الفصل 15 / 25

قدر الحب

همسات الماضي وظلال المستقبل

بقلم سارة العمري

كانت نسمات المساء الرقيقة تحمل معها عبق الياسمين المتسلق على جدران بيت الجدة العتيق، تتسلل إلى غرفة فاطمة وهي تحتضن كتاباً بين يديها، ولكن عقلها كان شاردًا في مكان آخر، في حديثها الأخير مع أحمد. لم تكن مجرد كلمات عابرة، بل كانت بوصلة وجهتها نحو مدارات لم تكن تتوقع أن تسلكها. لقد لامس أحمد وترًا حساسًا في روحها، وترًا كان يعزف لحنًا صامتًا منذ زمن.

شعرت فاطمة بارتباك خفي، مزيج من السعادة المكتومة وقلق ينمو كشجرة صغيرة في أرض لم تُزرع بعد. أحمد، الشاب المهذب، ذو العينين اللامعتين بالصدق، والرجل الذي لم تكن تتوقع أن تجد فيه أكثر من مجرد صديق للعائلة، بدأ يتسلل إلى مساحات أعمق في قلبها. هل كان هذا هو ما تعنيه الجدة بقولها: "القلوب لا تسأل الإذن، ولكن العقول يجب أن ترسم الحدود"؟

تذكرت كلمات أمها الحانية وهي تحدثها عن أهمية اختيار شريك الحياة، عن التوافق لا المظاهر، عن السكن والمودة التي يبنيها الزوجان على أساس متين من الإيمان والأخلاق. كانت أمها دائمًا ما تردد: "الزواج ميثاق غليظ، وهو بداية لأسرة تحمل اسمًا، اسمًا يجب أن نفخر به." وهل كان أحمد يستحق أن يكون جزءًا من هذا الميثاق؟

في المقابل، كانت سارة، صديقة فاطمة المقربة، تشعر بضيق في صدرها. كانت ترى التغيير الذي طرأ على فاطمة، ذلك البريق الجديد في عينيها، والابتسامة التي ترتسم على شفتيها عند ذكر اسم أحمد. لم تكن سارة تغار، ولكنها كانت تخشى على صديقتها. كانت تعلم أن أحمد لديه أخت، فتاة تُدعى ليلى، لطالما سمعت عنها قصصًا لا تبشر بالخير. كانت ليلى معروفة بتدخلاتها في حياة أخيها، وبحرصها الشديد على من يختاره.

همست سارة لنفسها وهي تتصفح صورًا قديمة لهما معًا، صورتان لفاطمة وأحمد في إحدى المناسبات العائلية. كانت الابتسامة على وجه فاطمة طبيعية، ولكن نظرة أحمد كانت تحمل شيئًا من الرسمية. "هل حقًا أن أحمد أصبح قريبًا من قلب فاطمة لهذه الدرجة؟" تساءلت. "أم أن الأمور ليست بهذه البساطة؟"

في تلك الليلة، وبعد أن استقرت فاطمة في فراشها، شعرت بتيار من المشاعر يجتاحها. كانت تفكر في نظرات أحمد، في كلماته التي كانت تحمل معاني أعمق من السطح، في الطريقة التي يستمع بها إليها وكأنها أهم شخص في العالم. ثم سرعان ما عاد إليها شبح ليلى. كانت ليلى قد عبرت عن تحفظاتها أمام والديها بخصوص زواج أحمد أكثر من مرة، كانت تريد له شريكة من عائلة مرموقة، ذات نسب وأصل. هل ستكون فاطمة، ابنة الحاج محمود، البسيطة والمتواضعة، مقبولة لديها؟

أغمضت فاطمة عينيها، ورسمت في مخيلتها صورة ليوم الخطوبة، يدها في يد أحمد، نظرات الرضا في عيون الأهل. ثم تراجعت الصورة، لتحل محلها وجه ليلى العابس، وصوتها المتحكم. شعرت بانقباض في قلبها. هل كانت مشاعرها تجاه أحمد مجرد وهم؟ هل كان من الخطأ أن تسمح لهذه البذرة بالنمو؟

