نصفي الآخر
كشف المستور
بقلم ليلى الأحمد
اجتمع الأمير هشام بالسيد مراد في مكتبه الواسع، الذي تفوح منه رائحة الخشب العتيق وعبق الكتب. كانت أشعة الشمس الخجولة تخترق ستائر القماش الفاخر، ترسم خطوطاً ذهبية على السجاد الغامق. لم تكن الأجواء رسميةً بالكامل، ولكن الهواء كان ثقيلاً بعبءٍ لم يكن من قبل.
"سيد مراد،" بدأ الأمير هشام بصوته العميق، "لقد أشرتَ في حديثٍ سابقٍ لنا عن أمرٍ يتعلق بعائلتي، أمرٌ لا يتضح لي معناه تماماً."
ابتسم السيد مراد ابتسامةً تحمل مزيجاً من الود والحزن. "حقاً يا صاحب السمو؟ ربما كان حديثي غير واضح. ولكن دعني أقل لك شيئاً... بعض الحقائق لا يمكن دفنها للأبد، فهي تخرج للضوء في الوقت الذي تختاره، سواء شئنا أم أبينا."
"وما هي هذه الحقيقة التي تتحدث عنها؟" سأل الأمير هشام، وشعر ببرودةٍ تسري في أطرافه.
"الحقيقة تتعلق بزواجٍ قديم، يا صاحب السمو. زواجٍ كان له أثرٌ كبيرٌ على عائلتكم، وعلى عائلتي أيضاً. زواجٌ لم يتم بالشكل الذي كان يجب أن يتم به، وزواجٌ ترك خلفه إرثاً من الظلم."
تجوّل الأمير هشام بنظره في الغرفة، كأنه يبحث عن إجاباتٍ في الجدران المنقوشة. "زواجٌ قديم... هل تقصد زواج المرحوم والدي من ابنة عمٍ له؟"
"لا يا صاحب السمو، ليس هذا الزواج." هز السيد مراد رأسه ببطء. "أنا أتحدث عن زواجٍ سابقٍ لجدي، الأمير سالم، من سيدةٍ من عائلةٍ أخرى. سيدةٍ لم تكن من عائلتكم العريقة، لكنها كانت تحمل في قلبها حباً صادقاً."
توقف الأمير هشام. لم يكن يتذكر تفاصيل كثيرة عن تاريخ عائلته البعيد، سوى ما تناقلته الألسن من حكايات. "لم أسمع بهذه السيدة من قبل. هل كانت... هل كانت هذه الزيجة رسمية؟"
"نعم يا صاحب السمو، كانت رسميةً وقانونية. لكنها لم تدم طويلاً. توفيت السيدة بعد فترةٍ وجيزةٍ من الزواج، لكنها تركت خلفها... إرثاً. إرثاً كان من المفترض أن يصل إليها، ثم إلى أبنائها."
"أبنائها؟" تكرر الأمير هشام الكلمة، وارتعش جسده. "لم يكن لجدي الأمير سالم أبناءٌ من غير جدتي."
"هذا ما يعتقده الكثيرون يا صاحب السمو، وهذا هو الخطأ الذي وقع. فبعد وفاة السيدة، وبسبب الضغوط الاجتماعية ورغبة العائلة في الحفاظ على نقاء السلالة، تم التستر على أمر وجود أبناء. تم إخفاء هذا الإرث، وتم إبعاد هؤلاء الأبناء عن عائلتهم. وهم، يا صاحب السمو، هم أجدادي."
شحب وجه الأمير هشام تماماً. شعر وكأن الأرض تدور به. "ماذا تقول؟ أنت تقول أنك... أنت من سلالة جدي الأمير سالم؟"
"بالضبط يا صاحب السمو. أنا، وأبنائي، ومن بعدنا، نحمل هذه الدماء. ولكننا لم نكن نعرف بكل هذا إلا حديثاً، بعد أن وقعت بين يدي بعض الوثائق القديمة التي تكشف حقيقة ما حدث. حقيقةٌ تقول أن إرثاً كبيراً، من أراضٍ ومال، كان قد حُرم منه أجدادي ظلماً."
"ولماذا لم تكشفوا عن هذا من قبل؟" سأل الأمير هشام، وصوته بدأ يرتفع قليلاً.
"لأننا كنا نبحث عن الأدلة، وعن الطريق الصحيح. ولأننا لم نرد أن نُسبب ضرراً أو ألماً. ولكن الآن، الأمور مختلفة. الآن، كل شيء أصبح واضحاً."
"وأنتم هنا الآن... لكي تستعيدوا هذا الإرث؟" سأل الأمير هشام، وشعر بحموضةٍ تعتلي حلقه.
"يا صاحب السمو، نحن هنا لنصحح خطأً تاريخياً. ولنطالب بحقوقٍ لنا. ولكن الأهم من ذلك، هو أننا هنا لنضع حداً لهذا الكتمان. وهذا ما دفعني إلى المجيء إليك مباشرةً. لا يمكننا أن نستمر في العيش في كذبة."
"وكيف تؤكد لي كل هذا؟" سأل الأمير هشام، لم يصدق كل ما سمعه.
