الفصل 3 / 25

قدر الحب

خيوط الماضي المتشابكة

بقلم سارة العمري

بعد ليلة الخطبة المباركة، استيقظت ليلى على وقع نسماتٍ عليلةٍ تحمل معها رائحة خبزٍ طازجٍ يعبق من مطبخ أمها. كان صباحاً هادئاً، يختلف تماماً عن ضجيج الأمس، ضجيجٌ حمل معه فرحةً عميقةً وأسئلةً لم تجد لها جواباً. نظرت إلى الخاتم الماسي على إصبعها، وكأنه يذكرها بالوعد الذي قطعته، وبالمسؤولية التي باتت تقع على عاتقها.

في غرفة المعيشة، وجدت والدتها، السيدة عائشة، جالسةً بهدوءٍ، تقلب صفحات كتابٍ قديم. كانت والدتها امرأةً فاضلة، تحمل في وجهها حكمة السنين، وفي عينيها لطفاً بالغاً. لطالما كانت السند الأول لها، والملجأ الذي تعود إليه كلما شعرت بالضياع.

"صباح الخير يا أمي." قالت ليلى، وهي تقبّل يدها. "صباح النور يا حبيبتي. كيف حالكِ بعد سهرة الأمس؟" ردت والدتها، بابتسامةٍ دافئة. "بخير يا أمي، الحمد لله. كانت ليلةً جميلة، ومباركة." قالت ليلى، متجنبةً الإشارة إلى تفاصيل محادثتها مع محمد.

"لقد تحدثتُ مع والدة محمد، السيدة فاطمة. امرأةٌ طيبةٌ وصاحبة قلبٍ كبير." قالت السيدة عائشة. "كنتُ سعيدةً لأنها ستكون جزءاً من عائلتنا. هي ومحمد، كلاهما نعم التربية." "بالفعل يا أمي. محمد نعم الرجل. وفقه الله." قالت ليلى، وشعرت ببعض الخجل وهي تتحدث عن خطيبها.

"أتذكرين يا ليلى، حينما كانت والدتكِ... رحمها الله... تزورنا؟" قالت السيدة عائشة، بلمسةٍ من الحزن في صوتها. توقفت ليلى عن تناول فطورها. كانت والدتها ترحمها، وهو أمرٌ نادرٌ، لأن والدتها لم تكن تميل إلى ذرف الدموع بسهولة. "نعم يا أمي. كانت تأتي غالباً." "أتذكرين صندوقها الخشبي الذي كانت تحتفظ به؟" "نعم، أتذكره. بحثتُ فيه كثيراً بعد وفاتها، لكنني لم أجد شيئاً مهماً."

نظرت السيدة عائشة إلى ليلى، بعينين تحملان عمقاً غريباً. "ربما لم يكن الشيء مهماً هو ما تبحثين عنه. ربما كانت هناك أشياءٌ مخفيةٌ، لم تخطر على بالكِ." "ماذا تقصدين يا أمي؟" سألت ليلى، وشعرت بأن القصة بدأت تأخذ منعطفاً آخر.

"جدتكِ، أم والدتكِ، كانت امرأةً حكيمةً جداً. كانت تعرف قيمة الأسرار، وكيف يمكن لها أن تدمر أو تبني. أعتقد أن والدتكِ، رحمها الله، قد تركت لكِ شيئاً، ليس مجرد ذكرى، بل مفتاحاً."

"مفتاحاً لأي شيء؟" "ربما مفتاحاً لفهم ما حدث. أو ربما مفتاحاً لمستقبلٍ أفضل. لا أعرف بالتحديد. لكنني أدرك أن هناك خيوطاً لم تُحل بعد، خيوطٌ تتعلق بوالدتكِ، وربما بنا نحن أيضاً."

كانت والدة ليلى، السيدة عائشة، هي الأخت الوحيدة لوالدتها. لطالما كانتا قريبتين جداً، وتشاطرت كل شيء. لذا، عندما انفصلت والدة ليلى عن والدها، لم تكن السيدة عائشة طرفاً في الخلاف، بل كانت مستمعةً، ومواساةً.

