الفصل 14 / 25

روح تبحث عنك

همسات الماضي ورياح الحاضر

بقلم ليلى الأحمد

كانت نسمة العشاء، وهي تحمل عبق الياسمين المتفتح في حديقة المنزل، تتسلل عبر نافذة غرفة فاطمة، تلامس وجنتيها ببرودة لطيفة، وكأنها تعزيها في اضطرابها الداخلي. فقد عادت الكلمات التي سمعتها بالأمس من جدتها، أمها، لتتردد في أذنها كصدى بعيد، كلمات عن سر دفين، عن قرار اتخذته الأم قبل عقود، قرار ألقى بظلاله على حاضرهم دون أن تدرك هي عمق تأثيره.

جلست فاطمة على حافة سريرها، تتأمل انعكاسها الباهت في المرآة المعلقة على الحائط. لم تكن تلك الفتاة المرحة التي كانت تخطط لحفل زفافها بحماس، بل امرأة تحمل على عاتقها ثقل عالم لم تفهمه بعد. كانت تشعر بأن خيوطًا غير مرئية تنسج حولها، خيوطًا تربطها بماضٍ غامض، وبمستقبل يكتنفه الضباب.

في هذه الأثناء، كان أحمد في مكتبه، غارقًا في أوراق تخص عمله، لكن عينيه كانتا شاردتين. صورة فاطمة، التي وضعها على المكتب، كانت تتحدث إليه بصمت. كان يتوق إليها، يتوق إلى رؤية بسمتها، إلى سماع ضحكتها التي تضيء عالمه. لكن شعورًا غريبًا بدأ يتسلل إلى قلبه، شعور بعدم اليقين. منذ لقائهما الأخير، كان يشعر بأن شيئًا ما قد تغير فيها. كانت ابتسامتها تحمل حزنًا خفيًا، وكانت كلماتها تحمل ترددًا لم يعهده من قبل. هل كان الأمر متعلقًا بما سمعته من جدتها؟ حاول أن يتذكر أي تفاصيل قد تكون كشفت عنها جدتها، لكن ذاكرته خانته.

قطع صمت الغرفة رنين هاتفه. كانت المتصلة أخته، سارة. "أحمد، هل لديك وقت؟ أردت أن أتحدث معك في أمر مهم." "أنا أستمع يا سارة. تفضلي." "أتذكر صديق والدي، السيد محمود؟ الذي يعمل في نفس المصنع القديم؟" "نعم، أتذكر. ماذا عنه؟" "لقد اتصل بي اليوم. كان يتحدث عن والدي وعن مشروع قديم كانا يعملان عليه قبل وفاته. مشروع كان سيغير حياة الكثيرين، حسب قوله. ولكن يبدو أن هناك مشكلة، وأن هناك من يحاول عرقلة تحقيق هذا المشروع."

شعر أحمد بوخزة من القلق. والده كان رجلًا أمينًا وطموحًا، وكان دائمًا ما يتحدث عن أحلامه لمساعدتهم، لمساعدة مجتمعه. "مشكلة؟ أي مشكلة؟ ومن يحاول عرقلته؟" "لم يوضح السيد محمود الكثير، لكنه ألمح إلى أن الأمر يتعلق بعائلة قوية، لها نفوذ كبير في المدينة. وأنه يحتاج إلى مساعدتنا، أو بالأحرى، مساعدتك، لاستعادة بعض الأوراق المهمة التي تعود لوالدي، والتي يخشى أن تكون قد وقعت في الأيدي الخطأ."

تنهد أحمد. هذا العالم كان يزداد تعقيدًا يومًا بعد يوم. لم يكن يتوقع أن تتحول حياته الهادئة إلى هذه الرحلة المليئة بالأسرار والصراعات. "سأفعل ما بوسعي يا سارة. متى يمكنني مقابلة السيد محمود؟" "غدًا صباحًا. في مقهى 'الياسمين' القديم."

في صباح اليوم التالي، توجه أحمد إلى المقهى. كان المكان يحتفظ بذكريات طفولته، بروائح القهوة والهيل المنبعثة من أركانه. وجد السيد محمود جالسًا على طاولة في الزاوية، رجل في الستينات من عمره، تبدو على وجهه علامات الحكمة والتعب.

"أهلًا بك يا بني." قال السيد محمود بصوت خفيض. "أهلًا بك يا عم. سارة أخبرتني عن سبب لقائنا." "نعم. لقد كان والدك رجلًا نبيلًا. وكان لديه حلم كبير، حلم بتأسيس مصنع صغير يوفر فرص عمل للشباب العاطلين في أطراف المدينة. لقد استثمر فيه كل ما يملك. ولكن للأسف، قبل أن يكتمل المشروع، تعرض لحادث مؤسف... ومنذ ذلك الحين، اختفت الكثير من الأوراق المهمة المتعلقة بالمشروع."

