الفصل 7 / 25

نصفي الآخر

وَهَجُ الأَمَلِ في غُبَارِ الشَّكِّ

بقلم ليلى الأحمد

بعدَ لقائِه بمنصور، شعرَ ياسينُ بتغييرٍ طفيفٍ في داخله، بوميضٍ خافتٍ منَ الأملِ كأنَّهُ شرارةٌ في بحرٍ منَ الظلام. لم يكنِ الادمانُ قدْ تبخّرَ فجأة، ولمْ تتلاشَ الرغباتُ المُلحةُ بينَ عشيةٍ وضحاها، ولكنَّهُ شعرَ بأنَّهُ لم يعدْ وحيداً تماماً في هذهِ المعركةِ الطاحنة.

في صباحِ اليومِ التالي، استيقظَ ياسينُ بشعورٍ مختلف. لم يعدْ الصداعُ يلازمُهُ بنفسِ الشدة، ولمْ يكنْ شعورُ الوهنِ يسيطرُ عليهِ بنفسِ القدر. نظرَ إلى يديهِ، فلمْ يجدْ فيهما ذلكَ الارتجافُ الذي كانَ يُؤرقُهُ. كانَ هذا التغييرُ الطفيفُ بحدِّ ذاتِهِ انتصاراً، انتصاراً بدأَ يُشعلُ في نفسِهِ شعوراً بالقدرةِ على المواجهة.

قررَ أنْ يبدأَ بخطواتٍ صغيرة. قررَ أنْ يُقاومَ الرغبةَ الأولى في الصباح، تلكَ الرغبةَ التي كانتْ تُداهمُهُ كالفهدِ الجائع. جلسَ على طرفِ السريرِ، وأخذَ يُرددُ آياتٍ منَ القرآنِ الكريمِ في سرِّهِ، آياتٍ كانَ قدْ حفظَها صغيراً، ولكنَّهُ أهملَها طويلاً. كانَ صوتُ والدتِهِ وهي تُرددُ بعضَ الأدعيةِ بصوتٍ خافتٍ منَ الخارجِ يُضيفُ إلى شعورِهِ بالسكينة.

"يا ربِّ، أعنّي." همهمَ ياسينُ، وشعرَ بتزايدِ رغبتِهِ في أنْ يكونَ أهلاً لثقةِ والديهِ، وأهلاً لحبِّ سارة.

عندَ الإفطار، كانَ أداءُ ياسينَ أكثرَ ثباتاً. نظرَ إلى والدتِهِ بعينينِ خاليتينِ منَ التهرب، وقالَ لها ببساطةٍ: "أمي، أحتاجُ أنْ أتحدثَ معكِ في أمرٍ هامٍّ في وقتٍ لاحق."

لاحظتْ والدتُهُ التغييرَ في لهجتِهِ، وفي نبرةِ صوتِهِ، وشعرتْ بأنَّ هناكَ أمراً جللاً. لم تسألْهُ في الحال، بلْ أومأتْ برأسِها بإيجابٍ، وعادتْ إلى ترتيبِ الطاولة، وقلبُها مليءٌ بالأملِ الممزوجِ بالخوف.

تحدثَ ياسينُ معَ والدتِهِ في الديوانِ بعدَ الظهر. بدأَ بالاعتذارِ عنْ كلِّ ما سبَّبَهُ لها منْ قلقٍ وحزن. ثمَّ، بصوتٍ مُرتجفٍ، ولكنهُ مليءٍ بالصدق، بدأَ يُفصّلُ لها حقيقتَهُ، حقيقةَ الإدمانِ الذي كانَ يُعاني منهُ.

لم يكنْ الكلامُ سهلاً. كانتْ كلُّ كلمةٍ تُقالُ أشبهَ بانتزاعِ قطعةٍ من روحِهِ. ولكنَّ والدتَهُ، بقلبِها الكبيرِ الذي اتسعَ لكلِّ همومِ أبنائِها، لم تُقابلهُ بالغضبِ أو اللوم. احتضنتْهُ بقوة، وبكتْ معهُ، وشعرتْ بأنَّ هذا البكاءَ هوَ بمثابةِ غسلٍ لسنواتٍ منَ الحزنِ المكتوم.

"يا بني، أنتَ ابني، ولنْ أتركَكَ وحدكَ أبداً." قالتْ بصوتٍ مُتأثرٍ، وكانتْ عيناها تفيضانِ بالحبِّ والدعم. "سنُقاومُ هذا معاً، بإذنِ الله."

كانَ حديثُهُ معَ والدتِهِ كسرٍّ للحاجزِ النفسيِّ الذي كانَ يفصلُهُ عنْ عالمهِ. شعرَ بأنَّهُ قدْ ألقى حملاً ثقيلاً عنْ كاهلِهِ، وبأنَّهُ قدْ خطى خطوةً كبيرةً نحوَ الشفاء.

ثمَّ، في نفسِ اليوم، اتصلَ ياسينُ بسارة. كانَ الترددُ يُسيطرُ عليهِ. هلْ لديهِ الحقُّ في التحدثِ معها، بعدَ كلِّ ما حدث؟ هلْ يستحقُّ حبَّها؟

"ألو، سارة؟" قالَ بصوتٍ حاولَ أنْ يُبقيَهُ هادئاً.

"ياسين! كيفَ حالُكَ؟ لمْ أتلقَّ منك خبراً منذُ أيام." جاءَ صوتُها مليئاً بالحياةِ والفرح، وكأنَّها لا تعلمُ شيئاً عنْ صراعاتِهِ.

