نصفي الآخر
قيدٌ من دخانٍ رمادي
بقلم ليلى الأحمد
كانت رائحةُ العودِ والبخورِ تتسربُ خلسةً من بينِ نوافذِ الديوانِ، تفوحُ ممزوجةً بعبقِ الشايِ الأخضرِ، كأنها محاولةٌ بائسةٌ من الأهلِ لطردِ الشبحِ الذي استقرَّ في صدرِ ياسين. لم تعدْ عيناهُ تلتقيانِ بعيني والدتِهِ إلا بجهدٍ بالغ، وقد اتسعتْ الفجوةُ بينهما، لتتسعَ معها آلامٌ لا تُرى. كانَ جسدُهُ يرتعشُ خفيةً تحتَ عباءةِ الأمانِ الزائفِ التي ينسجُها لهُ بيتُهُ، ويُغطّي بهِ ضعفهُ المتزايد.
"ياسين، يا بني، ألا تشربُ شيئاً؟" نادتهُ والدتُهُ بصوتٍ خافت، أشبهَ بالهمسِ المبللِ بالحزن. كانَتْ تقفُ عندَ عتبةِ الديوانِ، تترقبُهُ بعينينِ فيهما خليطٌ من الشفقةِ والقلقِ العميق.
نظرَ إليها ياسين، وشعرَ بوطأةِ نظرتِها تضغطُ على صدرِهِ. ابتسمَ ابتسامةً مصطنعةً، تبدو في عينيهِ كالخدشِ على سطحٍ أملس. "لا يا أمي، لستُ عطشانًا. أردتُ فقط أن أستنشقَ بعضَ هواءِ الليلِ الهادئ."
كانَ هواءُ الليلِ بالنسبةِ لهُ الآنَ مُحمَّلاً بعبقِ المحرمات، بمشهدٍ أشدَّ وضوحاً من ضوءِ النهار. كانتْ تجاعيدُ وجهِ والدتِهِ تتكاثفُ، كأنها ترسمُ خارطةً لتاريخٍ من الهمومِ والقلقِ الذي لم يجرؤْ أحدٌ على تسميتِهِ. "ولكنكَ منذُ عودتِكَ لم تضعْ شيئاً في فمِكَ. هل أنتَ مريضٌ يا ياسين؟"
"لا، لا شيءَ يا أمي. ربما أكلتُ كثيراً في الخارج." كانَ يكذبُ، وتُدركُ والدتُهُ ذلكَ، لكنها لم تملكْ إلا أن تُرددَ بصوتٍ واهن: "الحمدُ لله. ولكنْ، إذا احتجتَ شيئاً، فلا تتأخرْ عن إخباري."
كانتْ كلماتها كأنها تذكرةٌ لحياةٍ لم يعدْ ينتمي إليها، حياةٍ كانتْ بالنسبةِ لهُ يوماً ما ملجأً من صخبِ الحياةِ وتقلباتِها. ولكنْ، في زاويةِ نفسِهِ المظلمة، كانَ يدركُ أنَّ المحرماتِ قد أصبحتْ هي الملجأَ الوحيدَ لهُ، وهي العزاءَ الذي يلتفُّ حولَ وحدتِهِ.
كانَ شوقُهُ إلى ذلكَ الدخانِ المتصاعدِ، إلى تلكَ النشوةِ الزائفةِ التي تُنسيهُ كلَّ شيء، أقوى من صوتِ والدتِهِ، أقوى من واجباتِهِ، بل أقوى من إيمانِهِ. كانتْ كلماتُ الشيخِ في المسجدِ تدوي في أذنيهِ كأنها صدىً بعيد، كلماتٌ عن الضلالِ والهلاك، ولكنها لم تكنْ قادرةً على اختراقِ جدارِ الادمانِ الذي بناهُ حولَ نفسِهِ.
كانَ يرى في عينيهِ انعكاسَ صورةٍ مشوهةٍ لنفسِهِ، شابٌّ واعدٌ، لكنهُ أضاعَ بوصلتَهُ في صحراءِ الشهوات. كانَ يتذكرُ حديثَهُ معَ سارة، صوتَها الرقيق، وابتسامتَها التي كانتْ تُضيءُ لهُ العالم، ولكنهُ الآنَ كانَ يشعرُ بالعارِ من مجردِ التفكيرِ فيها. كيفَ يمكنُ لرجلٍ أسيرِ هذهِ العادةِ القبيحةِ أنْ يفكرَ في الارتباطِ بفتاةٍ طاهرةٍ كأنها زهرةٌ بريةٌ لم تدنّسها الأيدي؟
في غرفتِهِ، بعدَ أنْ استأذنَ والدتَهُ برفقٍ، أغلقَ البابَ خلفَهُ، وبدأتْ يداهُ ترتعشانِ بشدة. استوى على كرسيِّ مكتبِهِ، وأخذَ يُحدّقُ في الفراغِ، وكأنَّهُ يبحثُ عن حلٍّ لمشكلةٍ أكبرَ من قدراتِهِ. كانتْ رائحةُ العطرِ الفواحِ في غرفتِهِ، وهي نفسُ الرائحةِ التي كانتْ تحبُّها سارة، تُشعِلهُ بتناقضٍ مؤلم.
