روح تبحث عنك
المواجهة المنتظرة
بقلم ليلى الأحمد
عادت فاطمة إلى منزلها، وعقلها مشوش. لقد أدركت الآن أن الأمور ليست بسيطة كما كانت تعتقد. إن محاولة إبعاد أحمد لم تكن مجرد خوف على مستقبلها، بل كانت خوفًا على مستقبلهم جميعًا. لقد فهمت أخيرًا جدوى كلمات والدتها.
في تلك الليلة، بينما كانت فاطمة تفكر في كل شيء، قررت أن تقوم بخطوة جريئة. لم تعد تستطيع البقاء في الظل. كان عليها أن تواجه الحقيقة، وأن تواجه السيد بدر.
في صباح اليوم التالي، استيقظت فاطمة مبكرًا. ارتدت أجمل ما لديها، ثوبًا فضفاضًا بلون السماء، وحجابًا زينيًا. شعرت بأنها مستعدة لمواجهة أي شيء.
توجهت إلى مقر شركة "بدر للاستثمار"، ذلك المبنى الزجاجي الشاهق الذي كان رمزًا للقوة والنفوذ في المدينة. وقفت أمام البوابة الضخمة، تشعر بالرهبة، ولكن أيضًا بالشجاعة.
"أريد أن أقابل السيد بدر." قالت بحزم للبواب. "هل لديك موعد؟" سأله البواب بنبرة متعالية. "لا، ليس لدي. ولكن الأمر يتعلق بموضوع عاجل جدًا. يتعلق بعائلة المنصور."
عندما سمع اسم "المنصور"، بدا على البواب بعض التردد. ثم اتصل بشخص ما عبر جهاز اتصال داخلي. بعد لحظات، عاد. "السيد بدر في مكتبه. سيستقبلكِ."
اصطحبها رجل يرتدي بدلة سوداء أنيقة إلى مصعد فاخر. صعدت به إلى الطابق الأخير. كان المكتب واسعًا، يطل على المدينة بأكملها. كان السيد بدر جالسًا خلف مكتبه الضخم، رجل ذو وجه قاسٍ، وعينين حادتين.
"تفضلي بالجلوس." قال السيد بدر، مشيرًا إلى كرسي أمامه. "شكرًا لك. أنا هنا اليوم لأتحدث معك عن أمر يتعلق بعائلة المنصور."
ابتسم السيد بدر ابتسامة خفيفة. "عائلة المنصور؟ لم أسمع بهذا الاسم منذ فترة طويلة. هل لديكِ علاقة بهم؟" "نعم. أنا فاطمة، ابنة السيد المنصور. وأنا هنا لأعرف الحقيقة."
تغير تعبير وجه السيد بدر. بدا عليه بعض الانزعاج. "فاطمة؟ لم أكن أعرف أن لديكِ ابنة. لقد عرفت والدتكِ، ولكن لم ألتقِ بكِ." "والدتي تركت لي رسالة. رسالة كشفت لي كل شيء. عن مشروع والدها، وعن الدور الذي لعبته أنت في عرقلته."
ارتفع صوت السيد بدر قليلًا. "ماذا تقولين؟ أنا لم أعرقل أي مشروع. أنا فقط قمت بتنمية ما كان ملكًا لي. لقد كان والدكِ رجلًا طموحًا، ولكن للأسف، لم يكن لديه الجرأة الكافية لإكمال مشروعه. لقد كان من الضروري أن أتدخل وأكمل ما بدأه."
"بالتدخل؟ بالاستيلاء على حقوقه؟" ردت فاطمة، وعيناها تشتعلان. "والدتي تركت لي وثائق. وثائق تثبت ملكيته لهذه الشركة، ولأصولها. وهي تقول إنك حاولت مرارًا أن تحصل عليها."
صمت السيد بدر للحظة. كان يراقبها بعينين تحاولان قراءة ما يدور في ذهنها. "وثائق؟ لا أعرف عن أي وثائق تتحدثين. ربما تكون والدتكِ قد أساءت فهم الأمور. لقد كان هناك تصفية لبعض الأصول، وكان لوالدكِ نصيب فيها. ولكن لا شيء يثبت ملكيته لهذا المكان."