"هل سمعتِ شيئاً من والدتي عن سبب الانفصال؟" سألت ليلى، مترددة. "والدتكِ كانت دائماً متحفظةً جداً في هذه الأمور، يا ابنتي. كانت تقول إنها لا تريد أن تضعكِ في موقفٍ صعب. لكنني شعرت دائماً بأن هناك سبباً أعمق، سبباً لم تستطع هي التغلب عليه، أو ربما لم تستطع هي أن تشرحه."

"وماذا عن والدي؟ هل تحدث معكِ؟" "تحدث معي، نعم. وكان يشعر بالأسف الشديد. لكنه قال إن العلاقة بينه وبين والدتكِ وصلت إلى طريقٍ مسدود، وأن كل محاولاتهما لإصلاحها باءت بالفشل."

كانت هذه الإجابات، رغم أنها تبدو منطقية، إلا أنها لم تشبع فضول ليلى. شعرت بأن هناك فراغاً، وأن هناك قطعةً مفقودةً في لغز حياتها.

"اليوم، وبعد خطبتكِ من محمد، أشعر بأن الوقت قد حان لنتحدث بصراحةٍ أكبر." قالت السيدة عائشة، ووضعت يدها فوق يد ليلى. "هذه الزيجة هي فرصةٌ لكِ، ولي، بل للعائلة كلها، أن نكشف ما هو مخفي، وأن نبني مستقبلاً قوياً، لا يقوم على أسسٍ مهزوزة."

"ماذا تقترحين يا أمي؟" "ربما نحتاج إلى البحث في مكانٍ أعمق. ليس فقط في أغراض والدتكِ. ربما هناك أوراقٌ قديمة، أو رسائلٌ تركتها لتعرفي الحقيقة عندما تكبرين."

شعرت ليلى بأن نبضات قلبها تتسارع. إن فكرة البحث عن الحقيقة، عن أسباب انفصال والديها، كانت دائماً تراودها، لكنها لم تجد الشجاعة الكافية لخوض هذا البحر المجهول. لكن الآن، ومع خطوبتها من محمد، ومع تشجيع والدتها، بدت الفكرة ممكنة.

"هل تعتقدين أن هذا مهمٌ بالنسبة لمحمد؟" سألت ليلى، وهي تفكر في كلماته عن كشف أسرار الماضي. "بالتأكيد. عندما يريد أن يبني مستقبلاً، فهو يحتاج إلى أن يفهم الماضي. والصدق يبدأ بفهم ما حدث." قالت السيدة عائشة. "ولأن محمد يبدو رجلاً واعياً، وهو ينتمي لعائلةٍ كريمة، فهو سيتفهم هذا الأمر. بل سيشجعكِ عليه."

بعد تناول الفطور، قررت ليلى أن تبدأ بالبحث. ذهبت إلى غرفة والدتها، التي ظلت على حالها منذ وفاتها، كنزيّةً تحمل عبق ذكرياتها. فتحت خزانة الملابس، وبدأت تبحث بتركيزٍ أكبر. لم تبحث عن ملابس، بل عن أي شيءٍ قد يكون ذا قيمةٍ تاريخيةٍ أو عاطفية.

تلمست الرفوف، وقلبت الأدراج. كل شيءٍ بدا عادياً، حتى وقعت عيناها على صندوقٍ خشبيٍ صغير، مختبئٍ في قاع أحد الأدراج. كان الصندوق مزخرفاً بنقوشٍ رقيقة، ولكنه بدا قديماً جداً. لم تكن تتذكره.

"أمّاه!" نادت ليلى، وصوتها يحمل ترقباً. "هل تتذكرين هذا الصندوق؟" جاءت والدتها، ونظرت إلى الصندوق. "نعم، هذا الصندوق. لم أره منذ زمنٍ طويل. كانت والدتكِ تحبه كثيراً."

أخذت ليلى الصندوق، ووضعته على السرير. كان وزنه خفيفاً، ما يعني أنه قد لا يحوي الكثير. فتحت الغطاء، لتجد بداخله أوراقاً قديمة، بعضها أصفر اللون، وبعضها الآخر يبدو كرسائلٍ مكتوبةٍ بخطٍ دقيق.

