روح تبحث عنك
رياح التغيير القادمة
بقلم ليلى الأحمد
تسللت الشكوك إلى قلب أحمد كالنمل، تنهش في صفاء صفائه، وتزعزع استقراره. لم تكن كلمات سارة صريحة، بل كانت كإشاراتٍ مبطنة، كالهمسات في الظلام، مما زاد من وطأة الحيرة. هل كان يبالغ في ثقته؟ هل كانت ليلى، بتلك البراءة التي أحبها، تخفي شيئاً؟
في غضون ذلك، كانت الجدة أمينة تعيش في قلقٍ متزايد. لاحظت تغيراتٍ طفيفةً في ردود فعل أحمد عند زياراته الأخيرة. لم يعد ذلك الحماس المعهود، بل كان هناك نوعٌ من التردد، وبعض الأسئلة التي تبدو وكأنها تبحث عن إجاباتٍ خفية. "يا أحمد، هل هناك ما يقلقك؟" سألت الجدة بهدوءٍ بينما كانت تعدّ الشاي. نظر إليها أحمد، ثم قال: "لا يا جدتي، فقط بعض ضغوط العمل." ابتسمت الجدة بحكمة. "أنا أعرفك يا بني. لستَ ممن يشتكي بسهولة. ولكن إذا كان هناك شيءٌ يمكنني المساعدة فيه، فلا تتردد." شعر أحمد بحرجٍ طفيف. لم يكن يريد أن يفسد العلاقة التي بدأت تنمو بين عائلته وعائلة ليلى. لكنه لم يستطع إخماد جذوة الشك التي أشعلتها سارة.
من ناحيةٍ أخرى، كانت سارة تعمل بجدٍ على توسيع دائرة سمومها. لم تكتفِ بالهمسات، بل بدأت في زرع الشائعات بشكلٍ أكثر مباشر، لكن بطرقٍ تبدو وكأنها "قلقٌ على الصالح العام". "يا أمي، ألا تشعرين بأن هناك شيئاً ما ليس على ما يرام؟" سألت سارة والدتها، وهي تجلس في غرفة المعيشة، تشاهد صور عائلة أحمد. "أحمد يبدو متوتراً جداً في الآونة الأخيرة. هل ربما بدأ يشعر بالندم؟" "وما الذي يجعلكِ تقولين ذلك؟" سألت الأم، التي كانت تبدأ هي الأخرى بالشعور ببعض القلق من تغير تصرفات ابن أخيها. "لقد سمعتُ بعض الأحاديث. عن مدى صعوبة التأقلم في البيئات المختلفة، وعن وجود اختلافاتٍ كبيرةٍ بين العائلات. لا أريد أن أرى أحمد يتعرض لأذى. خاصةً بعد كل ما مرّ به." كانت سارة تتلاعب بمشاعر عائلتها، مستغلةً حبهم لأحمد وخوفهم عليه.
في أحد الأيام، وبينما كانت ليلى تجلس في حديقة جدتها، تتأمل أزهار الياسمين التي تملأ المكان بعبقها، وصلها اتصالٌ من أحمد. كان صوته مختلفاً، هادئاً، يحمل نبرةً لا تعرفها. "ليلى، هل لديكِ وقتٌ لنتحدث؟" "نعم يا أحمد. تفضل." "أردتُ أن أسألكِ سؤالاً. هل أنتِ متأكدةٌ من أن عائلتكِ... واضحة؟ أقصد، هل هناك ما قد لا يكون معروفاً عنا؟" صُدمت ليلى. لم تتوقع هذا السؤال أبداً. شعرت بأن قلبها قد انقبض. "ماذا تقصد يا أحمد؟" سألت بصوتٍ مرتجف. "لا أعرف كيف أشرح. فقط... بعض الأحاديث بدأت تصل إليّ. شائعات. عن... ربما عن ماضٍ معين، أو عن بعض الصعوبات التي واجهتها عائلتكِ في الماضي." بدأت الدموع تتساقط من عيني ليلى. لم تصدق أذنيها. أين ذهب ذلك الرجل الذي وثقت به؟ أين ذهبت ثقته بها؟ "أحمد، أرجوك. لا تصدق كل ما تسمعه. جدتي... عائلتي... لم يفعلوا شيئاً خاطئاً. نحن أناسٌ عاديون، نبحث عن حياةٍ هادئة. ربما هناك سوء فهم." "ولكن... ماذا لو لم يكن سوء فهم؟ ماذا لو كان هناك شيءٌ حقيقي؟" "إذا كان هناك شيءٌ حقيقي، لأخبرتكِ به بنفسي. لأنني أحترمك، وأحترم هذا الارتباط الذي بدأ بيننا. لكن أن تأتي إليّ بهذا السؤال، بعد كل ما حدث بيننا... هذا يؤلمني جداً يا أحمد." انتهى الاتصال. تركت ليلى الهاتف يسقط من يدها، وشعرت بانهيارٍ تام. كانت تبني حلماً، وبدأ يتهاوى أمام عينيها.