"والدتي تركت لي رسالة، ورسالتها فيها كل التفاصيل. عن الوثائق التي كانت لديكِ. وعن مكان وجودها." قالت فاطمة، بجرأة غير متوقعة.
شعر السيد بدر بالتوتر. بدت كلماتها قوية، وواثقة. "أنا لا أعرف عما تتحدثين. أنا رجل أعمال، وأنا أركز على المستقبل. ولا يهمني ماضي قديم." "ولكن الماضي هو الذي شكل الحاضر. والدي كان لديه حلم. حلم لم يكتمل بسببك."
"أنا لم أخذل أحدًا. أنا فقط استغليت الفرصة." قال السيد بدر، بنبرة تحمل بعض الشماتة. "وإذا كانت لديكِ وثائق، فأنا أشجعكِ على تقديمها. ولكن لا أعتقد أنكِ ستجدين شيئًا يغير الواقع."
"الواقع سيتغير." قالت فاطمة، وهي تقف. "لقد جئت لأتحدث معك للمرة الأخيرة. إذا لم تعترف بالحقيقة، وإذا لم تعد الحقوق لأصحابها، فسوف أقدم كل ما لدي من وثائق للجهات الرسمية. وسوف أتأكد من أن العالم كله يعرف قصة السيد بدر، وكيف بنى إمبراطوريته على حساب أحلام الآخرين."
غادرت فاطمة مكتب السيد بدر، تاركة إياه في حالة من الغضب والتفكير. لم تكن متأكدة مما إذا كانت كلماتها ستؤثر فيه، ولكنها شعرت بأنها قد قامت بما عليها. لقد وضعت بصمتها، وقدمت إنذارًا.
في هذه الأثناء، كان أحمد والسيد محمود قد توصلا إلى مكان المكتب القديم. لقد وجدوا ورشة للخردة، وكانت تحمل آثارًا لما كان يومًا ما مكتبًا فاخرًا. بدأوا في البحث بين الأغراض، بأمل العثور على الصندوق الذي تحدثت عنه والدة فاطمة.
"هناك!" صاح السيد محمود، مشيرًا إلى صندوق خشبي قديم، مخبأ تحت كومة من الأقمشة البالية. كان الصندوق محفورًا عليه اسم "أحمد".
فتح أحمد الصندوق بحذر. بداخله، وجد مجموعة من الوثائق القديمة، خطابات، عقود، صور، وكل ما يتعلق بمشروع والده. وفي قاع الصندوق، وجد مغلفًا سميكًا، مختومًا بختم عائلة المنصور. "لأحمد، ابني الحبيب".
قرأ أحمد الرسالة. كانت نفس الرسالة التي قرأتها فاطمة. نفس التفاصيل، نفس التحذيرات، نفس الأمانة. شعر أحمد بمزيج من الغضب والحزن. غضب من السيد بدر، وحزن على والدته التي حملت هذا العبء وحدها.
"هذه هي الوثائق التي كان يبحث عنها السيد بدر." قال السيد محمود، وهو يتفحص بعض العقود. "هذه الوثائق تثبت ملكية والدكِ لمعظم أسهم الشركة. وهذه الرسالة، دليل قاطع على نوايا السيد بدر."
شعر أحمد بمسؤولية ثقيلة تقع على عاتقه. لقد اكتشف الحقيقة. والآن، عليه أن يقرر ما سيفعله بهذه الحقيقة. هل سيواجه السيد بدر؟ هل سيقاتل من أجل إرث والده؟
بينما كان أحمد والسيد محمود يتفحصان الوثائق، كان قلب أحمد يخفق بسرعة. هل كانت فاطمة تعرف بكل هذا؟ هل كان ابتعادها بسبب خوفها على هذا الأمر؟
"أعتقد أننا وجدنا ما نبحث عنه." قال أحمد، وعيناه تلمعان بالعزم. "والآن، علينا أن نفكر في الخطوة التالية."
كان شبح الماضي قد ألقى بظلاله على حاضرهم، وبدأت المواجهة المنتظرة تقترب.