شعرَ ياسينُ بخجلٍ شديد، ولكنهُ قررَ أنْ يكونَ صادقاً معها، بقدرِ ما يستطيع. "سارة، أنا... هناكَ أمرٌ أودُّ أنْ أُخبركِ به. أمرٌ قدْ يُغيرُ نظرتَكِ إليَّ."

تغيرَ صوتُ سارةَ قليلاً، وبدا عليهِ بعضُ القلق. "ما هوَ يا ياسين؟ هلْ أنتَ بخير؟"

"أنا بخيرٍ الآن، ولكني مررتُ بفترةٍ صعبةٍ جداً." قالَ، ثمَّ بدأَ يُفصّلُ لها، ليسَ كلَّ تفاصيلِ إدمانِهِ، ولكنَّهُ أخبرها بوجودِ مشكلةٍ كبيرةٍ كانَ يُعاني منها، مشكلةٍ جعلهُ يشعرُ بالضعفِ والعجز.

صمتتْ سارةُ قليلاً، ثمَّ قالتْ بصوتٍ هادئٍ ومليءٍ بالحنان: "ياسين، مهما حدث، أنا معك. ما يهمني هوَ سلامتكَ وسعادتكَ. إذا كنتَ تحتاجُ مساعدة، فلا تترددْ أبداً في إخباري."

كانتْ كلماتها كبلسمٍ على جروحِهِ. شعرَ بأنَّهُ قدْ بدأَ يستعيدُ بعضاً منَ الثقةِ بنفسِهِ، وبأنَّ حبَّ سارةَ لم يكنْ مجردَ حلمٍ مستحيل.

"شكراً لكِ سارة. كلامُكِ يُعطيني القوة." قالَ، وشعرَ بأنَّ هناكَ نوراً قدْ بدأَ يُبشرُ بالخير.

في الأيامِ التالية، استمرَّ ياسينُ في جهودِهِ. كانَ يُقاومُ الرغباتِ، ويُمارسُ الرياضةَ، ويُحافظُ على قراءةِ القرآنِ والدعاءِ. كانَ يتحدثُ معَ والدتِهِ بانتظام، وكانَ يُحاولُ أنْ يُشغلَ نفسَهُ بأمورٍ مفيدة.

لكنَّ المعركةَ لم تكنْ سهلة. كانتْ هناكَ لحظاتُ ضعف، ولحظاتُ شك. كانتْ رغباتٌ قديمةٌ تطفو على السطحِ، تُهددُ بجرِّهِ إلى الخلف. كانَ يشعرُ بالوحدةِ أحياناً، وبالقلقِ على مستقبلِهِ.

خاصةً عندما يتعلقُ الأمرُ بمستقبلِهِ المهني. لقدْ تأخرَ كثيراً في مشروعٍ هامٍّ كانَ يُفترضُ أنْ يُقدمهُ للشركةِ في وقتٍ قريب. كانَ يشعرُ بأنَّهُ قدْ فقدَ تركيزَهُ، وبأنَّهُ لم يعدْ بنفسِ الكفاءةِ التي كانَ عليها.

"كيفَ سأُصلحُ هذا؟" تساءلَ في نفسِهِ. "كيفَ سأُعوضُ كلَّ هذا الوقتِ الضائع؟"

كانَ يعلمُ أنَّهُ يحتاجُ إلى مساعدةٍ حقيقيةٍ في عملِهِ، ولكنَّهُ كانَ يخشى أنْ يُصارحَ رئيسَهُ بحالتِهِ. كيفَ يمكنُ لشخصٍ يُعاني منَ الادمانِ أنْ يُحافظَ على وظيفتِهِ؟

وفي لحظةِ يأسٍ، تذكرَ منصور. لقدْ وعدهُ بالمساعدةِ والدعم.

"يجبُ أنْ أتحدثَ معَهُ مرةً أخرى." قالَ ياسينُ لنفسِهِ. "ربما يستطيعُ أنْ يُساعدني في إيجادِ حلٍّ لهذهِ المشكلةِ أيضاً."

لم يكنْ يعلمُ أنَّ طريقَ الشفاءِ طويلٌ وشاق، وأنَّ العقباتِ ستتوالى، ولكنَّهُ شعرَ بأنَّهُ قدْ بدأَ يمتلكُ القوةَ الكافيةَ لمواجهةِ ما سيأتي. لقدْ أصبحَ وهجُ الأملِ في قلبِهِ أقوى منْ غبارِ الشكِّ الذي كانَ يُحاولُ أنْ يُطفئَهُ.

* *

شارك هذا الفصل:

เว็บไซต์นี้ใช้คุกกี้

เราใช้คุกกี้เพื่อปรับปรุงประสบการณ์การอ่านนิยายของคุณ วิเคราะห์การเข้าชม และแสดงโฆษณาที่เกี่ยวข้อง รายได้จากโฆษณาช่วยให้เราให้บริการอ่านนิยายฟรีต่อไปได้ อ่านรายละเอียดเพิ่มเติมที่ นโยบายความเป็นส่วนตัว

ตะกร้า eBook

ตะกร้าว่างเปล่า

เพิ่ม eBook ลงตะกร้าเพื่อรับส่วนลดพิเศษ

ส่วนลด Bundle

ซื้อ 3-4 เล่มลด 10%
ซื้อ 5-9 เล่มลด 15%
ซื้อ 10+ เล่มลด 20%