"ماذا أفعلُ بنفسي؟" تمتمَ بصوتٍ مختنق. كانَ يشعرُ بالاشمئزازِ من نفسِهِ، من ضعفهِ، من هذهِ الحلقةِ المفرغةِ التي تدورُ فيها حياتُهُ. كانَ يصارعُ رغباتِهِ، وكأنَّها وحشٌ ينهشُ في روحِهِ، يُفرغُها من كلِّ خيرٍ فيها.
تذكرَ وعدَهُ لأبيهِ، وعدَهُ بالصلاحِ والاستقامة. كانَ أبوُهُ، الرجلُ الهادئُ الحكيم، قد وثقَ بهِ ثقةً عمياء، ووضعَ فيهِ آمالاً عريضة. ولكنْ، كيفَ يمكنُ لياسينَ أنْ يُواجهَ عينيهِ اللتينِ تفيضانِ بالثقةِ والحب؟
شعرَ بعرقٍ باردٍ يتصببُ على جبينِهِ. أمسكَ برأسِهِ بينَ يديهِ، محاولاً قمعَ الأفكارِ المزعجةِ التي تتصارعُ في رأسِهِ. كانتْ صورٌ متعددةٌ تتوالى أمامهُ: سارةُ تنظرُ إليهِ بخيبةِ أمل، والدتُهُ تبكي بصمت، وأبوهُ يخيبُ أملُهُ فيه.
"لا، لا يمكنُ أنْ أسمحَ بذلك." قالَ بصوتٍ أقوى، وكأنَّهُ يُقنعُ نفسهُ. مدَّ يدَهُ إلى درجِ مكتبِهِ، وبحثَ عن الشيءِ الذي بدأَ يُسيطرُ على حياتِهِ. كلُّ لمسةٍ، كلُّ حركةٍ، كانتْ مُحمَّلةً بوزنٍ هائلٍ من الذنبِ والرغبة.
فتحتْ عيناهُ على زجاجةٍ صغيرةٍ، وبداخلِها سائلٌ غامقٌ، يُخفي وراءَ غموضِهِ وعداً بالنسيانِ المؤقت. لم يكنْ متردداً؛ فقد أصبحَ جسدُهُ يتوقُ إليهِ، وأصبحَ عقلُهُ يتخلى عن مقاومةِ سُلطتِهِ.
"لأجلِ لحظةٍ فقط..." همهمَ، وهو يُعدُّ الجرعةَ، وعيناهُ تتجنبانِ النظرَ إلى صورتهِ المعلقةِ على الحائط، صورةٌ تذكاريةٌ لهُ معَ العائلةِ في رحلةٍ إلى مكة. كانَ يرى في عيني والدتِهِ في تلكَ الصورةِ براءةً وصفاءً فقدهما الآن.
معَ كلِّ جرعةٍ، كانَ يشعرُ وكأنَّ طبقاتٍ من القلقِ والهمِّ تتساقطُ عنهُ، ليحلَّ محلَّها دفءٌ زائفٌ وخدرٌ لطيف. ولكنْ، خلفَ هذا الدفءِ، كانَ يكمنُ فراغٌ أعمق، وندمٌ سيتكشفُ لاحقاً.
بعدَ أنْ أسكتَ جزءاً من رغبتِهِ، شعرَ ببعضِ الهدوءِ يعودُ إليه. أخذَ نفسًا عميقاً، محاولاً استعادةَ السيطرةِ على أفكارِهِ. "يجبُ أنْ أجدَ طريقةً للخلاصِ من هذا." قالَ لنفسِهِ، ووعدٌ بالعودةِ إلى الطريقِ الصحيحِ يتسللُ إلى دواخلِهِ.
ولكنْ، بينَ همساتِ الليلِ، وبينَ صوتِ دقاتِ قلبِهِ المتسارعة، كانَ يعلمُ أنَّ الطريقَ إلى الخلاصِ لن يكونَ سهلاً، وأنَّ هذا القيدَ الذي نسجَهُ حولَ نفسِهِ من دخانٍ رماديٍّ، أصبحَ أقوى مما كانَ يعتقد. كانَ يوماً آخرَ يغيبُ في دهاليزِ الادمان، تاركاً خلفهُ آثارَ الندمِ، وأملاً واهناً بالغد.
* *