الفصل 2 / 25

قدر الحب

أسرار الماضي وهمسات المستقبل

بقلم سارة العمري

بعد انتهاء مراسم الخطبة الرسمية، وبينما كانت أصداء التهاني تتردد في أرجاء القاعة، وجدت ليلى نفسها في حديقة المنزل، تحت ضوء القمر الذي بدأ يتسلل من بين الغيوم. لم تكن تبحث عن الهروب، بل عن لحظةٍ تتنفس فيها عبق ذكرياتٍ قديمة، ولحظةٌ تفكر فيها بكل هدوءٍ فيما ينتظرها. كان قلبها لا يزال يخفق بنشاط، مزيجاً من السعادة والرهبة.

جلست على مقعدٍ خشبي قديم، كان جدها قد بناه بيديه منذ سنوات، وكان شاهداً على كثيرٍ من أحاديث الطفولة والمراهقة. مرت يدها على خشب المقعد، تتلمس نقوشه الباهتة، وكأنها تستعيد بصمات أيامٍ مضت. تذكرت كيف كانت تجلس هنا مع محمد، يتسامران في أوقاتٍ كانت تبدو بسيطةً وعادية، لكنها الآن تحمل قيمةً خاصة.

كان محمد قد تركها للحظات، ليشارك والديه احتفالاتهم، ووعدها بالعودة. كانت هذه اللحظات الثمينة فرصةً لها لترتيب أفكارها. لم تكن مجرد فتاةٍ تحلم بالزواج، بل كانت تحمل في قلبها أثقالاً، وذكرياتٍ لم تكن كلّها سعيدة. كانت تربيتها في بيتٍ محافظ، وحرصها على تعاليم دينها، قد جعلاها تضع حواجز عالية أمام علاقاتها، لكن محمد كان دائماً استثناءً.

تذكرت يوم حادثةٍ بسيطةٍ في المدرسة، عندما تعرضت للتنمر بسبب حجابها. كان محمد، رغم صغر سنه آنذاك، قد وقف إلى جانبها، ودافع عنها بشراسة، وواجه من حاولوا إيذائها. منذ ذلك اليوم، شعرت بأنها مدينةٌ له، وأنها تحمل له قدراً من الاحترام يتجاوز حدود الصداقة.

وبينما هي غارقةٌ في ذكرياتها، سمعت صوتاً هادئاً يناديها: "ليلى؟" رفعت رأسها، لتجد محمد يقف أمامها، وبدا وجهه في ضوء القمر وكأنه لوحةٌ فنية. كان يحمل في يده كوبين من الشاي بالنعناع. "لم أرد أن أزعجكِ، لكنني ظننت أنكِ قد تحتاجين إلى بعض الهدوء." قال، وقدم لها أحد الكوبين. "شكراً لك، محمد. هذا لطفٌ منك." قالت، وهي تأخذ الكوب، وتستنشق عبير النعناع المنعش.

جلس بجانبها، بصمتٍ استغرق لحظةً، ثم قال: "يبدو أنكِ تفكرين بعمق. هل كل شيءٍ على ما يرام؟" نظرت إليه، ورأت في عينيه الصدق والرغبة في الاطمئنان عليها. "نعم، كل شيءٍ على ما يرام. فقط... أحاول استيعاب كل ما حدث." "أعلم. إنه يومٌ كبيرٌ لنا جميعاً." قال، ثم أخذ نفساً عميقاً. "ليلى، أريد أن أتحدث معكِ بصراحةٍ تامة، لأن هذا هو أساس ما نبنيه."

كانت كلماته مفاجئةً لها. توقعت أن يكون الحديث عن المستقبل، عن الخطط، لكنه أراد أن يتحدث عن الأساس. "أنا أستمع." قالت، وشعرت بفضولٍ يشتعل بداخلها.

