الفصل 10 / 25

قدر الحب

لقاء في سوق العطارين

بقلم سارة العمري

استيقظت ليلى مع أول خيوط الفجر، نسيم بارد يداعب وجهها عبر النافذة المفتوحة. كان قلبها يرتعش شوقاً، لا لشمس اليوم الجديد، بل لما قد يحمله من لقاء. منذ أن رأت يوسف في معرض الكتاب، لم تفارقه صورته. لم تكن مجرد وسامة، بل كان في عينيه عمقٌ روحاني، وفي ابتسامته براءةٌ تبعث على الطمأنينة. كانت تدرك تماماً أنها تخوض في بحرٍ قد لا يكون آمناً، فهي فتاةٌ ملتزمة، وكثيرٌ من الأحلام التي تراودها غالباً ما تصطدم بواقعٍ معقد. ولكن، كيف تقاوم روحٌ تتوق إلى الحب الحلال، إلى تلك الرفقة التي أمر بها الله؟

ارتدت ثوبها البسيط، ثم تعممت بحجابها الذي يبرز جمال عينيها الفاتنتين. نزلت إلى المطبخ حيث كانت والدتها تعد إفطاراً خفيفاً. "صباح الخير يا أمي." قالت بصوتٍ يعلوه بعض الارتباك. "صباح النور يا ابنتي. تبدين وكأنكِ رأيتِ قمراً في المنام." ردت الأم بابتسامةٍ دافئة، علمت أن ابنتها لا تزال تفكر في الشاب الذي قابلته. "مجرد حلمٍ جميل يا أمي. هل أحتاج مساعدة؟" "لا، ابنتي. تناولي فطوركِ بهدوء. لديكِ اليوم موعدٌ في سوق العطارين، أليس كذلك؟" "نعم، سألتقي بالسيدة أمينة لشراء بعض الأعشاب النادرة لوصفاتي." أجابت ليلى، متمنيةً أن يكون اللقاء مع يوسف قدراً محتوماً.

انطلقت ليلى إلى السوق، حيث تفوح رائحة البخور والتوابل وتتداخل مع عبير الزهور المجففة. كان السوق عالماً قائماً بذاته، يعج بالحركة والناس. بينما كانت تتجول بين الأكشاك، تبحث عن مكان السيدة أمينة، سمعت صوتاً مألوفاً ينادي باسمها. التفتت، فإذا بيوسف يقف أمامها، يبدو أكثر وسامةً وروعةً مما تذكر. كان يحمل بيده كتاباً صغيراً، ولحيته المشذبة تضفي عليه وقاراً.

"ليلى؟ ما هذه المفاجأة السارة؟" قال مبتسماً، وقلبه يخفق بسرعة. لم يكن يتوقع أن يجدها هنا. كان قد فكر في البحث عن وسيلة للتواصل معها، لكنه تردّد خوفاً من أن يزعجها أو يتجاوز حدوده. "يوسف! أهلاً بك. أنا سعيدةٌ جداً بلقائك." قالت ليلى، حاولت أن تضفي على صوتها هدوءاً مصطنعاً، لكن وجنتيها قد احمرتا. "هل تبحثين عن شيءٍ معين؟ ربما يمكنني مساعدتك." سأل يوسف، يشعر ببعض الجرأة المفاجئة. "كنت أبحث عن السيدة أمينة، عطارةٌ معروفة هنا. أحتاج بعض الأعشاب." "آه، أعرفها جيداً. هي تجلس قرب ركن البخور. دعيني أرافقك."

سار الاثنان جنباً إلى جنب، صامتين لدقائق، كلٌ منهما يلتهم الآخر بنظراته. ليلى كانت تشعر بدفءٍ يغمرها، وكأن قلبيها قد تآلفا منذ زمنٍ بعيد. أما يوسف، فكان يتأمل جمالها الهادئ، ورقة حركاتها، وهي تتجاوز الأكشاك المزدحمة.

وصلا إلى دكان السيدة أمينة، امرأةٌ عجوزٌ حكيمة، بعينين تشعّان بالفضول والحياة. رحبت بهما بحرارة. "أهلاً يا ليلى، ويبدو أن لديكِ ضيفاً عزيزاً اليوم." قالت بابتسامةٍ ماكرة. "هذه السيدة أمينة، يوسف." عرفتهما ليلى. "تشرفت بك يا ابني." قالت السيدة أمينة، تتأمل يوسف بنظرةٍ متفحصة. "الشرف لي يا خالة." رد يوسف باحترام.

بدأت ليلى في اختيار الأعشاب، وبينما كانت تتحدث مع السيدة أمينة، كان يوسف يراقبها، متأثراً بحديثها عن الطب النبوي والأعشاب وفوائدها. كان يجد في كل كلمةٍ تنطق بها عمقاً ومعرفةً، ورقةً في التعامل.

