قدر الحب
رياح الياسمين وأسرار القلب
بقلم سارة العمري
كانت رائحة الياسمين تملأ الأجواء، ممزوجة بعبق الندى الصباحي الذي يلتصق بأوراق الشجر في حديقة منزل الجد الأبي، وكأنها تحمل معها أسراراً قديمة وحكايات لم تُروَ بعد. وقفت "ليلى" عند النافذة المطلة على هذا البستان الغنّاء، تتأمل أشعة الشمس وهي ترقص على حبات الندى، فتستحضر دفء الأمل الذي كثيراً ما شعرت بغيابه في الأيام العادية. كان اليوم مختلفاً، يومٌ يحمل في طياته ثقلاً غير اعتيادي، ثقلاً استقر في قلبها منذ أن وصلتها الدعوة.
لم تكن مجرد دعوة عادية، بل كانت تتويجاً لمسيرة طويلة من التوقعات والترقب. دعوةٌ لحفل خطبة، خطبةٌ لمحمد، ابن العم الذي طالما أحاطتها بحمايته ورعايته، والتي طالما رأت في عينيه بريقاً لا تستطيع تجاهله. لكن اليوم، لم يكن البريق بريقاً عادياً، بل كان شعلةً ساطعة، تحمل وعداً ببداية جديدة، وبدايةٍ تتلاقى فيها مساراتهم في إطارٍ سماوي مبارك.
ارتدت ليلى فستانها الأزرق السماوي، لونٌ استقته من جمال سماء ذلك الصباح، وازدانت بهدوءٍ ووقار. كان فستاناً بسيطاً، لكنه يحمل في طياته أناقةً تتجاوز حدود الموضة، فزينة الفتاة المسلمة لا تكمن في التباهي، بل في الاحتشام والجمال المستتر. وضعت لمسةً خفيفة من العطر، عطرٌ يمزج بين عبير الزهور الشرقية ورائحة البخور العتيقة، ليضفي عليها هالةً من الغموض والرقة.
نزلت السلالم الخشبية بصوتٍ خافت، يكسره صوت خطواتها المتأنية. في الأسفل، كان الضيوف قد بدأوا بالتوافد، تتناثر بينهم أصوات النسوة الضحكات العالية، وصوت الرجال يتحدثون بوقار. اعتادت ليلى هذا الزخم الاجتماعي، فهي تنتمي لعائلةٍ كبيرة، تعتز بتقاليدها وتتشبث بصلاتها الاجتماعية. لكن اليوم، كانت تشعر بارتباكٍ غريب، كأنها تسير على حافةٍ رفيعة بين الفرح المنشود والقلق الذي لا مبرر له.
"ليلى يا حبيبتي! أخيراً نزلتِ!" هتفت أمها، وهي تحتضنها بحرارة. "أتيتِ كالملكة في يوم حصادها." ابتسمت ليلى ابتسامةً خفيفة، حاولت أن تخفي بها ارتباكها. "كيف لي أن أتأخر في يوم كهذا يا أمي؟"
تقدمت نحو قاعة الاستقبال الرئيسية، حيث كانت زينة المكان تسر الناظرين. الزهور البيضاء تغمر المكان، تتوسطها شموعٌ تضيء بقوة، وتتخللها فوانيسٌ نحاسيةٌ عتيقة. كانت الأجواء تبعث على البهجة والسرور، لكن ليلى كانت تشعر بأنها محاصرةً داخل فقاعةٍ صامتة، تسمع فيها دقات قلبها وهي تتسارع.
ثم رأته. كان يقف عند أحد الأركان، يتحدث مع والده، وعيناه تبحثان عنها. محمد. لم يكن يبدو كالمعتاد. كانت هناك هالةٌ من الجدية تخيم عليه، ونظرةٌ عميقةٌ في عينيه لم تعهدها من قبل. شعر بها، وشعر بنظراتها. التقت عيونهما للحظةٍ قصيرة، لحظةٌ بدت وكأنها امتدت إلى الأبد، مليئةٌ بالكلمات التي لم تُنطق، والأشواق التي لم تُفصح.
لمعت في عينيه ذراتٌ من الحنان، مختلطةٌ بشيءٍ من التحدي، أو ربما الأمل. كان يرتدي بذلةً داكنةً زادته وسامةً، وكان وقوفه برشاقةٍ طبيعيةٍ يعكس ثقته بنفسه. عندما ابتسم لها، شعر قلبها بخفقةٍ مفاجئة، كأنها فراشةٌ استيقظت من سباتها.
