قدر الحب
اللقاء المحفوف بالظلال
بقلم سارة العمري
استيقظت سارة مع أول خيوط الفجر، ولكنها لم تكن نائمةً في الحقيقة. كانت عيناها مفتوحتين، تحدقان في السقف، وعقلها لا يكف عن الدوران. كلمات الرجل الغامض كانت تتردد في أذنها كأنها تعويذةٌ شريرة. "هناك أمورٌ لا تعلمينها عن عمر..." كم كانت هذه الكلمات سامة، وما مدى تأثيرها على بناء الأمل الهش الذي كانت قد بدأته في قلبها.
كانت فكرة اللقاء غداً مرعبةً ومغريةً في آنٍ واحد. ألم تكن هي نفسها تبحث عن إجابات؟ ألم يكن قلبها يتألم من التساؤلات؟ ربما كان هذا الرجل هو المفتاح، المفتاح الذي سيفتح لها باب الحقيقة، مهما كانت مؤلمة. ولكن لماذا وعد بالتهديد؟ ومن هو؟
في تلك الليلة، لم تجلس سارة بصمتٍ كما في الليلة السابقة. بل قضت ساعاتٍ في البحث. بحثت عبر شبكة الإنترنت، عن أي شيءٍ قد يربط عمر بماضيٍ غامض. بحثت عن قصص، عن أخبار، عن أي ذرة ضوء قد تكشف الستار عن هذا الظلام المتزايد. لم تجد شيئاً ذا بال، ولكن هذا البحث لم يطمئنها، بل زاد من حيرتها.
مع بزوغ الشمس، قررت سارة أن تخبر عمر. لا، ليس بالضبط. أخبرته أنها بحاجةٍ لرؤيته، وأن هناك أمراً مهماً عليها مناقشته. أرسلت له رسالةً قصيرة، طلبت منه فيها تحديد موعدٍ للقاء، في نفس المكان الذي اعتادا اللقاء فيه. لم تجرؤ على ذكر تفاصيل المكالمة.
بعد مرور ساعاتٍ طويلة، وصلها رده. "سارة، يسعدني جداً أن أراكِ. غداً، الساعة الرابعة عصراً. في المقهى الذي اعتدنا عليه. انتظركِ."
كانت كلماته بسيطة، ولكنها أثارت فيها مشاعر مختلطة. هل كان يعلم شيئاً عن هذا الاتصال؟ هل كان يدرك أن هناك من يحاول إثارة الشكوك حوله؟ أم أنه كان في غفلةٍ تامةٍ عن كل هذا؟
قضت سارة اليوم التالي في حالةٍ من التوتر الشديد. كانت تراقب كل حركةٍ تقوم بها، تحاول استجماع شجاعتها. ارتدت ملابس محتشمة، كسائر أيامها، ولكنها شعرت بأنها لا تخفي شيئاً، بل تكشف عن حقيقتها.
عندما حان الموعد، توجهت إلى المقهى. كان المقهى هو نفسه، بنفس الأجواء الهادئة، وبنفس الرائحة اللذيذة للقهوة. ولكن بالنسبة لسارة، كان المكان يحمل الآن ثقلاً مختلفاً. كان مكان لقاء الأمل، ومكان لقاء الشك.
جلست على الطاولة التي اعتادوا الجلوس فيها، وطلبت كوباً من الشاي. كانت تراقب الباب، تتوقع رؤيته في أي لحظة. كان قلبها يخفق كطائرٍ أسير.
بعد مرور دقائق، دخل عمر. كان يرتدي قميصاً أنيقاً، ويبتسم ابتسامته المعهودة. ولكن عندما رأته، شعرت سارة ببرودةٍ مفاجئة. هل كانت هذه هي الطريقة التي ستبدأ بها الحقيقة؟
اقترب منها، واضعاً يده على كتفها بلطف. "أهلاً بكِ يا سارة. تبدين متعبةً قليلاً."