"أرى أن لديكِ شغفاً كبيراً بالأعشاب يا ليلى." قال يوسف عندما خرجا من الدكان، والسيدة أمينة قد جهزت لها طلباتها. "نعم، إنه إرثٌ من جدتي. كانت طبيبةً بالأعشاب، وكانت علمتني الكثير." "هذا رائع. هل تستخدمينها في طبخك؟" "أحياناً، لكنني أركز أكثر على العلاجات الطبيعية. لديّ كتابٌ صغيرٌ بدأته، أجمع فيه الوصفات التقليدية." "لفتتني هذه الكلمة "كتاب". هل هو مطبوع؟" سأل يوسف بفضول. "لا، إنه مجرد مسودة. أكتب فيه كل ما تعلمته." "هل يمكنني رؤيته يوماً ما؟ يهمني جداً هذا النوع من التراث." طلب يوسف، وقلبه ينبض بالأمل.

توقفت ليلى قليلاً، تفكر في طلب يوسف. كانت تتردد في مشاركة أفكارها مع أي شخص، لكن في عينيه كانت ترى صدقاً ورغبةً حقيقية. "حسناً، ربما في لقاءٍ آخر." قالت بخجل. "سأكون ممتناً جداً. ومتى سنلتقي مرةً أخرى؟" سأل يوسف، يشعر بأنه يتجاوز الحدود قليلاً، لكنه كان يرغب في رؤيتها مرةً أخرى. "غداً، ربما، في معرض الكتاب. سمعت أن هناك عرضاً خاصاً لكتابٍ نادر." "معرض الكتاب؟ أنا أيضاً كنت أفكر بالذهاب. سأبحث عنكِ." قال يوسف بفرح، وتأكد أن القدر قد سار في طريقه.

انتهى اللقاء، ودعت ليلى يوسف، وقلبها يغني. كانت تعلم أن هذا اللقاء لم يكن محض صدفة، بل كان خطوةً جديدة في قدرٍ قد يجمعها به. بينما كانت تسير مبتعدة، نظرت خلفها، فرأته واقفاً، يتأملها بابتسامةٍ لا تفارق وجهه. تأكدت في تلك اللحظة أن هذا الحب، إن كان حباً، فسيكون حلالاً، وسيُبنى على أساسٍ من الاحترام والتقوى.

كانت السيدة أمينة تراقب ما يحدث من بعيد، بابتسامةٍ حكيمة. "الشباب اليوم... يبحثون عن الحب في كل مكان، ولكن القلوب الطاهرة تجد طريقها دائماً." تمتمت لنفسها، وعادت إلى ترتيب أعشابها، وقد وضعت بذرة أملٍ في قلبها لما سيأتي.

أما يوسف، فقد عاد إلى عالمه، ولكن عالمه قد تغير. لم يعد يوسف الشاب الذي كان بالأمس. لقد أصبح يحمل في قلبه صورة ليلى، ويترقب لقاءً آخر، آملاً أن يكون هذا اللقاء بدايةً لقصةٍ تليق بنقاء روحها. كان يعلم أن الطريق قد يكون طويلاً، لكنه مستعدٌ للسير فيه، متوكلاً على الله، ومستعيناً بدعوات والدته الطيبة.

وفي تلك الأثناء، كان والد ليلى، الحاج أحمد، في مجلسه المعتاد مع أصدقائه. كان يتحدث عن أهمية صلة الرحم، والتأكيد على اختيار الزوجة أو الزوج الصالح. "إن الزواج ليس مجرد علاقة، بل هو ميثاقٌ غليظ، أساسه الدين والخلق. وعلى الآباء والأمهات أن يحرصوا على تزويج أبنائهم ممن يخشون الله فيهم، ويصونون أعراضهم." كانت كلماته تنبع من تجربةٍ طويلة، ورغبةٍ صادقة في رؤية أبنائه وبناته سعداء في دينهم ودنياهم. وهو، في قرارة نفسه، كان يبحث عن زوجٍ مناسب لابنته ليلى، ولم يكن يعلم أن القدر يضع أمامه شاباً سيغير مجرى حياتها.

عاد الحاج أحمد إلى منزله، ليجد ليلى قد عادت، وكانت رائحة الأعشاب تفوح منها. استقبلها بالترحاب، وسأل عن يومها. لم تقل ليلى شيئاً عن لقائها بيوسف، لكن ابتسامتها الهادئة أخبرته بالكثير. كانت الفتاة التي ربتها على الحياء والاحترام، ولم تكن تخشى عليها.

انتهى الفصل، وبقي في جوف الليل سرٌ دفين، ينتظر أن يبوح به القدر.

شارك هذا الفصل:

เว็บไซต์นี้ใช้คุกกี้

เราใช้คุกกี้เพื่อปรับปรุงประสบการณ์การอ่านนิยายของคุณ วิเคราะห์การเข้าชม และแสดงโฆษณาที่เกี่ยวข้อง รายได้จากโฆษณาช่วยให้เราให้บริการอ่านนิยายฟรีต่อไปได้ อ่านรายละเอียดเพิ่มเติมที่ นโยบายความเป็นส่วนตัว

ตะกร้า eBook

ตะกร้าว่างเปล่า

เพิ่ม eBook ลงตะกร้าเพื่อรับส่วนลดพิเศษ

ส่วนลด Bundle

ซื้อ 3-4 เล่มลด 10%
ซื้อ 5-9 เล่มลด 15%
ซื้อ 10+ เล่มลด 20%