بدأ السيد محمود بسرد تفاصيل المشروع، عن كيف كانا يحلمان بخلق مستقبل أفضل لمن حولهما. ثم أشار إلى أن هناك شخصًا يدعى "السيد بدر"، وهو رجل أعمال ثري وذو نفوذ، قد استغل غياب والد أحمد، واستولى على بعض الأصول المتعلقة بالمشروع، وبدأ ببناء إمبراطوريته الخاصة على أنقاض أحلام والد أحمد. "أتساءل، يا بني، هل كان لوالدك أعداء؟ هل كان هناك من يكرهه؟" "لم أسمع منه شيئًا كهذا أبدًا. كان يحب الجميع، ويساعد المحتاجين." "حسنًا. أعتقد أن مشكلة السيدة بدر تتعلق بممتلكات الوالد، وبفكرة المشروع. لقد كان الوالد يثق بي، ووضع لدي نسخة من بعض الوثائق. ولكن أعتقد أن السيد بدر يعرف أن هناك المزيد، وأن هناك وثائق ضرورية لإثبات ملكية الوالد الحقيقية لهذا المشروع، أو على الأقل لحصة كبيرة منه. وهو يبحث عنها، وربما يكون السبب وراء عدم اكتمال الزواج هو ضغوطه عليكم، أو محاولته لابتزازكم."

شعر أحمد بالصدمة. هل يمكن أن يكون هذا هو السبب وراء ابتعاد فاطمة؟ هل كانت هناك قوى خارجية تحاول التفريق بينهما؟ "هذا أمر خطير جدًا. هل أنت متأكد من كل هذا؟" "أنا متأكد. لقد رأيت بعيني كيف تغيرت الأمور بعد وفاة والدك. وكيف بدأ السيد بدر في التوسع، بينما اختفى حلم والده. وأخشى أن يؤدي هذا إلى تدمير سمعة الوالد، وتدمير حقوقه."

نهض أحمد من مقعده. كان يشعر بمسؤولية ثقيلة تقع على عاتقه. لم يكن الأمر يتعلق فقط بحماية سمعة والده، بل بحماية مستقبل فاطمة، وحماية الحقيقة. "ماذا تحتاج مني بالتحديد يا عم؟" "أحتاج منك أن تساعدني في استعادة تلك الوثائق. أعتقد أنها مخبأة في مكتب الوالد القديم، الذي تم بيعه لأحد تجار الخردة. لقد فقدت الأمل في الوصول إليها بنفسي، ولكن بصفتك ابنه، ربما يكون لك الحق في البحث عنها. وأنا مستعد لمساعدتك في كل خطوة."

عاد أحمد إلى المنزل، وعقله يعج بالأفكار. نظر إلى صورة فاطمة. هل كانت تعلم بهذا؟ هل هذا هو السبب في حزنها؟ شعر بأن لغز زواجهما لم يعد مجرد لغز رومانسي، بل أصبح متشابكًا بخيوط مؤامرة أكبر. كان عليه أن يكتشف الحقيقة، ليس فقط من أجل والدته، بل من أجل فاطمة، ومن أجل إرث والده.

في تلك الليلة، بينما كانت فاطمة تنام نومًا متقطعًا، وهي تحلم بأصوات الماضي تهمس في أذنيها، كانت روحها تبحث عن استقرار، عن إجابات، عن نور في نهاية نفق مظلم. لم تكن تدرك أنها ليست وحدها في هذا البحث، وأن هناك من يبحث عنها، ومن أجلها.

شارك هذا الفصل:

เว็บไซต์นี้ใช้คุกกี้

เราใช้คุกกี้เพื่อปรับปรุงประสบการณ์การอ่านนิยายของคุณ วิเคราะห์การเข้าชม และแสดงโฆษณาที่เกี่ยวข้อง รายได้จากโฆษณาช่วยให้เราให้บริการอ่านนิยายฟรีต่อไปได้ อ่านรายละเอียดเพิ่มเติมที่ นโยบายความเป็นส่วนตัว

ตะกร้า eBook

ตะกร้าว่างเปล่า

เพิ่ม eBook ลงตะกร้าเพื่อรับส่วนลดพิเศษ

ส่วนลด Bundle

ซื้อ 3-4 เล่มลด 10%
ซื้อ 5-9 เล่มลด 15%
ซื้อ 10+ เล่มลด 20%