نصفي الآخر
همسةٌ في صحراء النخيل
بقلم ليلى الأحمد
كانت نسمةٌ باردةٌ، غريبةٌ على دفء نجدٍ المعهود، تلفح وجه فاطمة وهي تقف على شرفة قصرها الفسيح، تنظر إلى الأفق المترامي حيث تتلاشى زرقة السماء في غبار الصحراء الذهبي. قصرٌ يتنفس عبق التاريخ، جدرانه تشهد على أجيالٍ سبقت، وعلى أحلامٍ نسجت خيوطها بين أصالة الماضي وأمل المستقبل. لكن فاطمة، في ربيعها الخامس والعشرين، لم تكن ترى فيه سوى سجنٍ ذهبيٍّ، يقيّد روحها المتطلعة إلى ما وراء أسواره.
لم تكن فاطمة مجرد ابنةٍ لشيخٍ كريمٍ وجواد، بل كانت فتاةً تحمل في عينيها بريق الذكاء، وفي قلبها شغفاً بالمعرفة لا تطفئه تقاليدٌ بالية. كانت تقضي ساعاتٍ طويلةٍ بين الكتب، تتنقل بين صفحات التاريخ وعلم الفلك، وتستمع إلى قصص الرحالة الذين مروا بديارهم، تحمل في مخيلتها صوراً لعوالم أخرى، لحياةٍ تتجاوز حدود ما عرفته.
في تلك الليلة، كان قلبها يضطرب بشدة، ليس خوفاً من ظلام الصحراء الذي يلتف حول القصر، بل ترقباً لشيءٍ لم تستطع حتى هي نفسها تفسيره. كانت قد قرأت في أحد كتب التنجيم القديمة، كتابٍ ورثته عن جدتها، عن اقترانٍ كونيٍّ نادر، يحدث مرةً كل قرن، ويقال إنه يحمل معه تحولاتٍ عظيمة، سواءً للأفراد أو للمجتمعات. كانت تلك الهمسة في الكتب، والتي لم تسمعها أذنٌ سواها، قد سكنت روحها، وأيقظت فيها شعوراً غامضاً بأن شيئاً ما على وشك أن يتغير.
فجأةً، انقطع صمت الليل بقعقعةٍ خافتةٍ قادمةٍ من البوابة الخارجية. رفعت فاطمة رأسها، وهمست لنفسها: "هل حان الوقت؟" لم تكن تتوقع أحداً في هذه الساعة المتأخرة، فديارهم كانت بعيدةً عن الدروب الرئيسية للقوافل. ولكن الصوت تكرر، هذه المرة أقرب.
تسللت فاطمة بهدوءٍ من الشرفة، وعبرت الردهات المزينة بالسجاد الفارسي العتيق، ووصلت إلى بابٍ خشبيٍّ ثقيلٍ يؤدي إلى ممرٍّ جانبيٍّ. كانت تعرف أن والدها، الشيخ يوسف، ينام نوماً عميقاً بعد يومٍ شاقٍ من إدارة شؤون القبيلة. والدتها، السيدة عائشة، كانت دائماً ما تحثها على الالتزام بالبروتوكولات، ولكن روح المغامرة التي ورثتها عن جدتها كانت تدفعها دائماً نحو المجهول.
فتحت الباب بحذرٍ شديد، لتجد أمامها ضوء قمرٍ فضيٍّ يكشف عن جنديين مسلحين يقفان بجانب البوابة المفتوحة جزئياً، يحاولان إدخال شيءٍ ما بصعوبة. كان الجو ثقيلاً، ورائحة الجلد والخشب القديم تملأ الهواء.
"ما الأمر؟" سألت فاطمة بصوتٍ خافت، حاولت أن تبدو فيه الواثقة.
التفت أحد الجنديين، وهو رجلٌ قوي البنية، ذو لحيةٍ كثةٍ تغطي نصف وجهه، وأجاب بانحناءةٍ سريعة: "يا ابنة الشيخ، آسفٌ على الإزعاج. لدينا ضيفٌ قادمٌ في وقتٍ غير متوقع."
"ضيف؟ في هذه الساعة؟" استغربت فاطمة.
"نعم، يا سيدتي. إنه رسولٌ من قبيلة آل قاسم. يقول إن لديه أمراً عاجلاً من والده."
آل قاسم! اسمٌ لا يتردد إلا في سياقٍ استثنائي. كانت قبيلة آل قاسم، المجاورة لديارهم، معروفةً بقوتها وبأسها، وكان شيخها، أبو محمد، رجلاً حكيماً ومهاباً.
"أمراً عاجلاً؟" كررت فاطمة، وهي تشعر بأن قلبها بدأ ينبض بوتيرةٍ أسرع. "من هو؟"
"إنه ابنه، يا سيدتي. الأمير فهد."
الأمير فهد! الاسم تردد في أذنيها وكأنه صدىً لقصائد قديمة. سمعت الكثير عن فهد بن أبي محمد. كان شاباً في مقتبل العمر، اشتهر بشجاعته في المعارك، وبحنكته في إدارة شؤون القبيلة، وبكرمه الذي تجاوز حدود ما تسمع. ولكن الأهم من ذلك كله، سمعت عن أخلاقه الرفيعة، وعن تدينه العميق، وعن احترامه للمرأة، وهي صفاتٌ كانت نادرةً في عالم الرجال الذين عرفتهم.