في ذلك المساء، جلست الجدة أمينة مع ليلى. لاحظت شحوب وجهها، والدموع التي لم تجفّ. "ما الأمر يا صغيرتي؟" سألت بحنان. حكت لها ليلى ما دار بينها وبين أحمد، وعرضت لها الرسالة التي أرسلتها سارة. اتسعت عينا الجدة غضباً، لكنها سرعان ما استعادت رباطة جأشها. "لا تحزني يا بنيتي. هذه أفاعي تسعى لإفساد ما هو خير. ولكنها لن تستطيع." "لكن يا جدتي، أحمد صدقها. أو على الأقل، شكّ فيّ." "الشّك يا صغيرتي هو أخطر الأمراض. ولكنه قد يُشفى. أنتِ يا ليلى، لا تفكري كثيراً. استمري في سيركِ على الطريق الصحيح. واجعلي أفعالكِ تتحدث عنكِ. الله لن يضيع حقكِ."
في منزل أحمد، كان التوتر يسود الأجواء. تحدث أحمد إلى والده عن مخاوفه. "أبي، هناك بعض الأمور التي تثير قلقي بشأن ليلى وعائلتها. هناك شائعات..." "شائعات؟ عن ماذا؟" سأل الأب بجدية. "هل أنت متأكدٌ مما تسمعه؟" "بعض الأحاديث عن صعوباتٍ واجهتها العائلة في الماضي. لا أعرف إن كانت صحيحة." "يا بني، كل عائلةٍ لها ماضيها، ولها صعوباتها. المهم هو حاضر الشخص، ومستقبله. وهل شخصيته طيبةٌ وصالحة؟ هذا هو المهم." "ولكن... سارة تقول إن الأمر كبير." "سارة؟" عبس الأب. "دائماً ما تبدو قلقةً على مصلحتك، لكن ربما لديها دوافع أخرى." "دوافع أخرى؟" "لا أريد أن أتهم أحداً، لكن يبدو أن سارة تحاول التأثير عليك. عليك أن تكون حذراً. ولا تتخذ قراراً بناءً على مجرد شائعات."
بعد أيامٍ قليلة، قررت الجدة أمينة أن تتخذ خطوةً استباقية. اتصلت بوالدة أحمد، لكن هذه المرة، تحدثت بجديةٍ أكبر. "أم علي، أظن أن الوقت قد حان لنجلس سوياً، ونتحدث بقلبٍ مفتوح. هناك بعض الأمور التي بدأت تصلني، وتبدو مقلقة." "تفضلي يا أمينة، ما الذي يقلقك؟" "بدأت تصلني همساتٌ عن ليلى وعائلتها. شائعاتٌ لا أساس لها من الصحة، أظن أنها تأتي من مصدرٍ واحدٍ هدفه إفساد الأمور." "وهل أنتِ متأكدةٌ من ذلك؟" "متأكدةٌ تماماً. ولكن بما أن الأمور بدأت تصل إلى أحمد، وأظن أنها قد وصلت إليكِ أيضاً، فيجب أن نضع حداً لهذه الألاعيب." "والله يا أمينة، أنا أشعر ببعض القلق، لكنني لم أسمع شيئاً محدداً. أحمد يذكر ليلى دائماً بخير، لكنه يبدو متوتراً في الآونة الأخيرة. يبدو أنه يسمع شيئاً." "إذاً، علينا أن نضع حداً لهذه الأمور. ما رأيكِ أن نلتقي في مكانٍ محايد، ونتحدث عن كل شيء؟" "موافق. متى ترين أن الوقت مناسب؟"
اجتمعت السيدتان في أحد المقاهي الهادئة، وبدأتا الحديث. كانت كل منهما تحمل همّاً، وتسعى لوضع حدٍ للأزمة التي بدأت تتفاقم. هل ستتمكن حكمتهما من تجاوز كيد الأفاعي؟ وهل ستعود الثقة لتنتصر على الشك؟