"أنا أحترمكِ جداً يا ليلى. احترامٌ لم أشعر به تجاه أي فتاةٍ أخرى. منذ صغرنا، كنتِ دائماً مصدر إلهامٍ لي. طريقتكِ في التعامل مع الأمور، صبركِ، إيمانكِ." توقف قليلاً، ثم تابع: "لكنني أعرف أيضاً أن ماضيكِ لم يكن خالياً من الألم. والدتكِ، رحمها الله، كانت امرأةً قوية، لكن رحيلها المبكر ترك فراغاً كبيراً."

توقفت ليلى للحظة، لم تتوقع أن يتطرق محمد إلى هذا الموضوع الحساس. كانت والدتها قد توفيت عندما كانت في سن المراهقة، وتركت وراءها ذكرياتٍ مؤلمة، وقصصاً لم تُروَ كاملة.

"لقد فقدتُ والدي أيضاً قبل سنواتٍ ليست بالبعيدة." قال محمد، وبدا صوته يحمل ثقلاً غريباً. "لكن قصة والدتكِ... سمعتُ عنها بعض التفاصيل من جدتي. لم يكن انفصالها عن والدكِ سهلاً، ولم تكن الظروف مواتيةً لها."

كانت هذه المعلومة صدمةً لليلى. لم تكن تعرف أن محمد يعرف شيئاً عن تفاصيل انفصال والديها، وهو الأمر الذي ظل محاطاً بالغموض والسرية في عائلتهما. والدتها كانت قد انفصلت عن والدها قبل وفاتها، لأسبابٍ لم تُفصح عنها صراحةً، لكنها تركت ليلى مع شعورٍ دائمٍ بالذنب والأسى.

"لم أكن أعرف أنك تعرف هذا." قالت ليلى، بصوتٍ خالٍ من أي انفعال، رغم أن قلبها كان يتخبط. "جدتي لم تكن من محبي إخفاء الأسرار، لكنها كانت تعرف أن هذه التفاصيل قد تؤثر عليكِ." قال محمد. "أمي، السيدة فاطمة، كانت صديقةً مقربةً لوالدتكِ. كانت تعرف حجم المعاناة التي مرت بها. وهي، مثلي تماماً، تشعر بأن هناك جزءاً من القصة لم يُكشف."

"ما هو الجزء الذي لم يُكشف؟" سألت ليلى، بفضولٍ ممزوجٍ بالخوف. "لا أعرف بالتحديد،" قال محمد. "لكنني علمت أن والدتكِ تركت رسالةً، أو شيئاً ما، قبل وفاتها. شيئاً قد يوضح الأمور. جدتي حاولت البحث عنه، لكنها لم تجده."

كانت كلمات محمد تشعل في داخل ليلى فتيل ذاكرةٍ قديمة. كانت تتذكر كيف كانت والدتها تمضي ساعاتٍ طويلة في الكتابة، كيف كانت تحتفظ بصندوقٍ خشبيٍ صغيرٍ في خزانة ملابسها. لكن بعد وفاتها، لم تجد شيئاً ذا قيمةٍ ظاهرة.

"لقد حاولتُ البحث في أغراضها بعد وفاتها، لكنني لم أجد شيئاً كهذا." قالت ليلى. "ربما لم يكن البحث في الأغراض الظاهرة كافياً." قال محمد. "والأهم من ذلك، يا ليلى، هو أنني أريد أن أبني معكِ مستقبلاً خالياً من أشباح الماضي. أريد أن تعرفي أنني بجانبكِ، وأننا سنواجه أي تحدياتٍ معاً."

مدّ يده، ووضعها برفقٍ على يدها التي تحمل الخاتم. لم تكن مجرد لمسةٍ جسدية، بل كانت لمسةً تحمل وعداً بالدعم والمساندة. شعرت ليلى بدفءٍ يسري في عروقها، دفع عنها جزءاً من قلقها.

