روح تبحث عنك
الأسرار تتكشف كالليل
بقلم ليلى الأحمد
كانت سماء مدينة الأجداد تتوشح بسواد الليل، لكن في قلب بيت آل الهاشمي، كان الظلام أعمق وأكثر إثقالا. انقشع الغبار عن وجوه الكل، وتركت الأقنعة جانبا لتنكشف الحقائق المرة، كأفعى تخرج من جحرها. جلست عائشة، شابة كانت الأمل يشرق في عينيها، الآن تذوي ألوان وجهها شاحبة. أمامها، وقف والدها، الشيخ أحمد، وجهه ينطق بما لم تقله شفتاه. وقفت والدتها، أمينة، ودموعها تنساب بصمت على خديها.
"يا بنيتي،" بدأ الشيخ أحمد بصوت مرتعش، "هناك ما يجب أن تعلميه. أمرٌ ثقيلٌ حملته صدورنا لسنوات، وأردنا أن نحميكِ منه."
رفعت عائشة رأسها، وقلبها يخفق بعنف كطائر محبوس. "ماذا يا أبي؟ قل لي، أرجوك."
"قصة جدك،" قال ببطء، "الشيخ سليمان. لم يكن دائماً كما سمعتِ. كانت له صفقةٌ مشبوهة، في شبابه، مع رجلٍ غادر. صفقةٌ أدت إلى خسارةٍ فادحةٍ للكثيرين."
انفجرت أمينة بالبكاء. "وكنتِ أنتِ، يا عائشة، المفتاح لفك هذا اللغز. اسمكِ، عائشة، هو الاسم الذي كان يبحث عنه ذلك الرجل."
توسعت عينا عائشة في ذهول. "اسمي؟ أنا؟ لكن كيف؟"
"ذلك الرجل،" تابع الشيخ أحمد، "كان له ابنٌ يعيش في الخارج. لم يكن يعرف به أحدٌ هنا. وقد علم أخيراً بما فعله والده. أراد أن يعوض، أن يردّ ما سُلب. وبحث عن سلالة أولئك الذين تضرروا. ووجدتْه الأقدار إلى بيتِنا. ثم إلى قلبكِ."
شعرت عائشة بدوارٍ يلفها. كل ما اعتقدت أنه يقين، بدا الآن سراباً. "تقصد... أن... أن يوسف..."
قطعتها والدتها بكلماتٍ متقطعة: "هو ابنُ الرجل الذي أساء إليه والدكِ. هو من أتى ليبحث عنكم."
هنا، استوعبت عائشة المصيبة. كل تلك المشاعر، تلك اللقاءات، تلك الابتسامات، ذلك الحب الذي بدأ يزهر في قلبها، كان مبنياً على كذبة، أو على الأقل، على حقيقةٍ ناقصة. يوسف، الرجل الذي رأت فيه الفارس الذي جاء لإنقاذها من وحدتها، هو ابن الرجل الذي ورث عداوةً قديمةً ضد عائلتها.
"لكن... لم يخبرني شيئاً!" صرخت عائشة، صوتها يرتعش بين الغضب والذهول. "لماذا أخفى عني كل هذا؟"
"ربما ظنّ أنكِ لن تتقبلي الأمر،" قال الشيخ أحمد بحزن. "وربما... ربما كان يخاف من ردة فعلكِ. هو أيضاً، لم يعرف الحقيقة كاملة إلا مؤخراً. وحاول جاهداً تصحيح الأخطاء."
"تصحيح الأخطاء؟" تكرر عائشة الكلمة بمرارة. "هل يعتقد أن مشاعري لعبة؟ هل يعتقد أن قلبي قابلٌ للمساومة؟"
"لا يا بنيتي، لم يكن ليقصد ذلك أبداً. هو يشعر بالأسى العميق، وأكثر مما تتخيلين."
"يوسف..." هكذا نادته عائشة بصوتٍ ضعيف، كأنها تستدعي شبحه. "لماذا فعلت هذا بي؟"
في هذه الأثناء، كان يوسف يقف خارج الباب، قد سمع ما قاله الشيخ أحمد لزوجته. كان قلبه يرتجف. لقد حاول أن يختار اللحظة المناسبة، لكن الظروف دفعت بالحقيقة إلى الظهور قبل أوانه. رأى عائشة في حالةٍ يرثى لها، مصدومةً، متألمةً. لم يستطع تحمل رؤيتها هكذا.
