قدر الحب
هواجس الليل وشبح الماضي
بقلم سارة العمري
تسلل الليل إلى غرفة سارة كضيف ثقيل، مثقلاً بأصوات المدينة الهامسة وهمسات الشك التي بدأت تتردد في أرجاء قلبها. أضاعت عيناها في الظلام، لا تجد فيه سكينة، بل فراغاً يعكس خواء روحها المتزايد. كانت جلستها على حافة السرير، تتأمل انعكاس صورتها الباهتة على زجاج النافذة، وكأنها غريبة لا تعرفها. لم تعد تلك الفتاة التي كانت تغفو على أحلام وردية، بل امرأة تلفها خيوط القلق والتردد.
كلما حاولت استحضار صورة عمر، تبددت في ضباب من التساؤلات. هل كان مجرد حلم عابر؟ أم واقعٌ مؤلمٌ لم تستطع استيعابه بعد؟ كانت لقاءاتهما، وإن كانت قليلة، قد نسجت في روحها خيوطاً من الأمل، حبالاً رفيعة تتشبث بها في بحر الحياة المتقلب. لكن شيئاً ما كان يمنعها من التماهي الكامل مع هذا الأمل، شيءٌ غامضٌ يتسلل كبرودة الصقيع، يخنق جذوة الفرح قبل أن تتوهج.
نظرت إلى هاتفها الملقى على الطاولة الجانبية، بلمعان شاشته الداكنة. كانت تعلم أن رقم عمر مدونٌ فيه، مكالمة واحدة، رسالة واحدة، قد تبدد كل هذا الضباب. لكن الخوف كان يملكها. خوفٌ لا تعلم مصدره بالضبط، خوفٌ من ماذا؟ من اكتشاف الحقيقة؟ أم من فقدان وهمٍ جميل؟
تذكرت حديث والدتها المفاجئ عن ضرورة التفكير في مستقبلها، عن ضرورة إيجاد شريك حياة. كلامٌ بريء، ولكنه كان بمثابة شرارة أشعلت فتيل قلقها. والدتها، تلك المرأة الصالحة التي كرست حياتها لأسرتها، لم يكن لديها علمٌ بما يدور في صدر ابنتها. سارة كانت تحب والديها، تقدر تضحياتهما، وتخشى أن تخيب آمالهما.
مر شريط ذكريات معقد أمام عينيها. علاقتها بوالدها، الرجل العصامي الذي كان يمثل لها نموذجاً للقوة والحكمة. كيف كان ينظر إليها بعين الرضا، وكيف كان يعتني بها. ثم فجأة، طغت صورة أخرى، صورة لرجلٍ لم تكن تتوقع أن تراها في حياتها، رجلٌ كان يمثل الشر في أبهى صوره، لكنه كان مألوفاً بشكل مؤلم.
كانت هناك لحظةٌ في ماضيها، لحظةٌ حاولت جاهدةً أن تنساها، أن تدفنها في أعماق النسيان. لحظةٌ جعلتها تتساءل عن مدى صدق ما تراه وما تشعر به. هل كانت مجرد ضحكةٍ بريئة من عمر، أم أنها كانت صدىً لأصواتٍ أقدم، أصواتٍ تحمل في طياتها الندم والخطيئة؟
نهضت من مكانها، بدأت تتجول في الغرفة بخطواتٍ متعبة. مرّت أمام خزانتها، فتحت بابها، نظرت إلى الملابس المرتبة بعناية. كل قطعةٍ كانت تحمل قصة، وكل قصةٍ كانت جزءاً من حياةٍ عاشتها، حياةٍ تبدو الآن بعيدةً جداً، غامضةً كحلمٍ صعب التذكر.
توجهت إلى نافذة غرفتها، فتحتها قليلاً لتستنشق الهواء البارد. كانت نجوم السماء تتلألأ، كل نجمةٍ تمثل عالماً، عالماً يخصه وحده. هل كان عمر واحداً من تلك العوالم؟ وهل كانت هي مجرد نقطةٍ ضئيلةٍ في كوكبه؟
فجأة، لمع الهاتف على الطاولة. رؤيةٌ سريعةٌ لانفتاح شاشته، رقمٌ غريبٌ يظهر. ترددت سارة للحظة، ثم مدت يدها بتردد. أمسكت بالهاتف، قلبهما يخفق بعنف، وكأنها تحمل شيئاً ثميناً، أو شيئاً خطيراً.
"ألو؟" قالت بصوتٍ خفيض، يكاد يكون همساً.
كان الصوت على الطرف الآخر ذكوريًا، ولكن فيه خشونةٌ غريبة، خشونةٌ لم تسمعها من قبل. "هل هذه سارة؟" سأل الصوت.
"نعم، أنا سارة."
"كنت أحاول الاتصال بكِ منذ فترة، ولكن هاتفكِ كان مغلقاً."
"من معي؟" سألت سارة، وشعورٌ بالوحدة يتغلغل في أركان روحها.
صمتٌ قصيرٌ، ثم قال الصوت بصوتٍ أعمق، وأكثر غموضاً: "لا يهم من أنا. الأهم هو ما سأقوله لكِ. هناك أمورٌ لا تعلمينها عن عمر. أمورٌ ستغير نظرتكِ إليه تماماً."
تشنج جسد سارة. "ماذا تقصد؟"
"لا يمكنني التحدث عبر الهاتف. هل يمكنكِ مقابلتي؟ غداً، في نفس المكان الذي التقيته فيه أول مرة. ولكن وحدكِ. وإلا..." لم يكمل المتحدث جملته، ولكن الصمت الذي أعقبها كان أبلغ من أي تهديد.
أغلقت سارة الهاتف، يداها ترتجفان. هل كان هذا مجرد تمثيل؟ أم أنها كانت أمام حقيقةٍ مرةٍ كان يجب عليها مواجهتها؟ نظرت إلى انعكاس وجهها مرة أخرى. بدا شاحباً، وعيناها تحملان بريقاً من الرعب. لقد ألقى هذا الاتصال الغامض ظلالاً داكنةً على آمالها، وفتح باباً لم تكن تعرف بوجوده، باباً يقود إلى عالمٍ من الشك والخوف. الليل ما زال طويلاً، وأحلامها أصبحت كأشباحٍ تلاحقها.