"ماذا تقصد بـ 'أي تحديات'؟" سألت، وهي تنظر إلى الخاتم الماسي المتلألئ. "أقصد أي شيءٍ قد يطفو على السطح. أي سوء فهم، أي حزنٍ قديم. أريد أن أكون الشخص الذي تستطيعين الوثوق به، وأن نبني حياتنا على الصدق والشفافية، لا على الأسرار." قال محمد، وكان صوتُه يزداد قوةً وإقناعاً.

"والدتي... لم تكن تحب الحديث عن انفصالها. كانت دائماً تقول إنها تركت الماضي وراء ظهرها." قالت ليلى، وهي تحاول استعادة ذكريات والدتها. "وربما كانت محقةً في ذلك،" قال محمد. "لكن الماضي، يا ليلى، له طرقٌ غريبةٌ ليظهر من جديد. وأنا، أياً كان ما هو كامنٌ، أريد أن أساعدكِ في كشفه، لا أن أتركه ليفرقنا."

كانت كلماته تعكس نضجاً وجرأةً لم تعهدهما فيه من قبل. شعرت بأن هذا الزواج، وإن كان مقدراً، فإنه سيحمل معهما عبء استكشاف أسرارٍ قديمة، وأسرارٍ تتعلق بوالدتها.

"ما الذي جعلك تتحدث عن هذا الآن؟" سألت ليلى، بصدق. "لأن هذه الخطبة ليست مجرد زواجٍ تقليدي. إنها بناء أسرة. وأي أسرةٍ لا تبنى على أساسٍ متينٍ من الصدق، ستتعرض للانهيار. أنا لا أريد أن نقع في هذا الفخ." قال محمد، وعيناه ثابتتان في عينيها. "أريد أن أكون زوجكِ، ليس فقط في السراء، بل في الضراء أيضاً. وأن أساعدكِ في فهم ماضيكِ، إذا كان هو ما يعيق تقدمنا."

نظرت ليلى إلى محمد، ورأت فيه ليس فقط الشريك، بل الرفيق، والصديق، والمستشار. شعرت بارتياحٍ عميق، وكأن غيمةً ثقيلةً كانت تطفو فوقها قد بدأت بالانقشاع. "حسناً يا محمد." قالت، بصوتٍ أصبح أكثر ثقةً. "إذا كان هذا ما تريده، فهذا ما نريده معاً. أعدكِ بأنني سأكون صادقةً معك، وسأشارككِ كل ما أستطيع."

ابتسم محمد ابتسامةً صادقة، بدت وكأنها تضيء وجهه. "هذا كل ما أحتاجه. هذه هي البداية الحقيقية." تناولا الشاي في صمتٍ مريح، تتخلله همساتُ القمر وأصواتُ الحياة الهادئة في الحديقة. شعرت ليلى بأنها ليست وحدها في مواجهة هذا الماضي الغامض، وأن لديها الآن شريكاً يمكنها الاعتماد عليه. هذه اللحظة، هذه الهمسات، كانت بدايةً لمسارٍ جديد، مسارٍ يتطلب منهما قوةً، وشجاعةً، وإيماناً بقدر الحب الذي يجمعهما.

شارك هذا الفصل:

เว็บไซต์นี้ใช้คุกกี้

เราใช้คุกกี้เพื่อปรับปรุงประสบการณ์การอ่านนิยายของคุณ วิเคราะห์การเข้าชม และแสดงโฆษณาที่เกี่ยวข้อง รายได้จากโฆษณาช่วยให้เราให้บริการอ่านนิยายฟรีต่อไปได้ อ่านรายละเอียดเพิ่มเติมที่ นโยบายความเป็นส่วนตัว

ตะกร้า eBook

ตะกร้าว่างเปล่า

เพิ่ม eBook ลงตะกร้าเพื่อรับส่วนลดพิเศษ

ส่วนลด Bundle

ซื้อ 3-4 เล่มลด 10%
ซื้อ 5-9 เล่มลด 15%
ซื้อ 10+ เล่มลด 20%