الفصل 2 / 25

نصفي الآخر

بريق العقيق الأحمر

بقلم ليلى الأحمد

وقف الشيخ يوسف، ممتلئ الهيبة، في مدخل القاعة، يرتدي ثوباً حريرياً داكناً، وعلى رأسه عمامةٌ بيضاءٌ تلف جسده بوقار. لمعت عيناه الثاقبتان، التي تحملان خبرة سنين طويلة، في اتجاه الضيف الواقف أمام فاطمة، ثم اتجهت نحو ابنته التي بدت كأنها سحرتها الأرض.

"من أنت؟ وماذا تفعل هنا في هذا الوقت؟" سأل الشيخ بصوتٍ فيه نبرةٌ لا تقبل المساومة.

تقدم الأمير فهد خطوةً إلى الأمام، وألقى على الشيخ تحيةً تليق بمقامه: "السلام عليكم ورحمة الله وبركاته، يا شيخ يوسف. أنا فهد بن أبي محمد، وجئت في أمرٍ ضروري."

توسعت عينا الشيخ يوسف قليلاً. فهد بن أبي محمد! اسمٌ له ثقله في المنطقة. عادةً ما تكون زياراته مرتبطةً بأمورٍ ذات بال. "أهلاً بك يا فهد. ولكن زيارتك في هذا الوقت غير متوقعة. هل كل شيءٍ على ما يرام في دياركم؟"

"الحمد لله. ولكن الأمر الذي جئت من أجله لا يحتمل التأجيل." قال فهد، وهو ينظر إلى فاطمة التي ما زالت تقف صامتةً، كأنها قطعةٌ أثريةٌ نادرةٌ، تتأملها العيون.

"تفضل بالحديث." قال الشيخ يوسف، وبدأ يتفهم أن الأمر جلل.

"جئت لأطلب يد ابنتكِ، فاطمة، لابني." قال فهد، بوضوحٍ وصراحةٍ، لم يفصل بينهما أي كلمةٍ زائدة.

صمتٌ ثقيلٌ عمّ المكان. لم يكن الشيخ يوسف يتوقع هذا الطلب. كانت لديه خططٌ أخرى لابنته، خططٌ لم يفصح عنها لأحدٍ بعد. كان يريد أن يزوجها من شابٍ من القبيلة، شابٍ يعرفه ويعرف نسبه، ليبقى أبناؤها بين أهلها.

"ابنتي؟" قال الشيخ بتعجبٍ، ثم التفت إلى فاطمة. "هل كنتِ تعلمين بهذا؟"

هزت فاطمة رأسها بالنفي، وشعرت بأن عينيها تدمعان. لم يكن الأمر كله يتعلق بـ "ابنتكِ". كانت هي بذاتها.

"يا شيخ يوسف،" تابع فهد بصوتٍ هادئٍ ولكنه حازم، "لقد رأيت في فاطمة الفتاة الصالحة، العاقلة، التي ستكون خير زوجةٍ لابني. لقد سمعت عن أخلاقها، وعن علمها، وعن تدينها. وابني، أحمد، رجلٌ صالحٌ، ونشأ على حب الله ورسوله. أعتقد أن اتحادنا سيكون خيراً لنا جميعاً."

ثم وضع الصندوق الخشبي أمامه. "هذا هو مهر أحمد، وهذا هو كتاب الله. أرجو أن توافق."

فتح الشيخ يوسف الصندوق، ونظر إلى المصحف وخاتم العقيق الأحمر. كان يعلم أن الأمير فهد رجلٌ لا يستهان به، وأن كلامه له ثقله. لقد أتى بطلبٍ رسميٍّ، وبمهرٍ كريمٍ، وبكتاب الله كشاهد.

"هذا أمرٌ جلل، يا فهد. أحتاج إلى وقتٍ للتفكير." قال الشيخ يوسف، وهو يشعر بأن القرار ليس بيده وحده.

"خذ وقتك، يا شيخ. ولكن لا تنسَ أن هذا الطلب ليس مجرد مصاهرةٍ بين قبيلتين، بل هو بناءٌ لمستقبلٍ مشترك. وأنا واثقٌ أن العاقلة، فاطمة، ستختار ما فيه الخير." قال فهد، ثم التفت إلى فاطمة بنظرةٍ تحمل وعداً بالاحترام. "أتمنى أن تنظري إلى الأمر بعين الاعتبار، وأن توافقي على ما فيه صلاحٌ لأمتنا."