فتح الباب ببطء ودخل. وقفت عائشة، وعيناها تقدحان بالدموع واللوم.
"عائشة..." بدأ يوسف، صوته مخنوق. "أرجوكِ، اسمحي لي أن أشرح."
"تشرح ماذا؟" قاطعته بصوتٍ حاد. "أن تشرح لي كيف أنني كنتِ مجرد أداةٍ لتحقيق غاية؟ أن تشرح لي كيف أن كل شيءٍ كان كذبة؟"
"لم تكن كذبة!" استغاث بها، متقدماً بضع خطوات. "لم يكن في قلبي شيءٌ إلا الصدق. منذ اللحظة الأولى التي رأيتكِ فيها، شعرتُ بشيءٍ لم أشعر به من قبل. ولكن، عندما اكتشفتُ الحقيقة، لم أستطع أن أخبركِ مباشرة. كنتُ خائفاً، خائفاً جداً من أن أخسركِ."
"وخوفك هذا جعلكَ تخفيني الحقيقة؟" قالت بمرارة، ودموعها تتساقط بحرية. "لقد آذيتني أكثر مما تتخيل. لم أكن أتوقع هذا منك أبداً، يوسف."
"أعلم، وأنا أتحمل المسؤولية كاملة." انحنى رأسه. "لقد ورثتُ عن أبي أخطاءً، ولكنني لم أرد أن أجلب لكِ المزيد من الألم. حاولتُ أن أجد طريقةً لتصحيح ما فعله، بطريقةٍ تحفظ كرامتكِ وكرامة عائلتكِ."
"ولكنك لم تحفظ كرامتي عندما تركتني أغرق في وهمٍ جميل!"
"ذلك الوهم،" قال يوسف، رافعاً رأسه ليقابل نظرتها، "كان جزءاً مني. كانت مشاعري نحوكِ حقيقية، حقيقية جداً. لم أكن أشك في ذلك أبداً. ولكن، هل يمكنكِ أن تسامحيني، عائشة؟ هل يمكنكِ أن تفهمي أني كنتُ في موقفٍ صعب؟"
لم تجب عائشة. صمتها كان أبلغ من أي رد. كانت تشعر بأن كل شيءٍ انهار حولها. لم تعد تعرف من هو يوسف، ولا ما هو حق. كانت روحها متعبة، منهكة.
"لقد علمتُ بالصدفة،" قالت أخيراً، بصوتٍ بالكاد يُسمع. "سمعتُ الحديث بين أبيكِ وعمي. لو لم أسمع، متى كنتَ ستقول لي؟ هل كنتَ ستنتظر حتى نتزوج؟"
نطق الشيخ أحمد بكلماتٍ لم يكن يتوقع أن ينطق بها: "يا يوسف، هل هذا صحيح؟ هل كنت تنوي الزواج بها دون أن تعلمها بالحقيقة؟"
نظر يوسف إلى الشيخ أحمد، ثم عاد بنظره إلى عائشة. بدا وكأنه قد انكسر. "كنتُ أخشى ذلك،" قال بصوتٍ خافت. "كنتُ أخشى أن أبتعد عنكِ. ولكن، إذا كان هذا ما تعتقدينه، فإنني... لا أستطيع أن أجبركِ على شيء."
انفجرت أمينة بالبكاء مرة أخرى، واحتضنت ابنتها. "يا ابنتي، إنها لحظةٌ صعبة، ولكننا سنجتازها معاً."
شعرت عائشة بالبرد يتسلل إلى عظامها. لم تعد ترى بوضوح. كل الوجوه من حولها بدت بعيدة، مشوهة. كانت تشعر بأنها وحيدةٌ في عاصفةٍ من المشاعر المتضاربة. الحب، الغضب، الخيانة، الألم.
"أنا... أنا أحتاج بعض الوقت،" قالت بصوتٍ مرتجف، ثم استدارت وخرجت مسرعةً من الغرفة، تاركةً خلفها صمتًا ثقيلاً، وقلوباً مفطورة، وأسراراً بدأت تتكشف كالليل، لتترك وراءها ظلاماً عميقاً. كانت تعرف، في قرارة نفسها، أن ما حدث كان نقطة اللاعودة. وأن حياتها لن تعود أبداً كما كانت.