في صباح اليوم التالي، التقت فاطمة بسارة في حديقة المنزل، حيث كانت رائحة الورد تفوح في الجو. كانت سارة تحمل في يديها كوبي قهوة. "صباح الخير يا فاطمة." قالت سارة وهي تقدم لها كوبًا. "صباح النور يا سارة. شكرًا لكِ." ردت فاطمة وهي تأخذ الكوب. "كيف حالك؟ تبدين مختلفة اليوم." سألت سارة بنبرة تحمل شيئًا من القلق. ابتسمت فاطمة ابتسامة خفيفة. "أنا بخير. فقط أفكر." "في ماذا؟ في أحمد؟" قالت سارة مباشرة، دون مقدمات. ترددت فاطمة لحظة، ثم هزت رأسها. "نعم، في أحمد. وفي كل شيء." "أعلم أنكِ ربما بدأتِ تشعرين بشيء تجاهه. وأنا سعيدة لكِ، حقًا." قالت سارة بصدق. "ولكن، هل فكرتِ في ليلى؟" تنهدت فاطمة. "لقد فكرت في ليلى كثيرًا. هي تخيفني يا سارة." "إنها تخيف الجميع." ضحكت سارة ضحكة خفيفة، ثم عاد الجد ليحتل ملامحها. "أحمد رجل طيب، ولكن أخته... أخته تبدو وكأنها تريد التحكم في كل شيء. أتذكر عندما حاولت التدخل في خطبة ابنة عمها، وكيف سببت المشاكل." "لهذا السبب أشعر بالقلق." قالت فاطمة. "أخشى أن تكون هذه المشاعر بيني وبين أحمد مجرد بداية لمشاكل أكبر." "ولكن، ما الذي تشعرين به حقًا يا فاطمة؟" سألت سارة بتصميم. "هل هو مجرد إعجاب عابر، أم شيء أعمق؟" نظرت فاطمة إلى عيني سارة. "لا أعرف يا سارة. كل ما أعرفه هو أنني عندما أكون معه، أشعر براحة غريبة. أشعر أنني مفهومة. وأن هناك شيئًا نبيلًا في شخصيته." "هذا بحد ذاته شيء جميل." قالت سارة. "ولكن، يجب أن تكوني مستعدة لكل الاحتمالات. ليلى لن تكون سهلة." "أتمنى أن أكون مخطئة." قالت فاطمة. "ولكن، ماذا لو كانت ليلى على حق؟ ماذا لو لم أكن مناسبة لأحمد؟" "ومن يحدد المناسب؟" سألت سارة بحدة. "العائلات؟ أم القلوب؟ أحمد رجل عاقل، وهو الذي سيختار. وليس ليلى." "ولكن، سمعتها." قالت فاطمة. "السمعة تبنى، يا فاطمة. وهي تبنى بالأفعال، لا بالكلام. وأنتِ، أفعالكِ طيبة، وأخلاقكِ حميدة، وعائلتكِ كريمة. لا تدعي كلام الناس، أو مخاوفكِ، تمنعكِ من رؤية ما قد يكون في قلبك." نظرت فاطمة إلى السحاب المتناثر في السماء. كانت كلمات سارة بلسمًا، ولكن القلق ظل يراودها. كان عليها أن تواجه هذه المخاوف، وأن تتخذ قرارًا. لم تعد تستطيع أن تعيش في دوامة التردد. الحب، إذا كان حقًا حبًا، يجب أن يكون أقوى من أي مخاوف. ولكن، كيف يمكن أن تكون قوية أمام شخص مثل ليلى؟

اختتمت فاطمة حديثها مع سارة بنبرة تأمل. "سأفكر في كل هذا، يا سارة. وأنا ممتنة لصداقتكِ، ووقوفكِ بجانبي." "دائمًا يا فاطمة." قالت سارة وهي تحتضنها. "وأعلم أنكِ ستختارين ما هو الأفضل لكِ. فقط لا تخافي." ودعت فاطمة سارة، وعادت إلى منزلها، وعقلها يعج بالأفكار. كان عليها أن تتحدث مع أحمد بصراحة، أن تفهم منه موقفه تجاه أخته، وأن تعرف ما إذا كانت هذه العلاقة ستقف على قدميها، أم ستنهار قبل أن تبدأ. كانت هذه هي الخطوة التالية، خطوة تحمل في طياتها إجابات، وربما أسئلة جديدة.

شارك هذا الفصل:

เว็บไซต์นี้ใช้คุกกี้

เราใช้คุกกี้เพื่อปรับปรุงประสบการณ์การอ่านนิยายของคุณ วิเคราะห์การเข้าชม และแสดงโฆษณาที่เกี่ยวข้อง รายได้จากโฆษณาช่วยให้เราให้บริการอ่านนิยายฟรีต่อไปได้ อ่านรายละเอียดเพิ่มเติมที่ นโยบายความเป็นส่วนตัว

ตะกร้า eBook

ตะกร้าว่างเปล่า

เพิ่ม eBook ลงตะกร้าเพื่อรับส่วนลดพิเศษ

ส่วนลด Bundle

ซื้อ 3-4 เล่มลด 10%
ซื้อ 5-9 เล่มลด 15%
ซื้อ 10+ เล่มลด 20%