نصفي الآخر
لقاء تحت ظلال الياسمين
بقلم ليلى الأحمد
نسيم عليل، محمّل بعبق الياسمين وزهر الليمون، داعب وجوه الواقفين في باحة القصر العامرة. كان المساء قد ألقى بعباءته المخملية على مدينة القاهرة، مضيئاً نجومها المتلألئة بلمعان المصابيح العتيقة. جلست ليلى، بعباءتها الزمردية التي تلتف حول قامتها الممشوقة كحديقة سرية، تراقب بعينيها الواسعتين، اللتين تشبهان بحيرات داكنة في ضوء القمر، تفاصيل هذا الجمع المهيب. كانت قد أُبلغت بخطوبة كريمة آل الحسيني، ابنة عمها، على شاب من عائلة مرموقة، وقد أُقيم هذا الحفل لاستقبال العريس وذويه.
لم تكن ليلى غريبة عن مثل هذه المناسبات، فقد اعتادت على حفلات الزفاف والخطبة والتهاني في بيئتها الأرستقراطية. لكن هذه الليلة كانت تحمل في طياتها شيئاً مختلفاً. ربما كان ذلك التوقّع المبطّن، أو ذلك الشعور الغامض الذي كان يتسلل إلى قلبها كلما تذكرت حديث والدتها الأخير عن "ضرورة اختيار شريك حياة مناسب". كانت تلك الكلمات، وإن كانت تحمل حرص الأم، إلا أنها كانت تثير في نفس ليلى قلقاً مبطناً، خوفاً من أن يُفرض عليها زواج لا تستشعر فيه روحها، ولا تلتقي به بقلبها.
مرّت لحظات طويلة، امتلأت بضحكات عالية، وأحاديث متداخلة، وأصوات المعازف الهادئة التي عزفت ألحاناً قديمة. ثم، وبينما كانت عيناها تتجولان في المكان، استوقفتها قامةٌ تقف بعيداً، محاطة بهالة من الهدوء والرزانة. كان شاباً، يرتدي زياً رسمياً أنيقاً، ولا يتحدث كثيراً، بل يكتفي بالاستماع بإنصات، أو بإيماءة رأس بسيطة. كان لديه هدوءٌ يعكس عمقاً، ونظرةٌ فيها شيءٌ من الجدية ممزوجة بلمسة حنان خفي.
شعرت ليلى بشيءٍ غريب يجتاحها، أشبه بكهرباء خفيفة مرت في عروقها. لم تكن تعرفه، ولم يلتقِ بها أحدٌ من قبل. لكنها شعرت بانجذابٍ مفاجئ، وانفعالٍ لم تعهده. بدأت تراقب تصرفاته بهدوء، وكأنها تبحث عن تفسير لهذا الإحساس. كان يتفاعل بلطف مع الجميع، يتحدث مع كبار السن باحترام، ويبتسم للصغار بترحيب. كان يتخلى عن مكانه لضيوفٍ وصلوا متأخرين، ويقدم المساعدة لمن يحتاج.
ثم، وفي لحظةٍ خاطفة، التقت نظراتهما. نظرةٌ مرت كالسهم، وتركت أثراً عميقاً. في عينيه، رأت ليلى شيئاً لم تجده في عيون من حولها: براءةٌ صافية، وصدقٌ بلا تزيين. كان لديهما نفس الدهشة، نفس التساؤل. سارعت ليلى بإبعاد بصرها، وشعرت بحرارةٍ تصعد إلى وجهها. أحست بأنها اكتُشفت، بأن قلبها قد أعلن عن خفقانه بصوتٍ أعلى من كل ضجيج الحفل.
اختفت قامة الشاب عن مجال رؤيتها، لكن حضوره ظلّ يلازمها. راحت تبحث عنه بعينيها بين الحشود، متلهفةً لرؤيته مرة أخرى، ولو من بعيد. سمعت والدتها تناديها، ملوحةً بيدها. ابتسمت ليلى ونهضت، لكن قلبها ظلّ متعلقاً بتلك النظرة، بذلك الغريب الذي اختطف جزءاً من اهتمامها.
"ليلى، حبيبتي، أين كنتِ؟" سألت والدتها، وعيناها تفحصان وجه ابنتها. "كنتُ أتأمل المكان يا أمي، إنه جميلٌ كالعادة." أجابت ليلى، محاولةً إخفاء ارتباكها. "أنا سعيدةٌ جداً بخطوبة كريمة. إنها ليلةٌ مباركة. أتمنى أن تجدي أنتِ أيضاً نصيبكِ المناسب قريباً." قالت والدتها، وهي تضع يدها على كتف ابنتها. "إن شاء الله يا أمي." أجابت ليلى، متذكرةً تلك النظرة مرة أخرى.
واصلت ليلى الحديث مع والدتها، لكن عقليها كان يصور وجه الشاب الغامض. هل هو أحدٌ من عائلة العريس؟ أم ضيفٌ آخر؟ ومن يكون؟ كيف سأعرف اسمه؟ أسئلةٌ تتوالى في رأسها، ترسم دوائر من التساؤلات.
وبينما كانت الأمسية تنتهي، وعادة ما يتبادل الجميع التهاني والتوديع، رأت ليلى الشاب مرة أخرى، يقف قرب المخرج، يتحدث مع والد العروس. أحست بقلبها يخفق بعنف. أخذت نفساً عميقاً، وطلبت من والدتها أن تودع خالها. ثم، وبخطواتٍ مترددة، بدأت تقترب، وعيناها تلاحقانه.
وصلت ليلى إلى قرب الباب، ورأت الشاب يلتفت. مرة أخرى، التقت نظراتهما. ابتسم الشاب ابتسامةً خفيفة، فيها شيءٌ من الأدب والاحترام. أومأ برأسه قليلاً. لم تجرؤ ليلى على الابتسام، بل اكتفت بالنظر إليه، وبدت وكأنها تحمل في عينيها كل الأسئلة التي كانت تدور في رأسها.
"هل أنتِ من آل الحسيني؟" سأل الشاب بصوتٍ هادئ وعميق، فيه نبرةٌ عربية أصيلة. "نعم، أنا ليلى." أجابت ليلى، وصوتها بالكاد يُسمع. "تشرفتُ بلقائكِ، أنا أحمد." قال الشاب، ومدّ يده. ترددت ليلى للحظة، ثم مدت يدها، لتصافحه. كانت يده دافئة، قوية، ولامست يدها بلطف. شعرت بلحظةٍ سريعة، لكنها كافية لتؤكد لها أن هذا اللقاء لم يكن عادياً. "وأنا أيضاً تشرفتُ بلقائك يا سيد أحمد." قالت ليلى، تشعر بنبضات قلبها تتسارع. "أتمنى لكِ أمسية سعيدة." قال أحمد، وابتسامته أصبحت أوسع قليلاً، تحمل في طياتها وعداً باللقاء. "شكراً لك. وإياك." أجابت ليلى.
ابتعد أحمد، واندمج مرة أخرى بين الحضور. وقفت ليلى مكانها، وعيناها تتبعان خطواته. شعرت بأن هذه الليلة لم تكن مجرد احتفال بخطوبة، بل كانت بداية لقصةٍ أخرى، قصةٌ لم تكن تتوقعها، لكنها شعرت بأنها قد بدأت بالفعل. تركت عبق الياسمين يملأ رئتيها، وأحست بأن هناك شيئاً قد تغير في عالمها الهادئ.