"هذه رسائل!" قالت ليلى، بلهفة. "ربما تكون هذه هي الرسائل التي تحدث عنها محمد." بدأت بفتح إحدى الرسائل، بحذرٍ شديد. كان الخطُّ قديماً، ولكنه واضح. بدأت تقرأ، وشعرت بأن الزمن يتوقف. كانت الرسائل موجهةً إليها، أو بمعنى أصح، مكتوبةً لها، لتجدها عندما تكبر.

"ابنتي الحبيبة ليلى،" بدأ النص. "إذا كنتِ تقرئين هذه الرسالة، فهذا يعني أنني لم أعد معكِ. أحزنني هذا كثيراً، لكنني سعيتُ لترك هذه الأوراق لكِ، لتفهمي، ولتعرفي الحقيقة."

كانت تلك الكلمات كافيةً لتغمر عيني ليلى بالدموع. بدأت تقرأ الرسائل، واحدةً تلو الأخرى، وشعرت بأنها تعيش قصصاً لم تخطر على بالها. كانت والدتها تتحدث عن الظلم الذي تعرضت له، عن الضغوط التي تعرضت لها، عن الأسباب الحقيقية وراء انفصالها عن والدها.

لم تكن القصة بسيطةً كما كانت تعتقد. كانت هناك أطرافٌ أخرى، وخيانةٌ، وظلمٌ دفع والدتها إلى اتخاذ قرارٍ صعب، قرارٍ أثر على حياتها وحياة ليلى. كانت تفاصيل الرسائل مؤلمة، ولكنها كانت أيضاً كاشفة.

"لقد كنتُ أحبكِ يا ابنتي، أكثر من أي شيءٍ في هذا العالم. ولكنني لم أستطع أن أعيش حياةً مليئةً بالكذب والخداع. اخترتُ أن أترك كل شيءٍ، لأمنحكِ مستقبلاً خالياً من هذا الألم."

شعرت ليلى بأنها فهمت الآن الكثير. فهمت سبب تحفظ والدتها، وفهمت سبب غيابها المبكر. لقد كانت تعاني بصمتٍ، وتحاول أن تحمي ابنتها.

"أتمنى لكِ يا ابنتي حياةً سعيدةً، وزواجاً مباركاً. وأن تجدي في حياتكِ كل ما لم أستطع أنا أن أجده."

بعد قراءة الرسائل، جلست ليلى في صمتٍ، والرؤية أمامها أصبحت أوضح. كانت هناك حقيقةٌ مرة، لكنها حقيقةٌ يجب أن تُعرف. نظرت إلى والدتها، ثم إلى الصندوق، وكأنها تبحث عن إجاباتٍ لم تجدها في الرسائل.

"هذه هي الحقيقة يا أمي." قالت ليلى، بصوتٍ واهن. "والآن، كيف سنتعامل معها؟" نظرت إليها السيدة عائشة، بعينين مليئتين بالحكمة. "الحقيقة، يا ابنتي، قد تكون مؤلمة، لكنها دائماً ما تكون مفتاحاً للشفاء. ومع محمد، وبإذن الله، ستجدين القوة لتتعاملي معها، وتبني مستقبلكِ على أساسٍ من الصدق والحب."

كانت هذه بدايةً جديدة، بدايةً لمعرفةٍ عميقة، وبدايةً لرحلةٍ قد لا تكون سهلة، لكنها رحلةٌ ضرورية.

شارك هذا الفصل:

เว็บไซต์นี้ใช้คุกกี้

เราใช้คุกกี้เพื่อปรับปรุงประสบการณ์การอ่านนิยายของคุณ วิเคราะห์การเข้าชม และแสดงโฆษณาที่เกี่ยวข้อง รายได้จากโฆษณาช่วยให้เราให้บริการอ่านนิยายฟรีต่อไปได้ อ่านรายละเอียดเพิ่มเติมที่ นโยบายความเป็นส่วนตัว

ตะกร้า eBook

ตะกร้าว่างเปล่า

เพิ่ม eBook ลงตะกร้าเพื่อรับส่วนลดพิเศษ

ส่วนลด Bundle

ซื้อ 3-4 เล่มลด 10%
ซื้อ 5-9 เล่มลด 15%
ซื้อ 10+ เล่มลด 20%