"لدي الوثائق يا صاحب السمو. ولدي شهادات. وكلها سيتم تقديمها للقضاء، إن لزم الأمر. ولكنني فضلت أن أبدأ معك، كنوعٍ من الاحترام لعائلتك. ولأنني أريد أن أتجنب أي نزاعٍ غير ضروري."
شعر الأمير هشام بثقلٍ هائلٍ يقع على عاتقه. كل ما كان يعتقده عن تاريخ عائلته، عن أصوله، بدأ يتصدع. وفكرة أن يكون السيد مراد، وعز الدين، جزءاً من نسيج عائلته، كانت أمراً يثير لديه مزيجاً من الصدمة والانزعاج.
"وهل... هل تعلم ابنتك، روضة، بكل هذا؟" سأل الأمير هشام، متذكراً قلقه.
"لقد كان هناك بعض الحديث. لكن ليس كل التفاصيل. ولكنها، كشخصٍ نبيلٍ، ستتفهم. وأما عز الدين، فهو يعرف جزءاً، وهو مستعدٌ لمواجهة الحقيقة."
"إنها... إنها أمورٌ معقدةٌ جداً." تمتم الأمير هشام، وهو يضع رأسه بين يديه. "هذا يتطلب تفكيراً عميقاً، ووقتاً."
"أتفهم ذلك يا صاحب السمو. خذوا وقتكم. ولكن اعلموا أننا لن نتراجع. فالحق، مهما تأخر، لا يضيع."
خرج السيد مراد، تاركاً الأمير هشام وحيداً في مكتبه، غارقاً في بحرٍ من الأفكار المتلاطمة. كانت العاصفة قد بدأت. والكلمات التي سمعها لم تكن مجرد كلمات، بل كانت ريحاً شديدةً ستقتلع جذور الماضي، وتُعيد تشكيل حاضرهم ومستقبلهم.
في تلك الأثناء، كان عز الدين يبحث عن روضة. وجدها في حديقة القصر، جالسةً تحت شجرةٍ قديمة، تتأمل زهرةً بيضاء. كانت تبدو وكأنها في عالمٍ آخر.
"روضة،" ناداها بصوتٍ هامس.
التفتت إليه، وقد ارتسمت على وجهها نظرةٌ حذرة. "عز الدين."
"هل... هل سمعتِ شيئاً؟" سأل، وقلبه يخفق بقوة.
"سمعتُ جزءاً من حديثك مع والدك. تحدثتما عن حقائق، وعن ماضٍ مدفون."
"وهل... هل فهمتِ؟"
"أفهم أن هناك أمراً كبيراً، أمراً يخيفك ويخيف أبي. وأفهم أن هذا الأمر يتعلق بنا، يتعلق بمستقبلنا."
اقترب منها عز الدين، وعيناه تلمعان بصدقٍ وألم. "روضة، هناك حقائق يجب أن تعرفيها. حقائق كانت مخفيةً لسنوات. وحقائق لم أكن أريد لكِ أن تعرفيها بهذه الطريقة."
"وما هي هذه الحقائق؟" سألت، وبدأ القلق يتزايد في قلبها.
"والدي... هو ليس مجرد رجل أعمال. هو له أصولٌ عريقة، أصولٌ تعود إلى هذه العائلة. إلى جدك الأمير سالم."
اتسعت عينا روضة بصدمة. "ماذا تقول؟ كيف؟"
"هناك قصةٌ طويلةٌ يا روضة. قصةٌ عن ظلمٍ وقع، وعن حقٍ سُلب. والدي يسعى لتصحيح هذا الخطأ. وهو... هو يطالب بما هو له."
"يطالب بما هو له؟ تقصد... المال؟ الأرض؟" سألت روضة، ولم تستطع أن تخفي دهشتها.
"نعم. ولكنه أيضاً، يطالب بالاعتراف. والاعتراف بأننا... جزءٌ من هذه العائلة."
كانت الكلمات ثقيلةً، تقع على مسامع روضة كالصواعق. لم تكن تعرف ماذا تقول، أو كيف تفكر. كل ما كانت تفكر فيه هو الوجوه التي تعرفها، العائلة التي تحبها، وكيف سيتغير كل شيء.
"عز الدين... أنا... أنا لا أفهم."
"أعلم يا روضة. ولكن صدقيني، في النهاية، ستفهمين. ولن أترككِ وحدكِ في هذا. مهما كان ما سيحدث."
نظر إليها عز الدين بعمق، وأمسك بيدها. كانت يداها باردتين، ترتجفان. شعر عز الدين بمسؤوليةٍ هائلةٍ تقع على عاتقه. لم يكن الأمر يتعلق فقط بالحصول على الحق، بل كان يتعلق أيضاً بالحفاظ على قلوبٍ عزيزة.
كانت الشمس قد ارتفعت في السماء، وكأنها تشهد على اللحظة التاريخية. عالم روضة قد انقلب رأساً على عقب. ولم تكن تعلم أنها في بداية رحلةٍ ستكشف لها الكثير، رحلةٌ ستُعيد تعريف معنى الحب، والعائلة، والحقيقة.