قدر الحب
صراع الشكوك وتصدع الثقة
بقلم سارة العمري
بعد يومين من اكتشاف ليلى لرسائل والدتها، شعرت بأن عبئاً جديداً قد استقر في قلبها. لم تعد القصة مجرد ذكرياتٍ مؤلمة، بل أصبحت حقائقَ صارخةً، حقيقةً كانت والدتها تسعى لحمايتها منها، لكنها الآن أصبحت جزءاً من ماضيها الذي لا مفر منه. كانت تفكر ملياً في كل كلمةٍ قرأتها، وفي كل تفصيلٍ ذكرته والدتها، وكيف أن كل هذا قد يؤثر على مستقبلها.
جلست في غرفتها، والصندوق الخشبي مفتوحٌ أمامها، والأوراق مبعثرةٌ حولها. كانت تفكر في محمد، خطيبها، الذي أظهر لها صدقاً ورغبةً في فهم الماضي. لكن هل كان مستعداً لسماع هذه التفاصيل؟ هل كان مستعداً لفهم حجم الظلم الذي تعرضت له والدتها، وكيف أن ذلك قد يؤثر على نظرتها للعلاقات، وللرجال؟
حاولت الاتصال به، لكنها تراجعت في اللحظة الأخيرة. لم تكن تعرف كيف تبدأ الحديث، كيف تشرح له كل شيءٍ دون أن تبدو ضعيفةً أو متخوفةً. كان وعدها له بالصدق، لكن الصدق في هذه الحالة كان يبدو هائلاً، هائلاً لدرجة أنها شعرت بالرهبة.
"يا رب، أعني." تمتمت، وهي تنظر إلى السماء الزرقاء من نافذتها. "امنحني القوة لتجاوز هذه المرحلة."
بعد ظهر اليوم التالي، وبينما كانت ليلى تتجول في السوق الشعبي، تبحث عن بعض المواد الغذائية، لمحها محمد. كان يقف أمام محلٍ لبيع الأقمشة، ويبدو أنه ينتظرها. شعرت ببعض الارتياح، ولكنه ارتياحٌ مختلطٌ بالقلق.
"ليلى! ما الذي تفعلينه هنا؟" قال محمد، بابتسامةٍ دافئة. "أهلاً بك يا محمد. فقط، بعض المشاوير الضرورية." قالت، وهي تحاول أن تبدو طبيعية. "هل أنتِ بخير؟ تبدين شاردة الذهن قليلاً." سأل، وهو يلاحظ التغير في تعابير وجهها.
"نعم، أنا بخير. فقط... بعض الأمور التي تشغل بالي." قالت، وشعرت بأنها بحاجةٍ ماسةٍ للتحدث معه.
"هل يمكن أن نجد مكاناً هادئاً لنتحدث فيه؟ لديّ أيضاً بعض الأمور التي أود أن أشارككِ إياها." قال محمد، وأخذت كلماته طابعاً يوحي بأنه قد يكون هو الآخر يمر بشيءٍ ما.
ذهبا إلى مقهىً هادئٍ، بعيداً عن صخب السوق. طلبا بعض المشروبات، وجلسا في زاويةٍ هادئة. كان الصمت يلفهما لبعض الوقت، صمتٌ لم يكن مريحاً تماماً.
"ليلى،" بدأ محمد، وأخذ نفساً عميقاً. "أتذكرين ما تحدثنا عنه في الحديقة؟ عن أسرار الماضي؟" "نعم، أتذكر." قالت ليلى، وشعرت بأن قلبها يتسارع. "لقد فكرتُ كثيراً في كلامكِ، وفي كلام جدتي. ووجدتُ شيئاً أود أن أشاركه معكِ."
كانت هذه لحظةً حاسمة. شعرت ليلى بأن الأقدار تتشابك. "ما هو؟" سألت، بصوتٍ يكاد يكون مسموعاً.
"لقد تحدثتُ مع والدي. وبالأمس، وجدنا صندوقاً قديماً في مخزن المنزل، صندوقاً كان يعود لوالدتي." قال محمد. "عندما فتحناه، وجدنا بداخله بعض الأوراق. رسائلٌ، ومذكراتٌ."
صُدمت ليلى. هل يمكن أن تكون هذه الأوراق تتعلق بماضي والديها؟ هل يمكن أن تكون والدة محمد قد عرفت شيئاً؟ "هل... هل هذه الرسائل تتعلق بوالدتي؟" سألت، بشغفٍ ممزوجٍ بالخوف.
"لا أعرف بالتحديد. جدتي لم تكن تتحدث كثيراً عن تفاصيل علاقة والدتي بوالدتكِ. لكنني شعرت بأن هذه الأوراق تحمل شيئاً مهماً. والدتي، رحمها الله، كانت امرأةً شديدة الحذر، وقد تكون تركت هذه الأوراق كوصيةٍ لي، أو كتحذيرٍ."
"ماذا مكتوبٌ فيها؟" سألت ليلى، وهي تحبس أنفاسها.
"هذا ما لم أعرفه بعد." قال محمد. "الأوراق مكتوبةٌ بلغةٍ قديمةٍ قليلاً، وأخشى أن أسيء فهمها. لذلك، أردتُ أن أطلب مساعدتكِ. إذا كان الأمر يتعلق بوالدتكِ، فأنتِ الأجدر بفهمها."
نظرت ليلى إلى محمد، ورأت في عينيه صدقاً ورغبةً في المشاركة. كانت هذه فرصةٌ لتبادل الأسرار، لتبادل الحقيقة. "لديّ أيضاً ما أود أن أشارككِ إياه يا محمد." قالت ليلى، وبدأت تحكي له عن اكتشافها لرسائل والدتها.
بينما كانت ليلى تتحدث، كان محمد يستمع باه