خرج الأمير فهد من القصر، تاركاً وراءه صمتاً ثقيلاً، وسؤالاً مصيرياً يلقي بظلاله على مستقبل فاطمة.

بعد رحيل فهد، استدار الشيخ يوسف إلى ابنته. كانت عيناها تلمعان بدموعٍ لم تسقط بعد.

"يا فاطمة، ما رأيك؟" سأل الشيخ بصوتٍ أصبح أكثر ليناً.

"يا أبي،" قالت فاطمة بصوتٍ مرتجف، "لقد سمعت ما قاله الأمير فهد. إنه رجلٌ كريمٌ وحكيم. وابنه، أحمد، يبدو أنه رجلٌ صالحٌ."

"ولكن؟" سأل الشيخ، مدركاً أنها لم تكمل.

"ولكني... لم أفكر في الزواج بعد. ولم أعرف أحمد. كيف يمكنني أن أقرر مصيري دون أن أعرف من سيشاركني حياتي؟"

"هذا هو العرف يا ابنتي. إنهم يطلبون يدكِ، ويقدمون المهر. وبعد الموافقة، سيتم ترتيب اللقاء بينكما."

"ولكن يا أبي، أليس من حقي أن أعرف من سأشاركه حياتي؟ أليس من حقي أن أرى وجهه، وأن أستمع إلى كلامه، وأن أرى كيف يتصرف؟"

تنهد الشيخ يوسف. كان يعرف أن ابنته ليست كبنات عصره. كانت تفكر بعمقٍ، وكانت تبحث عن معنىً يتجاوز الظاهر.

"حسناً يا فاطمة. سأتحدث مع الأمير فهد. سأطلب منه ترتيب لقاءٍ سريعٍ بينكما، بعيداً عن الأعين، لتتمكني من الحديث إليه."

ابتسمت فاطمة بخفة، ولكن القلق ما زال يراودها. كان لقاءٌ سريعٌ، نعم، ولكن هل يكفي هذا لتقييم رجلٍ ستقضي معه بقية حياتها؟

في الأيام التالية، ساد القصر جوٌّ من الترقب. كانت فاطمة تقضي وقتها في الصلاة والدعاء، تستخير الله في هذا الأمر الذي يبدو أنه قدرٌ محتوم. قرأت كل ما وجدت عن أخلاق أبناء الشيوخ، وعن صفات الأزواج الصالحين، ولكن كل ذلك كان مجرد نظريات.

ذات صباحٍ مشمس، بعد أسبوعٍ من زيارة الأمير فهد، وصل رسولٌ من قبيلة آل قاسم، يحمل رسالةً للشيخ يوسف. كانت الرسالة تحمل موافقة الأمير على ترتيب لقاءٍ بين فاطمة وأحمد، في مكانٍ بعيدٍ عن أعين المتطفلين، وعلى مسافةٍ يومٍ واحدٍ من ديارهم.

"لقد وافقوا!" قالت فاطمة، وهي تحمل الرسالة في يدها، وشعرت بشيءٍ من الارتياح يختلط بالقلق.

"هذا جيد. اذهبي مع والدتكِ، ومع بعض الجواري، إلى الواحة القريبة من جبل السواري. سيلتقي بكِ أحمد هناك." قال الشيخ يوسف، وهو ينظر إليها بتفهم.

ارتدت فاطمة ثوبها الأفضل، ثوبٌ من الحرير الأزرق السماوي، وزينت رأسها بوشاحٍ شفافٍ من الدانتيل، ووضعت قلادةً بسيطةً من الذهب، ورثتتها عن والدتها. شعرت بأنها تستعد للقاءٍ مصيريٍّ، للقاءٍ سيحدد مسار حياتها.

وفي الموعد المحدد، وبينما كانت الشمس تتوارى خلف الأفق، تاركةً خلفها سماءً حمراء قانية، وصلت فاطمة مع قافلتها الصغيرة إلى الواحة. كانت الواحة مكاناً ساحراً، أشجار النخيل تتراقص بأغصانها، وبركة ماءٍ صافيةٍ تعكس زرقة السماء.

