قدر الحب
اعترافات الماضي وأنين الروح
بقلم سارة العمري
كانت الساعة تقترب من الرابعة عصراً، ومعها يزداد توتر سارة. جلست في المقهى، كأنها تستعد لمواجهةٍ مصيرية. لم تكن تعرف ما الذي ينتظرها، ولكنها كانت تعلم أن هناك خطاً فاصلاً ستعبره، خطاً سيغير مسار حياتها. كان عمر قد وعد بأن يكون بجانبها، وكان ذلك باعثاً على بعض الاطمئنان، ولكنه لم يمنع خفقان قلبها المتسارع.
بعد دقائق، وصل عمر. جلس مقابلها، وعيناه تحملان خليطاً من القلق والتصميم. لم يتكلما كثيراً، فكلمات أمس كانت كافية. كانت الأجواء مشحونةً بالترقب، وكأن المكان كله يحبس أنفاسه.
لم يمر وقتٌ طويل حتى دخل رجلٌ لم تكن سارة تتوقعه. كان رجلاً في منتصف العمر، بملامح صارمة، وعينين تحملان بريقاً حاداً. لم يكن وسيماً، ولكن حضوره كان طاغياً. مشى بثقةٍ نحو طاولتهما، وتوقف أمام عمر.
"هل أنت عمر؟" سأل الرجل بصوتٍ أجش.
أومأ عمر برأسه، وهو ينهض واقفاً. "نعم. ومن أنت؟"
تقدم الرجل خطوة، ونظر إلى سارة. "أنا الشخص الذي اتصل بكِ يا سارة. وجئت لأتحدث إليكِ."
شعرت سارة بوخزةٍ من الخوف، ولكنها حاولت التماسك. "تفضل بالجلوس."
جلس الرجل، ثم نظر إلى عمر. "لا داعي لأن تكون هنا. هذا بيني وبين سارة."
رد عمر بثبات: "سارة معي. وهي قررت أن تسمع ما لديك. ولكنني لن أتركها وحدها."
ابتسم الرجل بسخرية. "شجاعةٌ منك. ولكنها قد تزيد الأمور تعقيداً."
بدأ الرجل بالكلام، موجهاً حديثه إلى سارة. "اسمعي يا سارة، أنا أعرف عمر منذ زمنٍ طويل. وكنت شاهداً على الكثير من أفعاله. في شبابه، كان يمر بفتراتٍ صعبة. كان متهوراً، وكان يقع في أخطاءٍ فادحة."
نظر عمر إلى الرجل بعينين غاضبتين. "توقف. لا يحق لك التحدث عني بهذه الطريقة."
قال الرجل ببرود: "أنا هنا لأقول الحقيقة. الحقيقة التي ربما لا يريد عمر أن تسمعيها." ثم عاد بالكلام إلى سارة. "هناك أمرٌ حدث قبل سنواتٍ قليلة، أمرٌ كان له تأثيرٌ كبير على حياة رجلٍ آخر. عمر كان متورطاً في هذا الأمر بشكلٍ مباشر. لقد تسبب في تدمير حياة عائلةٍ بأكملها."
تجمدت سارة في مكانها. لم تستطع استيعاب ما تسمعه. "ماذا تقصد؟"
"كان هناك شابٌ يحب فتاة. وكان عمر، بطريقةٍ ما، قد أوقع بينهما. ربما كان غيرةً، ربما كان تهميشاً. المهم أن هذا الشاب، بسبب تصرفات عمر، خسر كل شيء. خسر فتاة أحلامه، وخسر مستقبله."
نظر عمر إلى الرجل بحدة. "هذا كذب. أنت لا تعرف شيئاً. كان الأمر مختلفاً تماماً."
رد الرجل بضحكةٍ مكتومة: "هل كان مختلفاً؟ هل كان مختلفاً حينما أصبح الشاب في حالةٍ يرثى لها؟ هل كان مختلفاً حينما فقد الأمل واختفى؟"
التفت الرجل نحو عمر، وعيناه تشتعلان. "هذا الشاب هو ابني يا عمر. وأنا أتيت لأجعلك تدفع الثمن. لتعرف سارة أي نوعٍ من الرجال أنت."