"أدخلوه. ودعوه يستريح. سأخبر والدي." قالت فاطمة، ثم استدارت لتعود إلى الداخل.
لكن قبل أن تخطو خطوةً واحدة، توقف صوتٌ أجشٌّ قادمٌ من خلفها: "لا داعي للإزعاج. أظن أنني أستطيع أن أشرح بنفسي."
استدارت فاطمة ببطء، وشعرت وكأن الهواء قد انقطع من رئتيها. كان يقف عند مدخل القاعة الرئيسية، تحت ضوء الشموع المرتعش، رجلٌ طويلٌ، مفتول العضلات، يرتدي ملابس السفر الخشنة، ولكنها نظيفةٌ ومرتبة. كان وجهه محفوراً بتجاعيدٍ خفيفةٍ حول عينيه السوداوين الثاقبتين، ولحيته القصيرة الممشطة بعنايةٍ تضفي عليه هيبةً لا مثيل لها. وفي يديه، كان يحمل صندوقاً خشبياً صغيراً، يبدو عليه القدم.
كان هذا هو الأمير فهد. لم يكن يشبه الصورة التي رسمتها له القصص. كان أكثر واقعيةً، وأكثر هيبةً، وأكثر... جاذبيةً.
"من أنت؟" سألت بصوتٍ خافت، وهي تحاول أن تستعيد رباطة جأشها.
"أنا فهد بن أبي محمد. وليتني لم أضطر للمجيء في هذا الوقت المتأخر، ولكن الأمر يحتم ذلك." قال بصوتٍ عميقٍ ومخملي، فيه نبرةٌ تحمل ثقل المسؤولية.
"تفضل." قالت فاطمة، وهي تشير إليه بالدخول. "والدي سينزل حالما يسمع."
"لا، لن تنزلي. سأتحدث معكِ أنتِ." قال فهد، وهو ينظر إليها مباشرةً بعينيه الثاقبتين. "لقد جئت لأطلب يد ابنتكِ، فاطمة، لابني."
تجمدت فاطمة في مكانها. طُلب يدها؟ لابنه؟ لم تفهم. لقد كانت تنتظر تغيراً ما، ولكن ليس بهذا الشكل. لقد سمعت عن زواج الترتيب، وعن المصاهرات بين القبائل، ولكن لم يأتِها أحدٌ لخطبتها من قبل، وخاصةً في هذا الوقت وبهذه الطريقة.
"أنا... أنا لست ابنة الشيخ. أنا فاطمة." قالت بترددٍ، وهي تشعر بالدماء تتدفق إلى وجنتيها.
"أعرف. ولذلك جئت إليكِ. لأنني أرى فيكِ العقل والحكمة التي ستكون سنداً لابني، الذي سيتحمل مسؤولية قيادة قبيلتنا بعدي." قال فهد، وهو يضع الصندوق الخشبي على طاولةٍ قريبة. "ولأنني سمعت عنكِ الكثير، عن فتاةٍ تملك قلباً طيباً وعقلاً راجحاً."
"ولكني... لم أفكر في الزواج بعد." همست فاطمة، وهي تشعر بالارتباك الشديد.
"الحياة لا تنتظر دائماً حتى نفكر. أحياناً، تأتي الفرص إلينا. وهذه فرصةٌ لكِ، وفرصةٌ لي. فرصةٌ لتوحيد كلمتنا، ولتقوية علاقاتنا، ولجعل أبنائنا أشقاءً في النسب." قال فهد، ثم فتح الصندوق بحذر.
كان بداخل الصندوق مصحفٌ جلديٌّ قديم، مزخرفٌ بآياتٍ قرآنيةٍ بالخط الكوفي. وإلى جانبه، خاتمٌ من الفضة النقية، تعلوه حجرٌ عقيقٌ أحمرٌ قانٍ.
"هذا هو مهر ابني. وهذا هو كتاب الله الذي سنحكم به. أرجو أن تقبلي، يا فاطمة."
لم تستطع فاطمة أن تنطق بكلمة. كانت عيناها معلقتين بالخاتم، وبالمصحف، وبتلك العيون الثاقبة التي تنظر إليها بترقبٍ وحكمة. هل هذه هي التحولات التي تحدثت عنها الكتب؟ هل هذه هي البداية؟
شعرت بأن نسمة الصحراء، التي كانت باردةً في البداية، أصبحت تحمل دفئاً غريباً، دفئاً يلامس قلبها وروحها. لم تكن تعرف شيئاً عن هذا الشاب الذي ستتزوجه، عن ابن الأمير فهد. ولكنها عرفت شيئاً واحداً: أن حياتها على وشك أن تأخذ منعطفاً لم تكن تتوقعه أبداً.
وفي تلك اللحظة، سمعت صوت أقدامٍ تقترب، وصوت والدها يرتفع: "ما هذا الضجيج؟"
ارتعش جسد فاطمة. كيف ستفسر له ما يحدث؟ وكيف ستقابل قرارها؟