تجاوزت ليلى والدتها، وتوجهت نحوه بخطواتٍ مدروسة. كان أقرب الناس إليها، الصديق والأخ، والآن... شريك الحياة. كيف سيتحول هذا الرابط المقدس من الصداقة إلى الحب؟ هل كان جاهزاً؟ هل كانت جاهزة؟
"مساء الخير يا محمد." قالت بصوتٍ واهن، وهي تبذل جهداً كي لا ترتجف. "مساء النور يا ليلى. تبدين كالقمر الليلة." ردّ بصوتٍ عميق، كان يشعرها بأن كلماته تلامس روحها. "وهذا كلامٌ من مسؤول، لا مجرد مجاملة." قالت ليلى، وهي تبتسم ابتسامةً أخفتت جزءاً من ارتباكها. "لا، بل هو حقيقة. لا أرى في هذه القاعة أجمل منك." قال، وأخذت كلماته هذه طابعاً غير عادي. كانت تلمح فيه جديةً واضحة، وربما شغفاً مكبوتاً.
في تلك اللحظة، تقدمت والدة محمد، السيدة فاطمة، امرأةٌ وقورةٌ تحترمها ليلى بشدة. "يا محمد، ما زلت هنا؟ والدك ينتظرك، ولدينا بعض الترتيبات مع والد ليلى." "حاضر يا أمي." قال محمد، ثم التفت إلى ليلى. "لا تبتعدي، فلدي حديثٌ أود أن أطيل فيه معكِ." نظرت ليلى إليه، متسائلةً عن طبيعة هذا الحديث، وعن الشغف الذي لم تره في عينيه من قبل.
كانت الأمسية تمضي، والأحاديث تتوالى، والضحكات تتعالى. لكن عقل ليلى كان مشغولاً بحديث محمد، بكلماته، بنظراته. كانت تشعر بأن هناك شيئاً أكبر يحدث، شيئاً يتجاوز مجرد خطبةٍ تقليدية. كان الأمر أشبه ببدء رحلةٍ إلى المجهول، رحلةٌ تتطلب شجاعةً وإيماناً.
بعد قليل، لمحته مرةً أخرى، قادماً نحوها. كان يحمل في يده شيئاً ملفوفاً في قماشٍ مخملي داكن. اقترب منها، ووقف أمامها، ينظر إليها بعمق. "ليلى،" بدأ، وصوته أكثر هدوءاً هذه المرة. "هذا ليس مجرد يومٍ عادي. هذا اليوم هو بدايةٌ لنا." ثم فتح الصندوق الصغير، ليكشف عن خاتمٍ ماسيٍ بسيط، يتلألأ ببريقٍ ناعم، كأنه يحمل ضوء النجوم.
"هذا ليس مجرد خاتم،" قال بصوتٍ يكاد يكون همساً، "بل هو وعد. وعدٌ مني لكِ، بأن أكون سندكِ، ورفيق دربكِ، وبأن نحافظ على هذه الرابطة المباركة بكل ما نملك." مدّ يده إليها، والخاتم مستقرٌ على وسادةٍ مخملية. نظرت ليلى إلى الخاتم، ثم إلى عينيه. كانت ترى فيهما صدقاً، ورجولةً، وعهداً. شعرت بأن الأيام القادمة ستحمل معها الكثير، وأن هذه الخطوة ما هي إلا بدايةٌ لحكايةٍ أكبر، حكايةٌ مكتوبةٌ بمداد الحب الحلال.
"أقبله، يا ليلى." قال بصوتٍ أعمق، وكأنه يستحثها على الاستجابة، لا فقط للخاتم، بل للقدر الذي جمعهما. ترددت ليلى لحظةً، لم يكن تردداً في القبول، بل كان تردد الخوف من عدم قدرتها على الوفاء بالعهد، وعدم استحقاقها لهذا القدر الكبير من الحب. لكنها نظرت في عينيه مرةً أخرى، ورأت فيهما الطمأنينة.
"نعم، أقبله." قالت بصوتٍ ثابت، وهي تمد يدها، وقلبها يخفق بشدة. عندما وضع الخاتم في إصبعها، شعرت ببرودته، ثم بدفءٍ ينتشر في عروقها. كان لقاءً خفيفاً لأصابعهما، لم يدم سوى لحظة، لكنه ترك في روحها أثراً عميقاً. "شكراً لك، محمد." قالت، وصوتها يحمل نبرةً جديدة، نبرةَ امرأةٍ على وشك أن تبدأ حياةً جديدة. "الشكر لكِ، يا ليلى." قال، وكانت عيناه تحملان وعداً بأن هذه الرحلة ستكون جميلة.
استدارت ليلى، تشعر بثقل الخاتم على إصبعها، وثقل العهد في قلبها. كانت تعلم أن هذه الخطوة ليست مجرد نهايةٍ لبداية، بل هي بدايةٌ لقصةٍ ستُكتب فصولها بعناية، قصة حبٍ مبارك، قصةٌ عنوانها "قدر الحب".