صمتٌ مروعٌ خيم على المقهى. شعرت سارة بأن الأرض قد انسحبت من تحت قدميها. كل ما بنته من أملٍ في عمر، كل ما شعرت به من مشاعر، بدأ ينهار. نظرت إلى عمر، فوجدت عينيه مليئتين بالألم والأسى، ولكنهما أيضاً كانتا تحملان شرارةً من التحدي.
"ابنك؟" سأل عمر بصوتٍ خفيض. "لماذا لم تخبرني من قبل؟"
"لأنني أردت أن أراه يذل، أن أراه يعاني. ولأني أردت أن تأتي هذه اللحظة. لحظةٌ أرى فيها عينيكِ تدركان حقيقته."
قالت سارة بصوتٍ مرتجف: "عمر، هل هذا صحيح؟"
نظر عمر إلى سارة، وكانت عيناه مليئتين بالأسف. "يا سارة، نعم، لقد ارتكبتُ أخطاءً في الماضي. أخطاءً فادحة. لقد كنتُ شاباً أنانياً، وأنا نادمٌ أشد الندم. ولكنني لم أكن أعلم أن الوضع وصل إلى هذا الحد."
تابع عمر، وهو يكافح لتجميع أفكاره: "لقد تشاجرتُ مع هذا الشاب، نعم. كان هناك سوء فهم، وكان هناك غرور. لقد كنتُ في فترةٍ كنتُ أرى فيها نفسي متفوقاً. ولكنني لم أقصد أن أؤذيه بهذا الشكل."
قال الرجل بحدة: "تقصد أنك لم تقصد؟ لقد دمرت حياة ابني!"
"كنتُ شاباً،" قال عمر وهو يتجه نحو الرجل. "ولكنني الآن رجلٌ مختلف. لقد تعلمتُ من أخطائي. لو كنتُ أعلم أن الوضع بلغ هذا الحد، لكنتُ قد ذهبتُ إليه، واعتذرتُ. وحاولتُ إصلاح ما أفسدت."
نظر عمر إلى سارة، وشعر بمرارةٍ تعتصر قلبه. "يا سارة، أعلم أنني قدمتُ لكِ صورةً لا تمثلني تماماً. ولكنني أحاول جاهداً أن أكون أفضل. لقد بدأتُ أحبكِ، وأردتُ أن أبني معكِ مستقبلاً. مستقبلاً خالياً من ظلال الماضي."
بكت سارة بصمت. لم تكن تعرف ماذا تفعل. كانت ترى في عين عمر صدقاً، ولكنها كانت ترى أيضاً أثراً عميقاً لأخطاءٍ ماضية. كانت تشعر بأن هذا الرجل، والد الشاب الذي دمره عمر، كان يحمل ألماً حقيقياً.
قال الرجل: "الآن أنتِ تعلمين. القرار قراركِ." ونهض من مكانه، وتوجه نحو الباب. "ولكن تذكري، يا سارة، أن الأفعال لها عواقب."
غادر الرجل، تاركاً سارة وعمر في صمتٍ مطبق. كان الهواء مشبعاً بالحزن والخيبة. نظرت سارة إلى عمر، ولم تستطع الكلام. كانت مشاعرها متضاربة. حبٌ بدأ ينبت، وحقيقةٌ مرةٌ ظهرت.
"عمر..." قالت بصوتٍ ضعيف.
"أعلم،" قال عمر، وهو ينظر إليها بعينين دامعتين. "لقد دمرتُ كل شيء. ولكنني... ولكنني لا أستطيع أن أتوقف عن حبكِ. لا أستطيع أن أتوقف عن محاولة أن أكون أفضل."
وقفت سارة، وقلبها يعتصر ألماً. "أنا بحاجةٍ إلى بعض الوقت، يا عمر. أحتاج إلى التفكير."
غادرت المقهى، تاركةً عمر واقفاً وحيداً، وظلال الماضي تلتف حوله. كانت سارة تشعر بأنها في مفترق طرق، طريقٌ يقود إلى الحب، وطريقٌ يقود إلى الحقيقة المؤلمة. الليل سيمتد طويلاً، وسيكون مليئاً بالدموع والتساؤلات.