جلست مقابلها، وعيناه تسألان. "هل هناك شيءٌ يزعجكِ؟"
نظرت سارة حولها، تتأكد من عدم وجود أحدٍ يسمع. ثم قالت بصوتٍ خفيض، متضمناً كل ما شعرت به من خوفٍ وقلق: "عمر، لقد تلقيتُ اتصالاً غريباً أمس. شخصٌ مجهولٌ زعم أن لديه أموراً سيكشفها لي عنك."
شحب وجه عمر قليلاً. ظل صامتاً للحظة، ثم قال بصوتٍ هادئ، ولكنه فيه نبرةٌ من الدهشة: "من يكون هذا الشخص؟ وماذا قال لكِ؟"
"لم يقل الكثير. فقط أنه يريد مقابلتي غداً، في هذا المكان. وأن لديه معلوماتٍ ستغير نظرتي إليك."
نظر عمر إلى أسفل، يتأمل ما تقوله. ثم رفع عينيه إليها، وبدا فيهما مزيجٌ من الحزن والغضب. "سارة، هل تثقين بي؟"
سؤالٌ بسيط، ولكنه حمل في طياته الكثير. ترددت سارة. "أنا... أنا لا أعرف ماذا أقول."
"لا بأس،" قال عمر، وهو يأخذ نفساً عميقاً. "أنا أتفهم. ولكن قبل أن تأتي هذه المقابلة، أريد أن أقول لكِ شيئاً."
نظر إليها مطولاً، وعيناه مليئتان بالصدق. "لقد مررتُ بالكثير في حياتي، سارة. بعض الأخطاء، بعض الانتكاسات. من منا لا يمر بذلك؟ ولكنني دائماً ما حاولت أن أكون صادقاً، وأن أتعلم من أخطائي. لم أكن يوماً شخصاً سيئاً، ولكني بالتأكيد لستُ ملاكاً."
أردف وهو يبتسم بمرارة: "ربما ما سيقوله لكِ هذا الشخص صحيحٌ جزئياً. ربما لديه بعض المعلومات عن أخطاءٍ ارتكبتها في الماضي، أخطاءٍ أشعر بالندم عليها. ولكنني أبداً لم أخفِ عنكِ شيئاً. ولم أكن لأسمح لأحدٍ بأن يدمر ثقتكِ بي."
ثم قال بصوتٍ أكثر قوة: "لقد تعلقتُ بكِ يا سارة. وبدأ الحب ينمو في قلبي. لا أريد أن أخسر ذلك بسبب مخاوفٍ أو ظلالٍ من الماضي."
شعر سارة بشيءٍ ما يتحرك بداخلها. لم يكن كلام عمر مجرد دفاع، بل كان اعترافاً. اعترافاً بإنسانيته، بأخطائه، ولكنه أيضاً اعترافٌ بقوة مشاعره تجاهها.
"ولكن... من يمكن أن يكون؟ ولماذا يفعل هذا؟" سألت بصوتٍ يكاد يكون متضرعاً.
"لا أعرف،" قال عمر. "ولكنني سأكون معكِ. إذا جاء هذا الشخص، فسأكون هنا. وسنتواجه معاً."
شعر سارة بقليلٍ من الراحة. وجود عمر بجانبها كان كالصخرة التي تستند إليها. ولكن الشكوك لم تختفِ تماماً. كانت تعلم أن الغد سيحمل معه شيئاً، شيئاً قد يغير كل شيء. هزت رأسها، وهي تقول: "حسناً يا عمر. سأرى. ولكنني... أريد أن أسمع منه."
ابتسم عمر بضعف. "كما ترغبين. المهم هو أنني هنا."
ودعها عمر، وبعد ذهابه، جلست سارة وحدها، تتأمل كوب الشاي البارد. كانت ترى في عينيه صدقاً، ولكنها كانت تعلم أيضاً أن هناك ما لم يقله. كانت تشعر بأنها على أعتاب اكتشافٍ كبير، اكتشافٍ قد يهدد كل ما بنته. وظلت هواجس الليل تطاردها، ولكن هذه المرة، كانت تحمل وجهاً جديداً، وجهاً غامضاً، ومقلقاً.