هناك أعرافٌ وتقاليدٌ يجب أن نحترمها. لا أريد أن أرى ابنتي تقع في حبٍ لا أساس له، أو تجلب لنفسها كلامًا لا يليق."

في اليوم التالي، التقت فجر بعامر عند بئر القرية، حيث كانت النساء يتجمعن لملء جرارهن. كان عامر ينتظرها، يحمل في يديه تمرًا مجففًا ولوزًا. ابتسمت له فجر، لكن ابتسامتها لم تكن تحمل تلك البهجة المعهودة.

"ما بكِ يا فجر؟" سأل عامر بقلق، وهو يراقب عينيها التي بدت شاردة. "هل من شيءٍ يعكر صفوكِ؟"

ترددت فجر للحظة، ثم همست: "يا عامر، لقد سمعتُ بعض الأحاديث. الناس يتحدثون. والدتي قلقة."

ارتسمت على وجه عامر ابتسامةٌ واثقة: "وهل تعتقدين أن كلام الناس سيغير شيئًا في قلبي؟ حبكِ يا فجر هو بوصلتي، وأنا لا أتبع إلا ما يأمرني به قلبي وضميري. ثم إنني لم أأتِ إلى هنا لألهو وألعب، بل أتيتُ لأبحث عن شريكة حياة، عن زوجةٍ صالحةٍ تكون قرة عيني."

وأضاف بحزم: "سأذهب إلى والدكِ قريبًا، وسأطلب يده يده رسميًا. لا تقلقي أبدًا، فجر. أنا رجلٌ أفعل ما أقول، وأقول ما أفعل."

شعر قلب فجر بالراحة تغمرها. كلماته كانت كالمطر على أرضٍ عطشى. ابتسمت له بصدق، وقد عادت الألوان إلى وجهها. "أثق بك يا عامر."

لكن خلف هذا الاطمئنان، كان هناك ظلٌ يلوح في الأفق. في الطرف الآخر من الواحة، في بيتٍ فخمٍ مبنيٍ من الطين المحروق، كان "سعيد بن منصور" يتلقى أخبارًا لا تسرّه. سعيد، ذلك التاجر الثري الذي امتدت تجارته من المدينة إلى أطراف الصحراء، كان يرى في فجر عروسًا مثالية له. سمع عن جمالها، وعن أدبها، وعن هدوء عائلتها. لم يكن يبالي كثيرًا بفقرهم، فقد كان يرى في تزويجها منه فرصةً لإرضاء غروره وإثبات قوته.

كان سعيد رجلًا مخادعًا، اعتاد على الحصول على ما يريد بأي ثمن. عندما علم أن عامر الشاب الواعد، الذي لا يزال يحمل عبء اسم عائلته القديم، قد بدأ يقترب من فجر، شعر بالغضب والحسد. لم يكن يريد لمثل هذا الشاب أن يظفر بفتاةٍ يراها ملكًا له.

"أخبرني يا سالم،" قال سعيد لرجاله المخلصين، وهو يشرب قهوته السوداء القوية، "ما هو الجديد بخصوص هذا عامر؟ هل اقترب من مبتغاه؟"

أجاب سالم بخبث: "لقد سمعتُ يا سيدي أنه ينوي التقدم لخطبة فجر قريبًا. يبدو أنه وجد دعمًا من أهلها."

عبس سعيد بن منصور: "دعمٌ من أهلها؟ هذه مشكلة. يجب أن نجد طريقةً لإحباط هذا الزواج. عامر هذا، يبدو أنه رجلٌ طموح، وأنا لا أحب أن أرى طموحًا قد ينافسني يومًا ما."

نظر سعيد إلى سالم بعينين باردتين: "ارصد تحركاته. وأبحث عن أي نقطة ضعف لديه، أي شيءٍ يمكن أن نستخدمه ضده. أريد أن أتأكد أن هذا الزواج لن يتم. فجر لي، ومن يقف في طريقي سيجدني عقبةً لا يمكن تجاوزها."

بينما كانت مشاعر فجر وعامر تتفتح كزهرة صحراوية في جوف الرمال، كانت المكائد تنسج في الظلام. لم تكن فجر تدرك حجم الصراع الذي بدأ يحتدم حولها، ولم تكن تعلم أن قصة حبها قد تصبح مسرحًا لمواجهاتٍ أشد قسوةً من عواصف الصحراء. كان سرٌ عميقٌ يكمن في قلب الرمال، ينتظر لحظة انكشافه ليغير مجرى كل شيء.

شارك هذا الفصل:

เว็บไซต์นี้ใช้คุกกี้

เราใช้คุกกี้เพื่อปรับปรุงประสบการณ์การอ่านนิยายของคุณ วิเคราะห์การเข้าชม และแสดงโฆษณาที่เกี่ยวข้อง รายได้จากโฆษณาช่วยให้เราให้บริการอ่านนิยายฟรีต่อไปได้ อ่านรายละเอียดเพิ่มเติมที่ นโยบายความเป็นส่วนตัว

ตะกร้า eBook

ตะกร้าว่างเปล่า

เพิ่ม eBook ลงตะกร้าเพื่อรับส่วนลดพิเศษ

ส่วนลด Bundle

ซื้อ 3-4 เล่มลด 10%
ซื้อ 5-9 เล่มลด 15%
ซื้อ 10+ เล่มลด 20%