في وسط الواحة، كان يقف رجلٌ وحده، ينتظر. كان يقف بالقرب من بعيرٍ عربيٍّ أصيل، وجهه نحيلٌ، وشاربه مرسومٌ بعناية. كان يرتدي ثوباً أبيضاً ناصعاً، وعلى رأسه عمامةٌ خضراء.

هذا هو أحمد، ابن الأمير فهد.

اقتربت فاطمة ببطء، بينما كانت والدتها والجواري ينتظرن على مسافة. كان أحمد يراقبها وهي تقترب، ولم يبدُ عليه أي أثرٍ للقلق أو التردد.

عندما وصلت فاطمة إلى مسافةٍ قريبة، توقف الرجل، وألقى عليها تحيةً بريئةً ومباشرة: "السلام عليكم ورحمة الله وبركاته."

"وعليكم السلام ورحمة الله وبركاته." أجابت فاطمة، وشعرت بأن قلبها يخفق بشدة.

"أنا أحمد بن فهد." قال، وهو ينظر إليها بعينين صافيتين، فيهما بريقٌ أمل.

"وأنا فاطمة بنت يوسف." قالت، وهي تشعر بأنها بدأت تفقد السيطرة على نفسها.

"لقد جئت لأرى ما إذا كنتِ تصلحين لأن تكوني زوجةً لابن شيخٍ، ولأن تكوني شريكةً لحياتي." قال أحمد، بكلماتٍ صادقةٍ ومباشرة، خالفت كل ما سمعته عن طريقة الرجال في هذا الشأن.

نظرت فاطمة إليه، ورأت في عينيه شيئاً من الحكمة التي رأتها في والده. لم يكن مغروراً، ولم يكن متكبراً. كان يبدو كشابٍّ يعرف ما يريد، ويريد أن يبدأ حياته على أساسٍ صحيح.

"وما الذي يجعلك تعتقد أنني قد لا أصلح؟" سألت فاطمة، وهي تحاول أن تختبره.

ابتسم أحمد ابتسامةً خفيفة. "أنا لا أعتقد ذلك. ولكني أؤمن بأن الإنسان يجب أن يتأكد قبل أن يتخذ قراراً مصيرياً. لقد سمعت عنكِ الكثير، عن ذكائك، وعن علمك، وعن تدينك. وأنا أريد أن أرى بنفسي ما إذا كانت هذه الصفات ستنسجم مع ما أؤمن به."

"وماذا تؤمن به؟" سألت فاطمة، وهي تشعر بأنها بدأت ترتاح قليلاً.

"أؤمن بأن الزواج رباطٌ مقدسٌ، تقوم عليه الأسرة، ويبنى عليه المستقبل. وأؤمن بأن الزوجين يجب أن يكونا سنداً لبعضهما البعض، وأن يتعاونا في بناء حياةٍ كريمةٍ، ترضي الله ورسوله." قال أحمد، وبدت كلماته كأنها نبضٌ من قلبه.

نظرت فاطمة إلى السماء، ورأت بريق العقيق الأحمر في خاتمٍ سلمه إياها والدها كأمانة. هل سيكون هذا الرجل هو الشريك الذي سيحمل هذا الخاتم؟ هل سيكون هو النصيب الذي كتبه الله لها؟

شارك هذا الفصل:

เว็บไซต์นี้ใช้คุกกี้

เราใช้คุกกี้เพื่อปรับปรุงประสบการณ์การอ่านนิยายของคุณ วิเคราะห์การเข้าชม และแสดงโฆษณาที่เกี่ยวข้อง รายได้จากโฆษณาช่วยให้เราให้บริการอ่านนิยายฟรีต่อไปได้ อ่านรายละเอียดเพิ่มเติมที่ นโยบายความเป็นส่วนตัว

ตะกร้า eBook

ตะกร้าว่างเปล่า

เพิ่ม eBook ลงตะกร้าเพื่อรับส่วนลดพิเศษ

ส่วนลด Bundle

ซื้อ 3-4 เล่มลด 10%
ซื้อ 5-9 เล่มลด 15%
ซื้อ 10+ เล่มลด 20%